🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

الطفيل عامر بن واثلة؟ قال : نعم. قال معاوية : أكنت ممّن قتل عثمان أمير المؤمنين؟ قال : لا ، ولكن ممّن شهده فلم ينصره. قال : ولم؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار. فقال معاوية أما والله إنّ نصرته كانت عليهم وعليك حقّا واجباً وفرضاً لازماً ، فإذ ضيّعتموه فقد فعل الله بكم ما أنتم أهله ، وأصاركم إلى ما رأيتم. فقال أبو الطفيل : فما منعك يا أمير المؤمنين إذ تربّصت به ريب المنون أن تنصره ومعك أهل الشام؟ قال معاوية : أوَما ترى طلبي لدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال : بلى ، ولكنّي وإيّاك (١) كما قال عبيد بن الأبرص (٢) :

لأعرفنّك بعد الموت تندبني

وفي حياتي ما زوّدتني زادي

فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحكم ، فلمّا جلسوا نظر إليهم معاوية ثمّ قال : أتعرفون هذا الشيخ؟ قالوا : لا. فقال معاوية : هذا خليل عليّ بن أبي طالب ، وفارس صفّين ، وشاعر أهل العراق ، هذا أبو الطفيل. قال سعيد بن العاص : قد عرفناه يا أمير المؤمنين! فما يمنعك منه؟ وشتمه القوم ، فزجرهم معاوية وقال : مهلاً فربّ يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعاً ، ثمّ قال : أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل؟ قال : ما أُنكرهم من سوء ولا أعرفهم بخير ، وأنشد شعراً :

فإن تكنِ العداوةُ قد أكنّت

فشرُّ عداوة المرء السبابُ

فقال معاوية : يا أبا الطفيل ما أبقى لك الدهر من حبّ عليّ؟ قال : حبّ أُم موسى ، وأشكو إلى الله التقصير. فضحك معاوية وقال : ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سُئلِوا عنّي ما قالوا هذا. فقال مروان : أجل والله لا نقول الباطل.

الإمامة والسياسة (١ / ١٥٨) ، مروج الذهب (٢ / ٦٢) ، تاريخ ابن عساكر

__________________

(١) كذا والصحيح كما في مروج الذهب [٣ / ٢٦] : ولكنك وإيّاه. (المؤلف)

(٢) ديوان عَبِيد بن الأبرص : ص ٥٦.

٢٠١

(٧ / ٢٠١) ، الاستيعاب في الكنى ، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ١٣٣) (١).

قال الأميني : أترى هذا الشيخ الكبير الصالح كيف يعترف بخذلانه عثمان؟ ويحكي مصافقته على ذلك عن المهاجرين والأنصار الصحابة العدول ، غير متندّم على ما فرّط هنالك ، ولو كان يتحرّج هو ومن نقل عنهم موافقتهم له لردعتهم الصحبة والعدالة عمّا ارتكبوه من القتل والخذلان ، ولو كان لحقه وإيّاهم شيء من الندم لباح به وباحوا ، لكنّهم اعتقدوا أمراً فمضوا على ضوئه ، وإنّهم كانوا على بصيرة من أمرهم ، وما اعتراهم الندم إلى آخر نفس لفظوه.

ـ ٢٧ ـ

حديث سعد بن أبي وقّاص

أحد العشرة المبشّرة ، وأحد الستّة أصحاب الشورى

١ ـ روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (٢) (١ / ٤٣) ، قال : كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقّاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولّى كبره؟ فكتب إليه سعد : إنّك سألتني من قتل عثمان ، وإنّي أُخبرك أنّه قتل بسيف سلّته عائشة ، وصقله طلحة ، وسمّه ابن أبي طالب ، وسكت الزبير وأشار بيده ، وأمسكنا نحن ، ولو شئنا دفعناه عنه ، ولكن عثمان غيّر وتغيّر وأحسن وأساء ، فإن كنّا أحسنّا ، فقد أحسنّا وإن كنّا أسأنا فنستغفر الله. الحديث مرّ بتمامه (ص ٨٣).

٢ ـ عن أبي حبيبة ، قال : نظرت إلى سعد بن أبي وقّاص يوم قتل عثمان دخل عليه ثمّ خرج من عنده وهو يسترجع ممّا يرى على الباب ، فقال له مروان : الآن

__________________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ١٦٥ ، مروج الذهب : ٣ / ٢٥ ، تاريخ مدينة دمشق ٢٦ / ١١٦ ـ ١١٧ رقم ٣٠٦٤ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١١ / ٢٩٣ ، الاستيعاب : القسم الرابع / ١٦٩٧ رقم ٣٠٥٤ ، تاريخ الخلفاء : ص ١٨٦.

(٢) الإمامة والسياسة : ١ / ٤٨.

٢٠٢

تندم؟ أنت أشعرته. فأسمع سعداً يقول : أستغفر الله لم أكن أظنّ الناس يجترءون هذه الجرأة ولا يطلبون دمه ، وقد دخلت عليه الآن فتكلّم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك ، فنزع عن كلّ ما كُره منه ، وأعطى التوبة ، وقال : لا أتمادى في الهلكة ، إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق ، فأنا أتوب وأنزع. فقال مروان : إن كنت تريد أن تذبّ عنه ، فعليك بابن أبي طالب فإنّه متستّر وهو لا يُجبه.

