🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

١٢ ـ أخرج (١) الشيخان والترمذي عن أبي موسى قال : قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود إلاّ أنّه رجل من أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما نرى من دخوله ودخول أُمّه على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

راجع (٢) : المستدرك للحاكم (٣ / ٣١٤) ، مصابيح السنّة (٢ / ٢٨٤) ، تيسير الوصول (٣ / ٢٧٩) نقلاً عن الشيخين والترمذي ، تاريخ ابن كثير (٧ / ١٦٢) ، مرآة الجنان لليافعي (١ / ٨٧) ، الإصابة (٢ / ٣٦٩) قال : عند البخاري في التاريخ بسند صحيح (٣).

١٣ ـ أخرج أحمد في مسنده (٤) (٤ / ٢٠٣) من طريق عمرو بن العاصي قال : مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يحبّ عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٢٩٠) بلفظ : مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو راضٍ عنهما. حكاه عن أحمد والطبراني فقال : رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه ابن عساكر (٥) من طريق عثمان بن أبي العاص الثقفي كما في كنز العمّال (٦) (٧ / ٥٦).

__________________

(١) صحيح البخاري : ٣ / ١٣٧٣ ح ٣٥٥٢ ، صحيح مسلم : ٥ / ٦٣ ح ١١٠ كتاب فضائل الصحابة ، سنن الترمذي : ٥ / ٦٣١ ح ