🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

كلّه على الخليفة البادي بترك سنّة الله التي لا تبديل لها. قال الزرقاني في شرح الموطّأ (١) (١ / ١٤٥) : ولأحمد (٢) عن عمران : أوّل من ترك التكبير عثمان حين كبر ، وللطبري عن أبي هريرة : أوّل من تركه معاوية. ولأبي عبيد : أوّل من تركه زياد. ولا ينافي ما قبله لأنّ زياداً تركه بترك معاوية ، وكأنّه تركه بترك عثمان وقد حمله جماعة من العلماء على الإخفاء. انتهى.

وتبرير عمل عثمان بالحمل على الإخفاء يأباه صريح لفظ : ترك ، وإنّما يخبر ابن حصين عن تكبير أمير المؤمنين في الهويّ والانتصاب لا عن جهره به ، والسائل إنّما يسأله عن أوّل من تركه لا عمّن خافتَ به أوّلاً ، ويزيّفه ما يأتي عن ابن حجر (٣) والشوكاني (٤) وغيرهما من قولهم كما سمعت عن الزرقاني : كان معاوية تركه بترك عثمان. ولم يؤثر عن معاوية غير الترك والتنقيص كما يأتي حديثه بلفظ نقص ، وقد اتّبع أثر عثمان في أُحدوثته فإلى الملتقى.

نتاج البحث :

هذه نبذ قليلة نشرتها يد التاريخ الجانية بعد أن طوى كشحاً عن ذكر مهمّات ما جرى في ذلك العهد المشحون بالقلاقل ، الطافح بالفتن ، المفعم بالهنابث (٥) ، وقد عرفناه جانياً بستر تلكم الحقائق ، جنوحاً إلى العاطفة ، سائراً مع الميول ، والتاريخ حرّ يجب أن يمضي مع الواقع وأن لا يلويه مع القصد تعصبّ لأحد أو تحيّز إلى فئة ، لكن القوم لم يسيروا في سرد التاريخ كما يجب عليهم ، فطفقوا يُحرّفون الكلم عن مواضعه ،

__________________

(١) شرح الموطّأ : ١ / ١٥٩ ح ١٦٣.

(٢) مسند أحمد : ٥ / ٥٩٧ ح ١٩٣٨٠.

(٣) فتح الباري : ٢ / ٢٧٠.

(٤) نيل الأوطار : ٢ / ٢٦٨.

(٥) الهنابث : الدواهي ، واحدتها هنبثة.

١٠١

ويُثبتون ما يوافق هواهم ، ويدَعون ما لا يروقهم.

قال الطبري في تاريخه (١) (٥ / ١٠٨) : إنّ الواقدي ذكر في سبب مسير المصريّين إلى عثمان ونزولهم ذا خُشب أموراً كثيرة ، منها ما تقدّم ذكره ، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة منّي ذكره لبشاعته.

وقال (٢) في (٥ / ١١٣) : قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعة إلى قتله ، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها.

وقال (٣) في (ص ٢٣٢) : إنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية لمّا وُلّي ؛ فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يتحمّل سماعها العامّة.

ومرّ في (٨ / ٣٠٦) في ذكر ما جرى بين عليّ عليه‌السلام وعثمان قول الواقدي (٤) : فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أُحبّ ذكره وأجابه عليّ بمثله.

وقال ابن الأثير في الكامل (٥) (٣ / ٧٠) : قد تركنا كثيراً من الأسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٦) (٧ / ١٦٦) : وفي هذه السنة ـ يعني (٣٣) ـ سيّر عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام ، وإلى مصر بأسباب مسوّغة لما فعله رضى الله عنه ، فكان هؤلاء ممّن يؤلّب عليه ويُمالئ الأعداء في الحطّ والكلام فيه ، وهم الظالمون في ذلك ، وهو البارّ الراشد رضى الله عنه.

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٥٦ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٢) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٦٥ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٣) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٥٥٧ حوادث سنة ٣٦ ه‍.

(٤) أنظر شرح نهج البلاغة : ٨ / ٢٥٩ خطبة ١٣٠.

(٥) الكامل في التاريخ : ٢ / ٢٨٦ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٦) البداية والنهاية : ٧ / ١٨٦ حوادث سنة ٣٣ ه‍.

١٠٢

وقال (١) في (ص ١٧٧) : جرت أُمور سنورد منها ما تيسّر وبالله المستعان. ثمّ ذكر من الأُمور ما راقه ويلائم ذوقه ولم يذكر إلاّ سلسلة أكاذيب لم يصحّ شيء منها.

وقال الدكتور أحمد فريد رفاعي في عصر المأمون (١ / ٥) : أمّا نحن فلا يُطلب منّا أن نبدي رأينا في عثمان ، فهو صحابيّ عظيم وله أثره الخالد في جمع القرآن وغير القرآن وله دينه السمح الذي لا تشوبه شائبة ، وما كان الدين ليحتّم على الناس جميعاً أن يكون نظرهم إلى الحياة الدنيا نظر التقشّف والزهد ، ولا يُطلب منّا أن نثبت ضعف الحكومة العثمانيّة ، وإنّما يُطلب منّا أن نسرد الحوادث بإيجاز ، ولنا في تسلسل هذه الحوادث ودراستها وتقييد آثارها ما قد سمح لنا بالتعرّض له حين معالجتنا الكلام عن عصرنا فيما بعد. انتهى.

ثمّ ذكر ما جاء به اليعقوبي من الإيعاز إلى بعض ما نُقم به على عثمان ، فتخلّص عن البحث فيه بما أتى به ابن الأثير من رواية الطبري ، عن السريّ الكذّاب ، عن شعيب المجهول ، عن سيف المتروك الساقط المتّهم بالزندقة أو عن أُناس آخرين أمثال هؤلاء.

أضف إلى هذه كثيراً من كتب التاريخ المؤلّفة قديماً وحديثاً ، فإنّها أُلّفت بيد أثيمة على ودائع العلم والدين ، ولعلّ في المذكور في كتابنا هذا وهو قليل من كثير مقنعاً للحصول على العلم بنفسيّات الخليفة من شتّى نواحيه ، ومبلغه من العلم ، ومقداره من التقوى ، ومداه من الرأي ، ومآثره من ناحية ملكاته ، وقد عرف كلّ ذلك من عاصره وعاشره ، فكانت كلمتهم في حقّه واحدة ، ورأيهم فيه فذّا ، وأعمالهم معه كلّ يشبه الآخر ، ونحن نذكر لك نماذج ممّا لفظ به من قول وعمل به من فعل في ذلك الدور القاتم بالفجائع والفظائع فدونكها :

__________________

(١) البداية والنهاية : ٧ / ١٩٨ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

١٠٣

ـ ١ ـ

حديث أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه

١ ـ من كلام له عليه‌السلامفي معنى قتل عثمان : «لو أمرت به لكنت قاتلاً ، أو نهيت عنه لكنت ناصراً ، غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من أنا خير منه ، ومن خذله لا يستطيع أن يقول : نصره من هو خير منّي ، وأنا جامع لكم أمره : استأثر فأساء الأثرة ، وجزعتم فأسأتم الجزع ، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع» (١).

قال ابن أبي الحديد في الشرح (٢) (١ / ١٥٨) : قوله : غير أنّ من نصره ؛ معناه أنّ خاذليه كانوا خيراً من ناصريه ، لأنّ الذين نصروه كان أكثرهم فسّاقاً ، كمروان بن الحكم وأضرابه ، وخذله المهاجرون والأنصار.

٢ ـ من كلام له عليه‌السلام قاله لابن عبّاس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع فقال عليه‌السلام :

«يا بن عبّاس ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرْب (٣) أُقبل وأدبر ، بعث إليّ أن أخرج ، ثمّ بعث إليّ أن أَقدُم ، ثمّ هو الآن يبعث إليّ أن أخرج ، والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً» (٤).

٣ ـ أخرج البلاذري في الأنساب (٥) (٥ / ٩٨) من طريق أبي خلدة أنّه سمع عليّا رضى الله عنه يقول وهو يخطب فذكر عثمان ، فقال : «والله الذي لا إله إلاّ هو ما قتلته ،

__________________

(١) نهج البلاغة : ١ / ٧٦ [ص ٧٣ خطبة ٣٠]. (المؤلف)

(٢) شرح نهج البلاغة : ٢ / ١٢٨ خطبة ٣٠.

(٣) الناضح : البعير يستقى عليه. الغرب : الدلو العظيمة. (المؤلف)

(٤) نهج البلاغة : ١ / ٤٦٨ [ص ٣٥٨ خطبة ٢٤٠]. (المؤلف)

(٥) أنساب الأشراف : ٦ / ٢٢١.

١٠٤

ولا مالأت على قتله ، ولا ساءني».

٤ ـ أخرج ابن سعد (٦) من طريق عمّار بن ياسر قال : رأيت عليّا على منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قُتل عثمان وهو يقول : «ما أحببت قتله ولا كرهته ، ولا أمرت به ولا نهيت عنه».

الأنساب للبلاذري (٧) (٥ / ١٠١).

وأوعز شاعر أهل الشام كعب بن جعيل إلى قول الإمام عليه‌السلام بأبيات له ، ألا وهي

وما في عليّ لمستعتبٍ

مقالٌ سوى ضمّه المحدِثينا

وإيثاره اليوم أهل الذنوب

ورفع القصاص عن القاتلينا

إذا سيل عنه حذا (٨) شبهةً (٩)

وعمّى الجوابَ على السائلينا

فليس براضٍ ولا ساخطٍ

ولا في النُّهاةِ ولا الآمرينا

ولا هو ساءَ ولا سرَّه

ولا بدّ من بعض ذا أن يكونا (١٠)

قال ابن أبي الحديد بعد ذكر الأبيات : ما قال هذا الشعر إلاّ بعد أن نقل إلى أهل الشام كلام كثير لأمير المؤمنين في عثمان يجري هذا المجرى نحو قوله : «ما سرّني ولا ساءني» ، وقيل له : أرضيت بقتله؟ فقال : «لم أرضَ» ؛ فقيل له : أسخطت قتله؟ فقال : «لم أسخط». وقوله تارة : «الله قتله وأنا معه». وقوله تارة أخرى : «ما قتلت

__________________

(٦) الطبقات الكبرى : ٣ / ٨٢.

(٧) أنساب الأشراف : ٦ / ٢٢٤.

(٨) في وقعة صفين : حدا.

(٩) في العقد الفريد : زوى وجهه. (المؤلف)

(١٠) كتاب صفّين لابن مزاحم : ص ٦٣ [ص ٥٧] ، العقد الفريد : ٢ / ٢٦٧ [٤ / ١١١] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١٥٨ [٢ / ١٢٨ خطبة ٣٠]. (المؤلف)

١٠٥

عثمان ولا مالأت في قتله». وقوله تارة أخرى : «كنت رجلاً من المسلمين أوردت إذ أوردوا ، وأصدرت إذ أصدروا». ولكلّ شيء من كلامه إذا صحّ عنه تأويل يعرفه أُولو الألباب.