فخرج سعد حتى أتى عليّا وهو بين القبر والمنبر ، فقال : يا أبا الحسن قم فداك أبي وأُمّي جئتك والله بخير ما جاء به أحد قطّ إلى أحد ، تصل رحم ابن عمّك ، وتأخذ بالفضل عليه ، وتحقن دمه ، ويرجع الأمر على ما نحبّ ، قد أعطى خليفتك من نفسه الرضا. فقال عليّ : «تقبّل الله منه يا أبا إسحاق والله ما زلت أذبّ عنه حتى إنّي لأستحي ، ولكن مروان ومعاوية وعبد الله بن عامر وسعيد بن العاص هم صنعوا به ما ترى ، فإذا نصحته وأمرته أن ينحّيهم استغشّني حتى جاء ما ترى». قال : فبيناهم كذلك جاء محمد بن أبي بكر ، فسارّ عليّا ، فأخذ عليّ بيدي ، ونهض عليّ وهو يقول : «وأيّ خير توبته هذه؟» فو الله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة أنّ عثمان قد قتل ، فلم نزل والله في شرّ إلى يومنا هذا.

تاريخ الطبري (١) (٥ / ١٢١).

قال الأميني : يتراءى للقارئ من هذه الجمل أنّ سعداً خذل الخليفة على حين أنّه مكثور لا يُراد به إلاّ القتل وهو على علم منه أنّه مقتول لا محالة لما كان يرى أنّه غيّر وتغيّر ، وغير عازب عن سعد حينئذ حكم الشريعة بوجوب كلاءة النفس المحترمة للمتمكّن منها وهو يقول : وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه. حتى أنّه بعد هدوء الثورة غير جازم بأنّه ارتكب حوباً في خذلانه فيقول : إن كنّا أحسنّا فقد أحسنّا ، وإن كنّا أسأنا فنستغفر الله ، وعلى تقدير كونه إساءة يراها من اللمم الممحوّ

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٧٧ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٢٠٣

بالاستغفار ، ولعلّ الشقّ الأخير من كلمته مجاملة مع عمرو بن العاصي لئلاّ يلحقه الطلب بدم عثمان ، ولذلك ألقى المسؤوليّة على أُناس آخرين من علّيّة الأُمّة ذكرهم في كتابه ، وعليه فصميم رأيه هو ما ارتكبه ساعة القتل من الخذلان.

ـ ٢٨ ـ

حديث مالك الأشتر بن الحارث

المترجم له فيما مرّ (ص ٣٨ ـ ٤٠)

ذكر البلاذري في الأنساب (١) (٥ / ٤٦) : أنّ عثمان كتب إلى الأشتر وأصحابه مع عبد الرحمن بن أبي بكر ، والمسور بن مخرمة يدعوهم إلى الطاعة ويُعلمهم أنّهم أوّل من سنّ الفرقة ، ويأمرهم بتقوى الله ومراجعة الحقّ ، والكتاب إليه بالذي يحبّون.

فكتب إليه الأشتر :

من مالك بن الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنّة نبيّه ، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره :

أمّا بعد ؛ فقد قرأنا كتابك فانهَ نفسك وعمّالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين نسمح لك بطاعتنا ، وزعمت أنّا قد ظلمنا أنفسنا ، وذلك ظنّك الذي أرداك ، فأراك الجور عدلاً ، والباطل حقّا. وأمّا محبّتنا فإن تنزع وتتوب وتستغفر الله من تجنّيك على خيارنا ، وتسييرك صلحاءنا ، وإخراجك إيّانا من ديارنا ، وتوليتك الأحداث علينا ، وأن تولّي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري وحذيفة فقد رضيناهما ، واحبس عنّا وليدك وسعيدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله والسلام.

وخرج بكتابهم يزيد بن قيس الأرحبي ، ومسروق بن الأجدع الهمداني ،

__________________

(١) أنساب الأشراف : ٦ / ١٥٩.

٢٠٤

وعبد الله بن أبي سبرة الجعفي ، وعلقمة بن قيس أبو شبل النخعي ، وخارجة بن الصلت البرجمي في آخرين. فلمّا قرأ عثمان الكتاب قال : اللهمّ إنّي تائب وكتب إلى أبي موسى وحذيفة : أنتما لأهل الكوفة رضىً ولنا ثقة ، فتولّيا أمرهم وقوما به بالحقّ غفر الله لنا ولكما. فتولّى أبو موسى وحذيفة الأمر ، وسكّن أبو موسى الناس ، وقال عتبة بن الوغل

تصدّق علينا يا ابن عفّان واحتسب

وأمّر علينا الأشعريّ لياليا

فقال عثمان : نعم وشهوراً إن بقيت.

قال الأميني : نظريّة مالك الذي عرفته صحيفة (٣٨) في عثمان صريحة واضحة لا تحتاج إلى تحليل وتعليل ، وإنّما أعطى من نفسه الرضا في كتابه بشرط النزوع والتوبة ، لكنّه لمّا لم يجد للشرط وفاءً بل وجد منه إصراراً على ما نقمه هو والصحابة كلّهم تنشّط للمخالفة ، وأجلب عليه خيلاً ورجلاً ، ولم يزل مشتدّا في ذلك حتى بلغ ما أراد.

وسنوقفك على حقيقة أمر الخليفة من توبته بعد توبته في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى.

ـ ٢٩ ـ

حديث عبد الله بن عكيم

أخرج ابن سعد والبلاذري ؛ بإسنادهما عن عبد الله بن عكيم الجهني ـ الصحابيّ ـ ، قال : لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان. فقيل له : يا أبا معبد وأعنت على دمه؟ قال : إنّي أعدّ ذكر مساوئه إعانة على دمه.

طبقات ابن سعد (٣ / ٥٦) ، الأنساب للبلاذري (٥ / ١٠١) (١).

قال الأميني : هذا الحديث صريح في أنّ الرجل كان يعتقد في عثمان مساوئ

__________________

(١) الطبقات الكبرى : ٦ / ١١٥ ، أنساب الأشراف : ٦ / ٢٢٦.

٢٠٥

ومثالب ، وقد اطمأنّ بثبوتها له ، فتحدّث بها في الأندية والمحاشد إعانة على دمه ، فكان ذلك من موجبات قتله ، ولم يزل معترفاً به بعد أن أُسيلت نفسه وأريق دمه.

ـ ٣٠ ـ

حديث محمد بن أبي حذيفة

كان أبو القاسم محمد بن أبي حذيفة العبشمي من أشدّ الناس تأليباً على عثمان ، وذكر البلاذري في الأنساب قال : كان محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة ، ومحمد بن أبي حذيفة ، خرجا إلى مصر عام مخرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها ، فأظهر محمد ابن أبي حذيفة عيب عثمان والطعن عليه وقال : استعمل عثمان رجلاً أباح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دمه يوم الفتح ونزل القرآن بكفره حين قال : سأُنزل مثل ما أنزل الله (١).

وكانت غزاة ذات الصواري في المحرّم سنة أربع وثلاثين وعليها عبد الله بن سعد ، فصلّى بالناس فكبّر ابن أبي حذيفة تكبيرة أفزعه بها ، فقال : لو لا أنّك أحمق لقرّبت بين خطوك ، ولم يزل يبلغه عنه وعن ابن أبي بكر ما يكره ، وجعل ابن أبي حذيفة يقول : يا أهل مصر إنّا خلّفنا الغزو وراءنا ، يعني غزو عثمان.

إنّ محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ووافقا بمصر محمد بن طلحة بن عبيد الله وهو مع عبد الله بن سعد ، وإنّ ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة التي قدم فيها ففاتته الصلاة فجهر بالقراءة فسمع ابن أبي سرح قراءته فسأل عنه ، فقيل : رجل أبيض وضيء الوجه. فأمر إذا صلّى أن يؤتى به ، فلمّا رآه قال : ما جاء بك إلى بلدي؟ قال : جئت غازياً ، قال : ومن معك؟ قال : محمد بن أبي بكر. فقال : والله

__________________

(١) يعني بذلك عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو صاحب يوم الفتح وفيه نزلت الآية كما مرّ في : ص ٢٨١ من الجزء الثامن. (المؤلف)

٢٠٦

ما جئتما إلاّ لتُفسدا الناس ، وأمر بهما فسجنا ، فأرسلا إلى محمد بن طلحة يسألانه أن يكلّمه فيهما لئلاّ يمنعهما من الغزو ، فأطلقهما ابن أبي سرح وغزا ابن أبي سرح إفريقية فأعدّ لهما سفينة مُفردة لئلاّ يُفسدا عليه الناس ، فمرض ابن أبي بكر فتخلّف وتخلّف معه ابن أبي حذيفة ، ثمّ إنّهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلاّ وقد أوغرا صدور الناس على عثمان ، فلمّا وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه ، فشخص إلى المدينة وخلف على مصر رجلاً كان هواه مع ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة ، فكان ممّن شايعهم وشجّعهم على المسير إلى عثمان.

قالوا : وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبحمل عليه كسوة فأمر فوضُع في المسجد وقال : يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه؟ فازداد أهل مصر عيباً لعثمان وطعناً عليه ، واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم ، فلمّا بلغ عثمان ذلك دعا بعمّار بن ياسر فاعتذر إليه ممّا فعل به واستغفر الله منه وسأله أن لا يحقده عليه ، وقال : بحسبك من سلامتي لك ثقتي بك ، وسأله الشخوص إلى مصر ليأتيه بصحّة خبر ابن أبي حذيفة ، وحقّ ما بلغه عنه من باطله ، وأمره أن يقوم بعذره ، ويضمن عنه العُتبى لمن قدم عليه ، فلمّا ورد عمّار مصر (١) حرّض الناس على عثمان ودعاهم إلى خلعه ، وأشعلها عليه ، وقوى رأي ابن أبي حذيفة وابن أبي بكر وشجّعهما على المسير إلى المدينة ، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يُعلمه ما كان من عمّار ، ويستأذنه في عقوبته ، فكتب إليه : بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح فأحسن جهاز عمّار واحمله إليّ ، فتحرّك أهل مصر وقالوا : سُيّر عمّار ، ودبّ فيهم ابن أبي حذيفة ودعاهم إلى المسير فأجابوه (٢).

__________________

(١) سنوقفك على أنّ بعث عمّار إلى مصر قطّ لا يصحّ. (المؤلف)

(٢) أنساب البلاذري : ٥ / ٤٩ ـ ٥١ [٦ / ١٦٣ ـ ١٦٥] ، تاريخ ابن كثير : ٧ / ١٥٧ [٧ / ١٧٧ حوادث سنة ٣١ ه‍]. (المؤلف)

٢٠٧

وذكر أبو عمر الكندي في أُمراء مصر : أنّ عبد الله بن سعد أمير مصر كان توجّه إلى عثمان لمّا قام الناس عليه ، فطلب أمراء الأمصار فتوجّه إليه في رجب سنة (٣٥) واستناب عقبة بن عامر ، فوثب محمد بن أبي حذيفة على عقبة ـ وكان يوم ذاك بمصر ـ فأخرجه من مصر وغلب عليها ، وذلك في شوّال منها ، ودعا إلى خلع عثمان ، وأسعر البلاد ، وحرّض على عثمان (١).