٥ ـ أخرج أبو مخنف من طريق عبد الرحمن بن عبيد : إنّ معاوية بعث إلى علي : حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن سمط ومعن بن يزيد بن الأخنس ، فدخلوا عليه وأنا عنده. إلى أن قال بعد كلام حبيب وشرحبيل وذكر جواب مولانا أمير المؤمنين : فقالا : أتشهد أنّ عثمان رضى الله عنه قتل مظلوماً؟ فقال لهما : «لا أقول ذلك». قالا : فمن لم يشهد أنّ عثمان قُتل مظلوماً فنحن منه برآء. ثمّ قاما فانصرفا ، فقال عليّ : (فإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوتَى وَلَا تُسمِعُ الصُمَّ الدُّعَاءَ إذَا وَلَّوا مُدبِرِينَ* وَمَا أنتَ بِهَادِ العُمْي عَنْ ضَلَالَتِهِم إنْ تُسمِعُ إلاَّ مَن يُؤمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُسْلِمُونَ) (١١).

كتاب صفّين لابن مزاحم (ص ٢٢٧) واللفظ له ، تاريخ الطبري (٦ / ٤) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ١٢٥) (١٢).

٦ ـ ذكر البلاذري في الأنساب (١٣) (٥ / ٤٤) في حديث قول عليّ عليه‌السلام لعثمان : «يا عثمان إنّ الحق ثقيل مَريء ، وإنّ الباطل خفيف وبيء ، وإنّك متى تُصدَق تسخطْ ومتى تُكذب ترض».

٧ ـ كان عليّ كلّما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل ابنه الحسن إليه ، فلمّا أكثر عليه قال له : إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما يعلم ، ونحن أعلم بما نفعل ، فكفّ عنّا ، فلم يبعث عليّ ابنه في شيء بعد ذلك. وذكروا أنّ عثمان صلّى العصر ثمّ خرج إلى عليّ

__________________

(١١) الروم : ٥٢ ـ ٥٣.

(١٢) وقعة صفين : ص ٢٠٠ ـ ٢٠٢ ، تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٨ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٣٦٩ حوادث سنة ٣٧ ه‍.

(١٣) أنساب الأشراف : ٦ / ١٥٦.

١٠٦

يعوده في مرضه ومروان معه ، فرآه ثقيلاً ، فقال : أما والله لو لا ما أرى منك ما كنت أتكلّم بما أُريد أن أتكلّم به ، والله ما أدري أيّ يوميك أحبّ إليّ أو أبغض ، أيوم حياتك؟ أو يوم موتك؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتاً يعدّك كهفاً ، ويتّخذك عضداً ، ولئن متّ لأفجعنّ بك ، فحظّي منك حظّ الوالد المشفق من الولد العاقّ ، إن عاش عقّه ، وإن مات فجعه ، فليتك جعلت لنا من أمرك لنا علماً نقف عليه ونعرفه ، إمّا صديق مسالم ، وإمّا عدوّ معاني ، ولا تجعلني كالمختنق بين السماء والأرض ، لا يرقى بيد ولا يهبط برجل ، أما والله لئن قتلتك لا أصيب منك خَلَفاً ، ولئن قتلتني لا تصيب مني خَلَفاً ، وما أُحبّ أن أبقى بعدك. قال مروان : إي والله ، وأخرى أنّه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسرَ رماحنا ، وتقطعَ سيوفنا ، فما خير العيش بعد هذا؟ فضرب عثمان في صدره وقال : ما يدخلك في كلامنا؟ فقال عليّ : «إنّي والله في شغل عن جوابكما ولكنّي أقول كما قال أبو يوسف (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١).

العقد الفريد (٢ / ٢٧٤) ، الإمامة والسياسة (١ / ٣٠) (٢).

٨ ـ في كتاب لمولانا أمير المؤمنين يجيب به معاوية بن أبي سفيان قال : «وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إيّاهم والبغي عليهم ، فأمّا البغي فمعاذ الله أن يكون ، وأمّا الكراهة لهم فو الله ما أعتذر للناس من ذلك ، وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه ، فقد عمل عثمان بما قد علمت ، وعمل به الناس ما قد بلغك ، فقد علمت أنّي كنت من أمره في عزلة إلاّ أن تجنّى فتجنَّ ما شئت ، وأمّا ذكرك قتلة عثمان وما سألت من دفعهم إليك ؛ فإنّي نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينه فلم يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، وإن لم تنزع عن غيّك لنعرفنّك (٣) عمّا قليل يطلبونك

__________________

(١) يوسف : ١٨.

(٢) العقد الفريد : ٤ / ١٢٠ ، الإمامة والسياسة : ١ / ٣٦.

(٣) في العقد الفريد : لتعرفنّهم.

١٠٧

ولا يكلّفونك أن تطلبهم في سهل ولا جبل ولا برّ ولا بحر».

كتاب صفّين لابن مزاحم (ص ١٠٢) ، العقد الفريد (٢ / ٢٦٨) ، نهج البلاغة (٢ / ١٠) ، شرح ابن أبي الحديد (٣ / ٤٠٩) (١).

٩ ـ أخرج الطبري من طريق إسماعيل بن محمد : أنّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، فقام رجل فقال : أقم كتاب الله ، فقال عثمان : اجلس ، فجلس حتى قام ثلاثاً ، فأمر به عثمان فجلس ، فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء وسقط عن المنبر وحمل فأُدخل داره مغشيّا عليه ، فخرج رجل من حجّاب عثمان ومعه مصحف في يده وهو ينادي : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ) (٢) ودخل عليّ بن أبي طالب على عثمان رضى الله عنهما وهو مغشيّ عليه وبنو أُميّة حوله ، فقال : مالك يا أمير المؤمنين؟ فأقبلت بنو أُميّة بمنطق واحد ، فقالوا : يا عليّ أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين ، أما والله لئن بلغت الذي تريد لتمُرنّ عليك الدنيا. فقام عليّ مغضباً.