وأخرج من طريق الليث عن عبد الكريم الحضرمي كما في الإصابة (٣ / ٣٧٣) : أنّ ابن أبي حذيفة كان يكتب الكتب على [ألسنة] (٢) أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الطعن على عثمان ، كان يأخذ الرواحل فيحصرها ثمّ يأخذ الرجال الذين يريد أن يبعث بذلك معهم ، فيجعلهم على ظهور بيت في الحرّ ، فيستقبلون بوجوههم الشمس ليلوحهم تلويح المسافر ، ثمّ يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة ، ثمّ يرسل رسلاً يخبروا بقدومهم فيأمر بتلقّيهم ، فإذا لقوا الناس قالوا لهم : ليس عندنا خبر ، الخبر في الكتب ، فيتلقّاهم ابن أبي حذيفة ومعه الناس ، فيقول لهم الرسل : عليكم بالمسجد ، فيقرأ عليهم الكتب من أُمّهات المؤمنين : إنّا نشكو إليكم يا أهل الإسلام كذا وكذا من الطعن على عثمان ، فيضجّ أهل المسجد بالبكاء والدعاء ، فلمّا خرج المصريّون ووجّهوا نحو المدينة على عثمان شيّعهم محمد بن أبي حذيفة إلى عجرود ثمّ رجع.

قال الأميني : أترى هذا الصحابيّ العظيم كيف يجدّ ويجتهد في إطفاء هذه النائرة ولا يخاف ـ فيما يعتقد أنّه في الله ـ لومة لائم ، غير مكترث لما بهته به العثمانيّون من اختلاق الكتب على أُمّهات المؤمنين ، وتسويد الوجوه بمواجهة الشمس ، ولم يزل على

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٥ / ١٠٩ [٤ / ٣٥٧ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، الاستيعاب : ١ / ٢٣٣ [القسم الثالث / ١٣٦٩ رقم ٢٣٢٦] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٦٧ [٢ / ٢٨٠ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، الإصابة : ٣ / ٣٧٣ [رقم ٧٧٦٧]. (المؤلف)

(٢) الزيادة من المصدر.

٢٠٨

دأبه واجتهاده حتى قضي الأمر ، وأُزيحت المثلات ، وما نبزوه به من الافتعال والتزوير هو حرفة كلّ عاجز ، ولعلّه دُبّر في الأزمنة الأخيرة كما دُبّرت أمثاله في كلّ من الثائرين على عثمان ستراً على الحقائق الراهنة.

وهل من المستبعد أن تكتب في التأليب على عثمان صاحبة قول : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً إنّه قد كفر. [وقائلة : وددت والله أنه في غرارةٍ من غرائري هذهِ وأني طوّقت حمله حتى ألقيه في البحر] (١) وقائلة : وددت والله أنّك ـ يا مروان ـ وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كلّ واحد منكما رحاً وأنّكما في البحر. وقائلة : بُعداً لنعثل وسحقاً. وقائلة : أبعده الله ، ذلك لما قدّمت يداه وما الله بظلاّم للعبيد. وقائلة : يا ابن عبّاس إنّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية.

وهي كانت في الرعيل الأوّل من الثائرين على عثمان بشتّى الحيل والطرق الثائرة.

هب أنّهم بهتوا القوم بتلكم الأفائك لكن هل يسعهم إنكار تألّبهم على الخليفة يومئذ؟ وقد التزموا بعدالتهم ، والصحاح والمسانيد مشحونة بالاحتجاج بهم والإخراج عنهم ، نعم غاية ما يمكّنهم من التقوّل الحكم بالخطإ في الاجتهاد شأن كلّ متقابلين في حكم شرعيّ ، وليس تحكّمهم هذا بأرجح من رأي من يرى أنّهم أصابوا في الاجتهاد وإجماع الصحابة يومئذ كان معاضداً لهم ، وهم يقولون : إنّ أُمّة محمد لا تجتمع على خطأ.

ـ ٣١ ـ

حديث عمرو بن زرارة النخعي

أدرك عصر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال البلاذري وغيره : إنّ أوّل من دعا إلى خلع عثمان والبيعة لعليّ عمرو بن زرارة بن قيس النخعي ، وكميل بن زياد بن نهيك النخعي ، فقام عمرو بن زرارة

__________________

(١) ساقط من الطبعة الثانية وأثبتناه من الأُولى.

٢٠٩

فقال : أيّها الناس إنّ عثمان قد ترك الحقّ وهو يعرفه ، وقد أغرى بصلحائكم يولّي عليهم شراركم ، فبلغ الوليد فكتب إلى عثمان بما كان من ابن زرارة ، فكتب إليه عثمان ، أنّ ابن زرارة أعرابيّ جلف ، فسيّره إلى الشام. وشيّعه الأشتر والأسود بن يزيد بن قيس وعلقمة بن قيس بن يزيد وهو عمّ الأسود والأسود أكبر منه ، فقال قيس بن قهدان يومئذٍ

أُقسمُ بالله ربّ البيت مجتهداً

أرجو الثواب به سرّا وإعلانا

لأخلعنّ أبا وهبٍ وصاحبه

كهف الضلالة عثمان بن عفّانا

وقال ابن الأثير : هو ممّن سيّره عثمان من أهل الكوفة إلى دمشق.

راجع (١) : الأنساب للبلاذري (٥ / ٣٠) ، أُسد الغابة (٤ / ١٠٤) ، الإصابة (١ / ٥٤٨ و ٢ / ٥٣٦).

قال الأميني : ليس على نظريّة هذا الصحابي ستر يماط عنها ، ولا أنّه كان يلهج بغير المكشوف حتى يُسدل عليه شيء من التمويه ، فإنّك لا تجد رأيه إلاّ في عداد آراء الصحابة جمعاء يومئذٍ.

ـ ٣٢ ـ

حديث صعصعة بن صوحان

سيّد قومه عبد القيس

أخرج ابن عساكر في تاريخه (٢) (٦ / ٤٢٤) من طريق حميد بن هلال العدوي ، قال : قام صعصعة إلى عثمان بن عفّان وهو على المنبر فقال : يا أمير المؤمنين ملت فمالت أُمّتك ، اعتدل يا أمير المؤمنين تعتدل أُمّتك.

__________________

(١) أنساب الأشراف : ٦ / ١٣٩ ، أُسد الغابة : ٤ / ٢٢٣ رقم ٣٩٢٠.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ٢٤ / ٨٤ ، ٨٨ رقم ٢٨٨١ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١١ / ٨٥.

٢١٠

قال : وتكلّم صعصعة يوماً فأكثر ، فقال عثمان : يا أيّها الناس إنّ هذا البجباج النفّاج ما يدري من الله ولا أين الله. فقال : أمّا قولك : ما أدري من الله : فإنّ الله ربّنا وربّ آبائنا الأوّلين ، وأمّا قولك : لا أدري أين الله : فإنّ الله لبالمرصاد ، ثمّ قرأ : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (١). فقال عثمان : ما نزلت هذه الآية إلاّ فيّ وفي أصحابنا ، أخرجنا من مكة بغير حقّ.

وذكره الزمخشري في الفائق (٢) (١ / ٣٥) فقال : البجباج : الذي يهبر الكلام وليس لكلامه جهة ، وروي : الفجفاج ؛ وهو الصيّاح المكثار. وقيل : المأفون المختال. والنفّاج : الشديد الصلف.

وأوعز إليه ابن منظور في لسان العرب (٣) (٣ / ٣٢) ، وقال : البجباج من البجبجة التي تفعل عند مناغاة الصبي ، وبجباج فجفاج كثير الكلام ، والبجباج : الأحمق ، والنفّاج : المتكبّر.

وكذا ذكره ابن الأثير في النهاية (٤) (١ / ٧٢) ، والزبيدي في تاج العروس (٢ / ٦).

قال الأميني : هذا صعصعة الذي أسلفنا صفحة (٤٣) من هذا الجزء ذكر عظمته وفضله وبطولته وثقته في الدين والدنيا ، يرى أنّ الخليفة مال عن الحقّ فمالت أُمّته ولو اعتدل اعتدلت ، وفي تلاوته الآية الكريمة في محاورته إيذان بالحرب ، وأنّه ومن شاكله مظلومون من ناحية عثمان منصورون بالله تعالى ، فهو بذلك مستبيح لمنابذته ومناجزته ، لقد لهج صعصعة بهذه على رءوس الأشهاد والخليفة على المنبر يخطب ، فلم يسمع إنكاراً أو دفاعاً من أفاضل الصحابة العدول.

__________________

(١) الحج : ٣٩.

(٢) الفائق : ١ / ٧٨.

(٣) لسان العرب : ١ / ٣١٦.

(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر : ١ / ٩٦.

٢١١

ـ ٣٣ ـ

حديث حكيم بن جبلة العبدي

الشهيد يوم الجمل

كان هذا الرجل العظيم صالحاً ديّناً مطاعاً في قومه كما وصفه أبو عمر ، وأثنى عليه المسعودي بالسيادة والزهد والنسك. كان أحد زعماء الثائرين على عثمان من أهل البصرة كما يأتي. وقال المسعودي : إنّ الناس لمّا نقموا على عثمان ما نقموا ، سار فيمن سار إلى المدينة حكيم بن جبلة. وقال الذهبي : كان ممّن ألّب على عثمان رضى الله عنه. وجاء في مقال خفاف الطائي في الحديث عن عثمان : حصره المكشوح ، وحكم فيه حكيم ، ووليه محمد وعمّار ، وتجرّد في أمره ثلاثة نفر : عديّ بن حاتم ، والأشتر النخعي ، وعمرو بن الحمق ، وجدّ في أمره رجلان : طلحة والزبير. الحديث.

وقال أبو عمر : كان ممّن يعيب عثمان من أجل عبد الله بن عامر وغيره من عمّاله. قال أبو عبيد : قطعت رجل حكيم يوم الجمل فأخذها ثمّ زحف إلى الذي قطعها ، فلم يزل يضربه بها حتى قتله ، وقال :

يا نفس لن تراعي

دعاك خير داعي

إن قُطِعَتْ كراعي

إنّ معي ذراعي (١)

فالباحث يجد لهذا البطل الصالح الديّن الزاهد الناسك قدماً أيّ قدم في التأليب على الخليفة ، وله خطواته الواسعة في استحلال دمه والتجمهر عليه ، وهو مع ذلك كلّه بعد صالح يُذكر ويُشكر ويُثنى عليه ، ما اسودّت صحيفة تاريخه بمناجزته الخليفة

__________________

(١) راجع : كتاب صفين لابن مزاحم : ص ٨٢ [ص ٦٥] ، مروج الذهب : ٢ / ٧ [٢ / ٣٦١ و ٣٧٥] ، الاستيعاب : ١ / ١٢١ [القسم الأوّل / ٣٦٦ رقم ٥٤٠] ، دول الإسلام للذهبي : ١ / ١٨ [ص ٢٣ حوادث سنة ٣٦ ه‍] ، ابن أبي الحديد : ١ / ٢٥٩ [٣ / ١١١ خطبة ٤٣]. (المؤلف)

٢١٢

والوقيعة فيه ومقته والنقمة عليه ، ولم يتضعضع بها أركان صلاحه ، وما اختلّ بها نظام نسكه ، ولا شوّهت سمعته الدينيّة ، ولا دنّست ساحة قدسه ، وهذه كلّها لا تلتئم مع كون الخليفة إمام عدل.

ـ ٣٤ ـ

حديث هشام بن الوليد المخزومي أخي خالد

مرّ في (ص ١٥) من هذا الجزء قول الرجل لعثمان لمّا ضرب عمّاراً حتى غُشي عليه : يا عثمان أمّا عليّ فاتّقيته وبني أبيه ، وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف ، أما والله لئن مات لأقتلنّ به رجلاً من بني أُميّة عظيم السرّة. فقال عثمان : وإنّك لهاهنا يا ابن القسريّة؟ قال : فإنّهما قسريّتان ، وكانت أُمّه وجدّته قسريّتين من بجيلة ، فشتمه عثمان وأمر به فأخرج.