تاريخ الطبري (٥ / ١١٣) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ٦٧) (٣).

١٠ ـ ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (٤) (١ / ٤٢) في حديث مساءلة عمرو ابن العاص راكباً : فقال له عمرو : ما الخبر؟ قال : قتل عثمان ، قال : فما فعل الناس؟ فقال : بايعوا عليّا. قال : فما فعل عليّ في قتلة عثمان؟ قال : دخل عليه الوليد بن عقبة فسأله عن قتله ، فقال : «ما أمرت ولا نهيت ، ولا سرّني ولا ساءني». قال : فما فعل بقتلة عثمان؟ فقال : آوى ولم يرضَ ، وقد قال له مروان : إن لا تكن أمرت فقد تولّيت

__________________

(٤) وقعة صفّين : ص ٩٠ ، العقد الفريد : ٤ / ١٣٨ ، نهج البلاغة : ص ٣٦٨ خطبة ٩ ، شرح نهج البلاغة : ١٥ / ٧٨ كتاب ٩.

(٥) الأنعام : ١٥٩.

(٦) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٦٤ حوادث سنة ٣٥ ه‍ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٢٨٢ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٧) الإمامة والسياسة : ١ / ٤٨.

١٠٨

الأمر ، وإن لا تكن قتلت فقد آويت القاتلين ، فقال عمرو بن العاص : خلط والله أبو الحسن.

١١ ـ روى الأعمش ، عن الحكم بن عتيبة ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : سمعت عليّا عليه‌السلام على منبر الكوفة وهو يقول : «يا أبناء المهاجرين انفروا إلى أئمّة الكفر ، وبقيّة الأحزاب ، وأولياء الشيطان ، انفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا ، فو الله الذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ؛ إنّه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا» (١).

قال الأميني : طعن ابن أبي الحديد في هذا الحديث بمكان قيس (٢) بن أبي حازم وقال : هو الذي روى حديث : إنّكم لترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ، وقد طعن مشايخنا المتكلّمون فيه وقالوا : إنّه فاسق ولا تُقبل روايته. لأنّه قال : إنّي سمعت عليّا يخطب على منبر الكوفة ويقول : «انفروا إلى بقيّة الأحزاب» فأبغضته ودخل بغضه في قلبي ، ومن يبغض عليّا عليه‌السلام لا تقبل روايته. ثمّ حمله على فرض الصحّة على إرادة معاوية من قوله : حمّال الخطايا فقال : لأنّهم يحامون عن دمه ، ومن حامى عن دم إنسان فقد قاتل عليه. انتهى.

ألا مسائل الرجل عن أنّ رواية حديث الرؤية أيّ منقصة وحزازة فيها وقد أخرجها (٣) البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وأحمد في مسنده؟ فهل طعن أحد في أولئك الأئمّة لروايتهم إيّاها؟.

ثمّ لو كان من أبغض عليّا عليه‌السلام فاسقاً غير مقبول الرواية ـ كما هو الحقّ ـ فما

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١٧٩ [٢ / ١٩٤ خطبة ٣٤]. (المؤلف)

(٢) من رجال الصحيحين : البخاري ومسلم. (المؤلف)

(٣) صحيح البخاري : ٤ / ١٦٧١ ح ٤٣٠٥ ، صحيح مسلم : ١ / ٢١٣ ح ٢٩٩ كتاب الإيمان ، مسند أحمد : ٥ / ٤٨٢ ح ١٨٧٠٨.

١٠٩

قيمة الصحاح عندئذٍ في سوق الاعتبار؟ وما أكثر ما فيها من الرواية عن مناوئي أمير المؤمنين ومنهم نفس الرجل ـ قيس بن أبي حازم ـ فقد أخرج أئمّة الصحاح أحاديث من طريقه وهو من رجالهم.

على أنّ علماء الفنّ من القوم مع قولهم بأنّه كان يحمل على عليّ نصوّا على ثقة الرجل ، وقالوا : متقن الرواية ، والحديث عنه من أصحّ الإسناد ، وقال ابن خراش : كوفيّ جليل ، وقال ابن معين (١) : ثقة. وذكره ابن حبّان في الثقات (٢) ، وقال ابن حجر : أجمعوا على الذهبي الاحتجاج به ومن تكلّم فيه فقد آذى نفسه.

راجع : تهذيب التهذيب (٣) (٨ / ٣٨٦).

وأمّا تأويل : «حمّال الخطايا» بإرادة معاوية منه ، فمن التافه البعيد عن سياق العربيّة نظير تأويل معاوية الحديث الوارد في عمّار من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «تقتلك الفئة الباغية».

١٢ ـ كان مولانا أمير المؤمنين يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم ويستنفرهم إلى أهل الشام ، فقال له الأشعث بن قيس : هلاّ فعلت فعل ابن عفّان؟ فقال له : «إنّ فعل ابن عفّان لمخزاة على من لا دين له ولا وثيقة معه ، إنّ امرأً أمكن عدوّه من نفسه يهشم عظمه ويفري جلده لضعيف رأيه ، مأفون عقله ، أنت فكن ذاك إن أحببت ، فأمّا أنا فدون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفيّة الفصل ...» (٤).

١٣ ـ من كتاب له عليه‌السلام كتبه إلى أهل مصر لمّا ولّى عليهم الأشتر :

«من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين عُصي في أرضه

__________________

(١) التاريخ : ٣ / ٤٣١ رقم ٢١١٦.

(٢) الثقات : ٥ / ٣٠٧.

(٣) تهذيب التهذيب : ٨ / ٣٤٦.