ولهشام أبيات في عثمان ذكرها المرزباني في معجم الشعراء كما قاله ابن حجر في الإصابة (٣ / ٦٠٦) وذكر منها قوله :

لساني طويلٌ فاحترسْ من شدائِهِ

عليك وسيفي من لسانيَ أطولُ

لعلّ الباحث لا يعزب عنه رأي هذا الصحابي ـ العادل ـ في الخليفة ، ولا يجده شاذّا عن بقيّة الصحابة في إصفاقهم على مقته بعد ما يراه كيف يجابه الرجل بفظاظة وخشونة ، ويقابله بالقول القارص ، ويهدّده بالهجاء والقتل ، غير راع له أيّ حرمة وكرامة ، لا يحسب تلكم القوارص زوراً من القول ، وفنداً من الكلام ، بل يرى الخليفة أهلاً لكلّ ذلك ، فهل يجتمع هذا مع كون الرجل إمام عدل عند المخزومي؟

ـ ٣٥ ـ

حديث معاوية بن أبي سفيان الأموي

١ ـ من كتاب لأمير المؤمنين إلى معاوية : «فسبحان الله ما أشدّ لزومك

٢١٣

للأهواء المبتدعة والحيرة المتّبعة ، ومع تضييع الحقائق واطّراح الوثائق التي هي لله طلبة ، وعلى عباده حجّة ، فأمّا إكثارك الحجاج في عثمان وقتله ، فإنّك إنّما نصرت عثمان حيث كان النصر لك ، وخذلته حيث كان النصر له» (١).

٢ ـ ومن كتاب له عليه‌السلام إلى معاوية : «فو الله ما قتل ابن عمّك غيرك».

راجع ما مرّ من حديث أمير المؤمنين.

٣ ـ ومن كتاب له عليه‌السلام إلى الرجل : «قد أسهبت في ذكر عثمان ، ولعمري ما قتله غيرك ، ولا خذله سواك ، ولقد تربّصت به الدوائر ، وتمنّيت له الأماني ، طمعاً فيما ظهر منك ، ودلّ عليه فعلك».

شرح ابن أبي الحديد (٢) (٣ / ٤١١).

٤ ـ من كتاب لابن عبّاس إلى معاوية : أمّا ما ذكرت من سرعتنا إليك بالمساءة إلى أنصار ابن عفّان ، وكراهتنا لسلطان بني أُميّة ، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره ، حتى صرت إلى ما صرت إليه ، وبيني وبينك في ذلك ابن عمّك وأخو عثمان : الوليد بن عقبة.

كتاب نصر (ص ٤٧٢) ، الإمامة والسياسة (١ / ٩٦) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٢٨٩) (٣).

٥ ـ من كتاب لابن عبّاس إلى معاوية : وأمّا قولك : إنّي من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي ، فأُقسم بالله لأنت المتربّص بقتله ، والمحبّ لهلاكه ، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من

__________________

(١) نهج البلاغة : ٢ / ٦٢ [ص ٤١٠ كتاب ٣٧]. (المؤلف)

(٢) شرح نهج البلاغة : ١٥ / ٨٤ كتاب ١٠.

(٣) وقعة صفّين : ص ٤١٥ ، الإمامة والسياسة : ١ / ١٠٠ ، شرح نهج البلاغة : ٨ / ٦٦ خطبة ١٢٤.

٢١٤

أمره ، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث ويستصرخ ، فما حفلت به حتى بعثت إليه معذراً بأجرة أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتى يُقتل ، فقتل كما كنت أردت ، ثمّ علمت عند ذلك أنّ الناس لن يعدلوا بيننا وبينك فطفقت تنعى عثمان وتلزمنا دمه وتقول : قُتل مظلوماً. فإن يك قُتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين. مرّ تمام الكتاب في صفحة (١٣٤).

٦ ـ روى البلاذري في الأنساب (١) قال : لمّا أرسل عثمان إلى معاوية يستمدّه ، بعث يزيد بن أسد القسري جدّ خالد بن عبد الله بن يزيد أمير العراق وقال له : إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ولا تقل : الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فإنّني أنا الشاهد وأنت الغائب ، قال : فأقام بذي خُشب حتى قُتل عثمان ، فاستقدمه حينئذٍ معاوية ، فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه ، وإنّما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.

راجع شرح ابن أبي الحديد (٢) (٤ / ٥٧).

٧ ـ من خطبة لشبث بن ربعي يخاطب معاوية : إنّه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب ، إنّك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس ، وتستميل به أهواءهم ، وتستخلص به طاعتهم ، إلاّ قولك : قُتل إمامكم مظلوماً ، فنحن نطلب بدمه. فاستجاب له سفهاء طغام ، وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر ، وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب. الخ.

كتاب صفّين لابن مزاحم (ص ٢١٠) ، تاريخ الطبري (٥ / ٢٤٣) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ١٢٣) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٣٤٢) (٣).

__________________

(١) أنساب الأشراف : ٦ / ١٨٨.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١٦ / ١٥٤ كتاب ٣٧.

(٣) وقعة صفّين : ص ١٨٧ ، تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٥٧٣ حوادث سنة ٣٦ ه‍ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٣٦٥ حوادث سنة ٣٦ ه‍ ، شرح نهج البلاغة : ٤ / ١٥ خطبة ٥٤.

٢١٥

٨ ـ من كتاب لأبي أيّوب الأنصاري جواباً لمعاوية : فما نحن وقتلة عثمان ، إنّ الذي تربّص بعثمان وثبّط أهل الشام عن نصرته لأنت ، وإنّ الذين قتلوه غير الأنصار.

الإمامة والسياسة (١ / ٩٣) وفي طبعة (ص ٨١) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٢٨١) (١).

٩ ـ من كتاب لمحمد بن مسلمة الأنصاري جواباً لمعاوية : ولئن كنت نصرت عثمان ميّتاً لقد خذلته حيّا ، ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصواب.

الإمامة والسياسة (١ / ٨٧) ، شرح ابن أبي الحديد (١ / ٢٦٠) (٢).

١٠ ـ في محاورة بين معاوية وأبي الطفيل الكناني : قال معاوية : أكنت فيمن حضر قتل عثمان؟ قال : لا ، ولكنّي فيمن حضر فلم ينصره ، قال : فما منعك من ذلك وقد كانت نصرته عليك واجبة؟ قال : منعني ما منعك إذ تربّصت به ريب المنون وأنت بالشام ، قال : أوَما ترى طلبي بدمه نصرة له؟ قال : بلى ولكنّك وإيّاه كما قال الجعدي (٣) :

لألفينّك بعد الموت تندبني

وفي حياتي ما زوّدتني زادي

راجع ما مرّ في هذا الجزء (ص ١٣٩)

١١ ـ لمّا أتى معاوية نعي عثمان وبيعة الناس عليّا عليه‌السلام ضاق صدراً بما أتاه وتظاهر بالندم على خذلانه عثمان ، وقال كما في كتاب صفّين (٤) (ص ٨٨):

أتانيَ أمرٌ فيه للنفس غمّةٌ

وفيه بكاءٌ للعيون طويلُ

__________________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ٩٧ ، شرح نهج البلاغة : ٨ / ٤٤ خطبة ١٢٤.

(٢) الإمامة والسياسة : ١ / ٩١ ، شرح نهج البلاغة : ٣ / ١١٥ خطبة ٤٣.

(٣) مرّ في صفحة ٢٠١ أنّ البيت لعَبِيد بن الأبرص.

(٤) وقعة صفّين : ص ٧٩.

٢١٦

وفيه فناءٌ شاملٌ وخزايةٌ

وفيه اجتداعٌ للأنوف أصيلُ

مصابُ أمير المؤمنين وهذه

تكاد لها صمّ الجبال تزولُ

فلِلّه عيناً من رأى مثل هالك

أُصيب بلا ذنب وذاك جليلُ

تداعت عليه بالمدينةِ عصبةٌ

فريقان منها قاتلٌ وخذولُ

دعاهم فصمُّوا عنه عند جوابه

وذاكم على ما في النفوس دليلٌ

ندمت على ما كان من تبعي الهوى

وقصري (١) فيه حسرةٌ وعويلُ

قال الأميني : إنّ زبدة مخض هذه الكلمات المعتضدة بعضها ببعض أنّ ابن هند لم يشذّ عن الصحابة في أمر عثمان ، وإنّما يفترق عنهم بأنّ أُولئك كانوا مهاجمين عليه أو خاذلين له ، وأمّا معاوية فقد اختصّ بالخذلان والتخذيل اللذين كان يروقه نتاجهما حتى وقع ما كان يحبّه ويتحرّاه ، وحتى حسب صفاء الجوّ لما كان يضمره من التشبّث بثارات عثمان ، والظاهر بعد الأخذ بمجامع هذه النقول عن أعاظم الصحابة وبعد تصوير الحادثة نفسها من شتّى المصادر أنّ لخذلان معاوية أتمّ مدخليّة في انتهاء أمر الخليفة إلى ما انتهى إليه ، والخاذل غير بعيد عن المجهز ، ومن هنا وهنا يقول له الإمام عليه‌السلام : «فو الله ما قتل ابن عمّك غيرك». ويقول : «ولعمري ما قتله غيرك ، ولا خذله سواك» ، إلى كلمات آخرين لا تخفى عليهم نوايا الرجل ، فلو كان مستعجلاً بكتائبه إلى دخول المدينة ، غير متربّص قتل ابن عمّه لحاموا عنه ونصروه ، وكان مبلغ أمره عندئذٍ إمّا إلى الفوز بهم ، أو تراخي الأمر إلى أن يبلغه بقيّة الأنصار من بلاد أُخرى ، فيكون النصر بهم جميعاً ، لكن معاوية ما كان يريد ذلك وإنّما كان مستبطئ أجل الرجل ، طامعاً في تقلّده الخلافة من بعده ، فتركه والقوم ، فهو أظلم الظالمين إن كان قُتل مظلوماً كما قاله حبر الأُمّة ، أو أنّه من الصحابة العدول ـ كما يحسبه القوم ـ وهذا رأيه في الخليفة المقتول.

__________________

(١) قصري : أي حسبي ، يقال ، قصرك : أي حسبك وكفايتك. كما يقال : قصارك وقصاراك. (المؤلف)

٢١٧

ـ ٣٦ ـ

حديث عثمان نفسه

دخل المغيرة بن شعبة على عثمان رضى الله عنه وهو محصور فقال : يا أمير المؤمنين إنّ هؤلاء قد اجتمعوا عليك فإن أحببت فالحق بمكة ، وإن أحببت أن نخرق لك باباً من الدار فتلحق بالشام ، ففيها معاوية وأنصارك من أهل الشام ، وإن أبيت فاخرج ونخرج وتحاكم القوم إلى الله. فقال عثمان : أمّا ما ذكرت من الخروج إلى مكة فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «يُلحد بمكة رجل من قريش عليه نصف عذاب هذه الأُمّة من الإنس والجنّ». فلن أكون ذلك الرجل إن شاء الله. الحديث.

وفي لفظ أحمد : «يُلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم» فلن أكون أنا إيّاه.