(٤) شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١٧٨ [٢ / ١٩١ خطبة ٣٤]. (المؤلف)

١١٠

وذُهب بحقّه ، فضرب الجور سرادقه على البرّ والفاجر ، والمقيم والظاعن ، فلا معروف يُستراح إليه ، ولا منكر يُتناهى عنه» (٥).

قال ابن أبي الحديد في شرحه (٦) (٤ / ٥٨) : هذا الفصل يشكل عليّ تأويله ؛ لأنّ أهل مصر هم الذين قتلوا عثمان ، وإذا شهد أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّهم غضبوا لله حين عُصي في الأرض ، فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان وإتيان المنكر. ثمّ تأوّله بما رآه تعسّفاً ، والتعسّف لا يغني عن الحقّ شيئاً ولا تتمّ به الحجّة.

هَب ابن أبي الحديد تعسّف هاهنا وتأوّل ، فما يصنع ببقيّة كلمات مولانا أمير المؤمنين وكلمات سائر الصحابة لدة هذه الكلمة وهي تربو على مئات؟ فهل يسعنا أن نكون متعسّفين في كلّ ذلك؟ سل عنه خبيراً.

١٤ ـ من كلام لأمير المؤمنين قاله لعثمان لمّا اجتمع الناس إليه وشكوا إليه ما نقموه على عثمان فدخل عليه‌السلام عليه فقال :

«إنّ الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم ، وو الله ما أدري ما أقول لك ، ما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه ، إنّك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلّغكه وقد رأيت كما رأينا ، وسمعت كما سمعنا وصحبت رسول الله كما صحبنا ، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطّاب بأولى بعمل الحقّ منك ، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيجة رحم منهما ، وقد نلت من صهره ما لم ينالا ، فالله الله في نفسك ، فإنّك والله ما تُبصّر من عمى ، ولا تُعلّم من جهل ، وإنّ الطرق لواضحة ، وإنّ أعلام الدين لقائمة ، فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل ، هُدي وهدى ، فأقام سنّةً معلومةً ، وأمات بدعة مجهولة ، وإنّ السنن لنيّرة لها

__________________

(٥) تاريخ الطبري : ٦ / ٥٥ [٥ / ٩٦ حوادث سنة ٣٨ ه‍] ، نهج البلاغة : ٢ / ٦٣ [ص ٤١٠ خطبة ٣٨] ، شرح ابن أبي الحديد : ٢ / ٢٩ [٦ / ٧٧ خطبة ٣٨]. (المؤلف)

(٦) شرح نهج البلاغة : ١٦ / ١٥٦ كتاب ٣٨.

١١١

أعلام ، وإنّ البدع لظاهرة لها أعلام ، وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ، ضلّ وضُلّ به ، فأمات سنّة مأخوذةً ، وأحيا بدعةً متروكةً ، وإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيُلقى في نار جهنّم فيدور فيها كما تدور الرحى ثمّ يرتبط في قعرها ، وإنّي أنشدك الله أن تكون إمام هذه الأُمّة المقتول فإنّه كان يُقال : يُقتل في هذه الأُمّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويُلبّس أُمورها عليها ، ويُثبّت الفتن فيها ، فلا يبصرون الحقّ من الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرجون فيها مرجاً ، فلا تكوننّ لمروان سيّقة يسوقك حيث شاء بعد جُلال (٧) السنّ وتقضّي العمر». فقال له عثمان : كلّم الناس في أن يؤجّلوني حتى أخرج إليهم من مظالمهم ، فقال عليه‌السلام : «ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه» (٨).

تاريخ الطبري (٥ / ٩٦) ، الأنساب للبلاذري (٥ / ٦٠) ، نهج البلاغة (١ / ٣٠٣) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ٦٣) ، تاريخ ابن كثير (٧ / ١٦٨) (٩).

١٥ ـ أخرج ابن السمّان من طريق عطاء : إنّ عثمان دعا عليّا فقال : يا أبا الحسن إنّك لو شئت لاستقامت عليّ هذه الأُمّة فلم يخالفني واحد. فقال عليّ : «لو كانت لي أموال الدنيا وزخرفها ما استطعت أن أدفع عنك أكفّ الناس ؛ ولكنّي سأدلّك على أمر هو أفضل ممّا سألتني : تعمل بعمل أخويك أبي بكر وعمر ، وأنا لك بالناس لا يخالفك أحد».

__________________

(٧) الجُلال : العظيم.

(٨) سيأتي تمام الحديث في صور توبة الخليفة وحنثه إيّاها مرّة بعد أخرى. (المؤلف)

(٩) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٣٧ حوادث سنة ٣٤ ه‍ ، نهج البلاغة : ص ٢٣٤ خطبة ١٦٤ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٢٧٥ حوادث سنة ٣٤ ه‍ ، أنساب الأشراف : ٦ / ١٧٥ ، البداية والنهاية : ٧ / ١٨٨ حوادث سنة ٣٤ ه‍.

١١٢

الرياض النضرة (١) (٢ / ١٢٩).

١٦ ـ من الخطبة الشقشقية لمولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قوله : «إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن أنتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته».

مرّت مصادر هذه الخطبة في الجزء السابع (ص ٨٢ ـ ٨٥).

١٧ ـ قال ابن عبد ربّه في العقد الفريد (٢) (٢ / ٢٦٧) : قال حسّان بن ثابت لعليّ : إنّك تقول : ما قتلت عثمان ولكن خذلته ، ولم آمر به ولكن لم أنهَ عنه ، فالخاذل شريك القاتل ، والساكت شريك القاتل.