وفي لفظ الخطيب : «يُلحد بمكة رجل من قريش عليه نصف عذاب الأُمّة» ، فلن أكونه.

وفي لفظ الحلبي : إنّ ابن الزبير لمّا قال لعثمان رضى الله عنه وهو محاصر : إنّ عندي نجائب أعددتها لك فهل لك أن تنجو إلى مكة؟ فإنّهم لا يستحلّونك بها ، قال له عثمان : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «يُلحد رجل في الحرم من قريش أو بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم» ، فلن أكون أنا.

راجع (١) : مسند أحمد (١ / ٦٧) ، رجال إسناده كلهم ثقات ، الإمامة والسياسة

__________________

(١) مسند أحمد : ١ / ١٠٧ ح ٤٨٣ ، الإمامة والسياسة : ١ / ٤١ ، الرياض النضرة : ٣ / ٦٢ ، البداية والنهاية : ٨ / ٣٧٤ حوادث سنة ٣٩ ه‍ ، الصواعق المحرقة : ص ١١١ ، تاريخ الخلفاء : ص ١٥١ ، السيرة الحلبية : ١ / ١٧٥.

٢١٨

لابن قتيبة (ص ٣٥) ، تاريخ الخطيب (١٤ / ٢٧٢) ، الرياض النضرة (٢ / ١٢٩) ، تاريخ ابن كثير (٧ / ٢١٠) ، مجمع الزوائد (٧ / ٢٣٠) قال : ورواه أحمد ورجاله ثقات وله طرق ، الصواعق (ص ٦٦) ، تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ١٠٩) ، السيرة الحلبيّة (١ / ١٨٨) ، تاريخ الخميس (٢ / ٢٦٣) ، إزالة الخفاء (٢ / ٣٤٣).

الإنسان على نفسه بصيرة :

تعطينا هذه الرواية أنّ ثقة عثمان بانطباق ما ذكره عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الرجل الملحد بمكة على نفسه من جرّاء ما علم أنّه مرتكبه من الأعمال أشدّ وأكثر من ثقته بإيمانه بما رووه له من البشارة بالجنّة في العشرة المبشّرة إلى فضائل أخرى صنعتها له أيدي الولاء والمحبّة ، على أنّ هذه كلّها نصوص فيه ، وأمّا ما خشي انطباقه عليه فهو وارد في رجل مجهول استقرب الخليفة أن يكونه هو ، فامتنع عن الانفلات إلى مكة وآثر عليه بقاءه في الحصار حتى أُودي به ، ولم يكن يعلم أنّه يقتل بمكة لو خرج إليها ، وعلى فرض قتله بها فمن ذا الذي أخبره أنّه يكون هو ذلك الرجل؟

كيف يخاف عثمان أن يكون هو ذلك الرجل وقد اشترى الجنّة من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّتين بيع الحقّ : حيث حفر بئر رومة ، وحيث جهّز جيش العسرة (١)؟

كيف يخاف عثمان وقد عهد إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه يُقتل ويُبعث يوم القيامة أميراً على كلّ مخذول ، يغبطه أهل المشرق والمغرب ، ويشفع في عدد ربيعة ومضر (٢)؟

كيف يخاف عثمان وقد سمع وصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أُمّته به بقوله : عليكم

__________________

(١) أخرجه الحاكم في المستدرك : ٣ / ١٠٧ [٣ / ١١٥ ح ٤٥٧٠] وصحّحه غير ممعن نظره في إسناده وعقّبه الذهبي بتضعيف عيسى بن المسيّب من رجال إسناده وقال ، ضعّفه أبو داود وغيره. (المؤلف)

(٢) سنوافيك الحديث بإسناده ومتنه كملاً. (المؤلف)

٢١٩

بالأمير وأصحابه. وأشار إلى عثمان؟

كيف يخاف عثمان وقد أخبر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن شأنه في الجنّة لمّا سُئل : أفي الجنّة برق؟ فقال : نعم والذي نفسي بيده إنّ عثمان ليتحوّل من منزل إلى منزل فتبرق له الجنّة (١).

كيف يخاف عثمان وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمشهد منه ومسمع : ليس من نبيّ إلاّ وله رفيق من أُمّته معه في الجنّة وإنّ عثمان رفيقي ومعي في الجنّة (٢)؟

كيف يخاف عثمان وقد قال له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معتنقاً إيّاه : أنت وليّي في الدنيا والآخرة. أو قال : هذا جليسي في الدنيا ووليّي في الآخرة (٣)؟

كيف يخاف عثمان بعد ما جاء عن جابر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما صعد المنبر فنزل حتى قال : عثمان في الجنّة (٤)؟

نعم ؛ للباحث أن يجيب بأنّ هذه كلّها أباطيل وأكاذيب لا يصحّ شيء منها ، فما ذنب عثمان؟ وكيف لا يخاف والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره؟

قريض يؤكد ما سبق :

ذكر البلاذري في الأنساب (٥) (٥ / ١٠٥) للأعور الشنّي بشر بن منقذ يكنّى أبا منقذ أحد بني شنّ بن أقصى كان مع أمير المؤمنين يوم الجمل ، ترجمه المرزباني في معجم الشعراء (ص ٣٩) قوله :

__________________

(١) راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص ٣١٣. (المؤلف)

(٢) سيأتيك الحديث بإسناده وأنّه باطل. (المؤلف)

(٣) سنوقفك في هذا الجزء على أنّه باطل لا يصح. (المؤلف)

(٤) من أكاذيب جاء بها محبّ الطبري في رياضه : ٢ / ١٠٤ [٣ / ٣١]. (المؤلف)

(٥) أنساب الأشراف : ٦ / ٢٢٩.

٢٢٠