١٨ ـ أخرج البلاذري في الأنساب (٣) (٥ / ١٣) من طريق عبد الله بن عباس قال : إنّ عثمان شكا عليّا إلى العبّاس فقال له : يا خال إنّ عليّا قد قطع رحمي ، وألّب الناس ابنك ، والله لئن كنتم يا بني عبد المطلّب أقررتم هذا الأمر في أيدي بني تيم وعدي فبنو عبد مناف أحقّ أن لا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليه. قال عبد الله بن العبّاس : فأطرق أبي طويلاً ثمّ قال : يا ابن أخت لئن كنت لا تحمد عليّا فما يُحمدك له ، وإنّ حقّك في القرابة والإمامة للحقّ الذي لا يُدفع ولا يُجحد ، فلو رقيت فيما تطأطأ أو تطأطأت فيما رقى تقاربتما ، وكان ذلك أوصل وأجمل ، قال : قد صيّرت الأمر في ذلك إليك فقرّب الأمر بيننا. قال : فلمّا خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه ، فما لبثنا أن جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه ، فلمّا رجع قال : يا خال أُحبّ أن تؤخّر النظر في الأمر الذي ألقيت إليّ حتى أرى من رأيي ، فخرج أبي من عنده ثمّ

__________________

(١) الرياض النضرة : ٣ / ٦٢.

(٢) العقد الفريد : ٤ / ١١١.

(٣) أنساب الأشراف : ٦ / ١١٦.

١١٣

التفت إليّ فقال : يا بنيّ ليس إلى هذا الرجل من أمره شيء ، ثمّ قال : اللهمّ أسبق بي الفتن ولا تُبقني إلى ما لا خير لي في البقاء إليه. فما كانت جمعة حتى هلك.

١٩ ـ أخرج البلاذري في الأنساب (١) (٥ / ١٤) من طريق صهيب مولى العبّاس : إنّ العبّاس قال لعثمان : أُذكرك الله في أمر ابن عمّك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد بلغني أنّك تريد أن تقوم به وبأصحابه ، فقال : أوّل ما أُجيبك به أنّي قد شفّعتك ، أنّ عليّا لو شاء لم يكن أحد عندي إلاّ دونه ولكنّه أبى إلاّ رأيه ، ثمّ قال لعليّ مثل قوله لعثمان ، فقال عليّ : «لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت».

٢٠ ـ من كتاب لأمير المؤمنين عليه‌السلام إلى معاوية : «أمّا بعد : فو الله ما قتل ابن عمّك غيرك ، وإني لأرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته».

العقد الفريد (٢) (٢ / ٢٢٣) ، وفي طبعة (ص ٢٨٥).

ولا تنس في الختام قول حسّان بن ثابت :

صبراً جميلاً بني الأحرار لا تهنوا

قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا

يا ليت شعري وليت الطير تُخبرني

ما كان شأنُ عليٍّ وابنِ عفّانا

لتسمعنَّ وشيكاً في ديارِكمُ

اللهُ أكبرُ يا ثارات عثمانا (٣)

قال الأميني : يُعطينا الأخذ بمجامع هذه الأحاديث أنّ الإمام عليه‌السلام ما كان يرى الخليفة إمام عدل يسوؤه قتله ، أو يهمّه أمره ، أو يُسخطه التجمهر عليه ، بل كان يعتزل عن أمره ويخشى أن يكون آثماً إن دأب على الدفاع عنه ، ولا يرى الثائرين

__________________

(١) أنساب الأشراف : ٦ / ١١٧.

(٢) العقد الفريد : ٤ / ١٣٧.

(٣) أنساب البلاذري : ٥ / ١٠٤ [٦ / ٢٢٨]. (المؤلف)

١١٤

عليه متحوّبين في نهضتهم وإلاّ لساءه ذلك فضلاً عن أن يسكت عنهم ، أو يطريهم كما سمعته من كتابه إلى أهل مصر ، أو يرى الخاذلين له خيراً ممّن نصره ولو كان يراه إمام عدل ، فأقلّ المراتب أن يقول : إنّ ناصره خير من خاذله. بل الشأن هذا في أفراد المسلمين العدول من الرعيّة فضلاً عن إمامها.

وحديث شكاية عثمان إلى عمّه العبّاس المتوفّى سنة (٣٢) يعلمنا بأنّ الخلاف والتشاجر بينهما كانا قبل تجمهر الثائرين عليه في أواسط أيّام خلافته قبل وفاته بأعوام ، وقول أمير المؤمنين له : «لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت». فيه إيعاز إلى أنّ إنكاره عليه‌السلام على الرجل لم يكن قطّ في الملك ، وما كان يرضى بشقّ عصا المسلمين بالخلاف عليه في أمره ، وإنّما كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يك يرى لنفسه بُدّا من ذلك.

ولو أمعنت النظر فيما سردناه من ألفاظه الدرّيّة لانفتح عليك أبواب من رأي الإمام عليه‌السلام في الخليفة لم نوعز إليها ، ويُعرب عن رأيه فيه ما مرّ في (٨ / ٢٨٧).

من خطبة له عليه‌السلام خطبها في اليوم الثاني من بيعته من قوله : «ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان ، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال». فلو كان الرجل إمام عدل عند الإمام عليه‌السلام لكان أخذه وردّه وقطعه وعطاؤه حجّة لا يتطرّق إليها الردّ ، ولكن ....

ـ ٢ ـ

حديث عائشة بنت أبي بكر أُمّ المؤمنين

١ ـ قال ابن سعد (١) : لمّا حُصر عثمان كان مروان يُقاتل دونه أشدّ القتال ، وأرادت عائشة الحجّ وعثمان محصور ، فأتاها مروان وزيد بن ثابت وعبد الرحمن بن

__________________

(١) الطبقات الكبرى : ٥ / ٣٦.

١١٥

عتاب فقالوا : يا أُمّ المؤمنين لو أقمت فإنّ أمير المؤمنين على ما ترين محصور ومقامك ممّا يدفع الله به عنه. فقالت : قد حلبتُ ظهري ، وعرّيتُ غرائري ، ولست أقدر على المقام. فأعادوا عليها الكلام ، فأعادت عليهم مثل ما قالت لهم ، فقام مروان وهو يقول :

وحرَّق قيسٌ عليَّ البلا

د حتى إذا استعرت أجذما (١)

فقالت عائشة : أيّها المتمثّل عليّ بالأشعار وددتُ والله أنّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كلّ واحد منكما رحاً وأنّكما في البحر ، وخرجت إلى مكة.

وفي لفظ البلاذري (٢) : لمّا اشتدّ الأمر على عثمان أمر مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فأتيا عائشة وهي تريد الحجّ ، فقالا لها : لو أقمتِ فلعلّ الله يدفع بك عن هذا الرجل : فقالت : قد قرنت ركابي وأوجبت الحجّ على نفسي ، وو الله لا أفعل. فنهض مروان وصاحبه ، ومروان يقول :

وحرَّق قيسٌ عليَّ البلا

د حتى إذا اضطرمت أجذما

فقالت عائشة : يا مروان وددت والله أنّه في غرارة (٣) من غرائري هذه وأنّي طوّقت حمله حتى أُلقيه في البحر.

٢ ـ مرّ عبد الله بن عبّاس بعائشة وقد ولاّه عثمان الموسم وهي بمنزل من منازل طريقها ، فقالت : يا بن عبّاس ، إنّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية. أخرجه البلاذري (٤).

__________________

(١) البيت للربيع بن زياد بن عبد الله العبسي ، شاعر جاهلي. كان له اتصال بالنعمان بن المنذر ، توفّي سنة (٣٠ قبل الهجرة) راجع لسان العرب : ٢ / ٢٢٤ وفيه : إذا اضطرمت ، الأعلام : ٣ / ١٤.

(٢) أنساب الأشراف : ٦ / ١٩٢.

(٣) الغرارة بكسر المعجمة : الجوالق [وهو وعاء من الأوعية معروف عند العرب]. (المؤلف)

(٤) أنساب الأشراف : ٦ / ١٩٣.

١١٦

وفي لفظ الطبري (١) : خرج ابن عبّاس فمرّ بعائشة في الصلصل (٢) فقالت : يا بن عبّاس أنشدك الله ـ فإنّك قد أُعطيت لساناً إزعيلا (٣) ـ أن تخذّل عن هذا الرجل وأن تشكّك فيه الناس ؛ فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت ورفعت لهم المنار وتحلّبوا من البلدان لأمر قد جمّ ، وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتّخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح ، فإن يل يَسِرْ بسيرة ابن عمّه أبي بكر رضى الله عنه. قال : قلت : يا أُمّه لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا. فقالت : أيهاً عنك إنّي لستُ أريد مكابرتك ولا مجادلتك. وحكاه ابن أبي الحديد عن تاريخ الطبري في شرح النهج (٤) غير أنّ فيه : فقالت : يا بن عبّاس أنشدك الله فإنّك قد أُعطيت فهماً ولساناً وعقلاً أن لا تخذّل الناس عن طلحة فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان ، وأنهجت ورفعت لهم المنابر وتجلّبوا من البلدان لأمر عظيم قد حمّ ، وأنّ طلحة قد اتخذ رجالاً على بيوت الأموال ، وأخذ مفاتيح الخزائن ، وأظنّه يسير إن شاء الله بسيرة ابن عمّه أبي بكر. الحديث.

٣ ـ كانت عائشة وأُمّ سلمة حَجّتا ذلك العام ـ عام قتل عثمان ـ وكانت عائشة تؤلّب على عثمان ، فلمّا بلغها أمره وهي بمكة أمرت بقبّتها فضربت في المسجد الحرام ، وقالت : إنّي أرى عثمان سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر. رواه البلاذري (٥).

٤ ـ أخرج عمر بن شبّة من طريق عبيد بن عمرو القرشي قال : خرجت عائشة وعثمان محصور ، فقدم عليها مكة رجل يقال له أخضر ، فقالت : ما صنع

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٤٠٧ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٢) صُلصُل بالضم والتكرير : موضع بنواحي المدينة على سبعة أميال منها [معجم البلدان : ٣ / ٤٢١]. (المؤلف)

(٣) الإزعيل : الذلق.

(٤) شرح نهج البلاغة : ١٠ / ٦ خطبة ١٧٥.

(٥) أنساب الأشراف : ٦ / ٢١٢.

١١٧

الناس؟ فقال : قتل عثمان المصريين. قالت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون أيقتل قوماً جاءوا يطلبون الحقّ وينكرون الظلم؟ والله لا نرضى بهذا. ثمّ قدم آخر فقالت : ما صنع الناس؟ قال : قتل المصريّون عثمان ، قالت : العجب لأخضر ، زعم أنّ المقتول هو القاتل فكان يضرب به المثل : أكذب من أخضر. وأخرجه الطبري (١).

٥ ـ مرّ في الجزء الثامن صفحة (١٢٣) : أن الشهود على الوليد بن عقبة بشربه الخمر استجاروا بعائشة ، وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعض الغلظة ، فقال : أما تجد مرّاق أهل العراق وفسّاقهم ملجأ إلاّ بيت عائشة؟ فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالت : تركت سنّة رسول الله صاحب هذا النعل. الحديث فراجع.

٦ ـ أسلفنا في هذا الجزء صفحة (١٦) في مواقف عمّار : إنّ عائشة لمّا بلغها ما صنع عثمان بعمّار ؛ غضبت وأخرجت شعراً من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ، ثمّ قالت : ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد! فغضب عثمان غضباً شديداً حتى ما درى ما يقول. الحديث.

وقال أبو الفداء : كانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه ، وكانت تخرج قميص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشعره وتقول : هذا قميصه وشعره لم يبل وقد بلي دينه.

٧ ـ وفي كتاب لأمير المؤمنين عليه‌السلام كتبه لمّا قارب البصرة إلى طلحة والزبير وعائشة : «وأنت يا عائشة فإنّك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ، ثمّ تزعمين أنّك تريدين الإصلاح بين المسلمين ، فخبّريني ما للنساء وقود الجيوش والبروز للرجال ، والوقوع بين أهل القبلة وسفك الدماء المحرّمة؟ ثمّ إنّك طلبت على زعمك دم عثمان ، وما أنت وذاك؟ عثمان رجل من بني

__________________

(١) تاريخ الأُمم الملوك : ٤ / ٤٤٩ حوادث سنة ٣٦ ه‍.

١١٨

أُميّة وأنت من تيم ، ثمّ بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر ، ثمّ تطلبين اليوم بدمه؟ فاتّقي الله وارجعي إلى بيتك ، واسبلي عليك سترك ، والسلام» (٢).

٨ ـ أخرج الطبري (٣) وابن قتيبة (٤) : أنّ غلاماً من جهينة أقبل على محمد بن طلحة ـ يوم الجمل ـ وكان محمد رجلاً عابداً ، فقال : أخبرني عن قتلة عثمان ، فقال : نعم ، دم عثمان ثلاثة أثلاث : ثلث على صاحبة الهودج يعني عائشة ، وثلث على صاحب الجمل الأحمر يعني طلحة ، وثلث على عليّ بن أبي طالب. وضحك الغلام وقال : ألا أراني على ضلال! ولحق بعليّ وقال في ذلك شعراً :

سألتُ ابنَ طلحةَ عن هالكٍ

بجوفِ المدينة لم يُقبرِ

فقال ثلاثةُ رهطٍ هُمُ

أماتوا ابنَ عفّان واستعبرِ

فثلثٌ على تلك في خِدرِها

وثلثٌ على راكبِ الأحمرِ

وثلثٌ على ابنِ أبي طالبٍ

ونحن بدويّةٍ قرقرِ

فقلتُ صدقتَ على الأوّلينِ

وأخطأتَ في الثالث الأزهرِ

٩ ـ أخرج الطبري (٥) من طريقين : أنّ عائشة رضى الله عنها لمّا انتهت إلى سرف (٦) راجعةً في طريقها إلى مكة ، لقيها عبد بن أُمّ كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أُمّه فقالت له : مهيم؟ قال : قتلوا عثمان رضى الله عنه فمكثوا ثمانياً. قالت : ثمّ صنعوا ما ذا؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع ، فجازت بهم الأُمور إلى خير مجاز ، اجتمعوا على عليّ

__________________

(٢) تذكرة الخواص : ص ٦٩.

(٣) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٤٦٥ حوادث سنة ٣٦ ه‍.

(٤) الإمامة والسياسة : ١ / ٦١.

(٥) تاريخ الأمم والملوك : ٤ / ٤٥٨ حوادث سنة ٣٦ ه‍ ، تذكرة الخواص : ص ٦٤.

(٦) سَرِف بالفتح ثمّ الكسر : موضع على ستّة أميال من مكة [معجم البلدان : ٣ / ٢١٢]. (المؤلف)

١١٩

ابن أبي طالب. فقالت : والله ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك ردّوني ردّوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول : قُتل والله عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه. فقال لها ابن أُمّ كلاب : ولم؟ فو الله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ ، ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر (١). قالت : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل. فقال لها ابن أُم كلاب (٢) :

منكِ البداءُ ومنكِ الغِيَرْ

ومنكِ الرياحُ ومنكِ المطَرْ

وأنتِ أمرتِ بقتل الإمامِ

وقلتِ لنا : إنّه قد كفرْ

فهبنا أطعناكِ في قتله

وقاتله عندنا من أمرْ

ولم يسقط السقفُ من فوقنا

ولم ينكسف شمسُنا والقمرْ

وقد بايع الناس ذا تُدرأ (٣)

يزيل الشبا ويُقيم الصَّعَرْ

ويلبس الحرب أثوابَها

وما مَن وفى مثلُ مَن قد غدر

فانصرفت إلى مكة ، فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فستّرت واجتمع إليها الناس فقالت : يا أيُّها الناس إنّ عثمان رضى الله عنه قُتل مظلوماً وو الله لأطلبنّ بدمه.

١٠ ـ قال أبو عمر صاحب الاستيعاب (٤) : إنّ الأحنف بن قيس كان عاقلاً حليماً ذا دين وذكاء وفصاحة ودهاء ، لمّا قدمت عائشة البصرة أرسلت إلى الأحنف ابن قيس ، فأبى أن يأتيها (٥) ، ثمّ أرسلت إليه فأتاها ، فقالت : ويحك يا أحنف بم

__________________

(١) في لفظ ابن قتيبة [في الإمامة والسياسة : ١ / ٥١] : فجر. (المؤلف)

(٢) في لفظ ابن قتيبة [في الإمامة والسياسة : ١ / ٥١] : عذر والله ضعيف يا أُمّ المؤمنين. ثمّ ذكر الأبيات. (المؤلف)

(٣) ذو تُدرأ : ذو عدّة وقوّة.

(٤) الاستيعاب : القسم الثاني / ٧١٦ رقم ١٢٠٩.

(٥) هذه العبارة حذفت من الطبعة الجديدة ، وهي موجودة في الاستيعاب المطبوع في هامش الإصابة : ٢ / ١٩٢ في ترجمة صخر بن قيس.

١٢٠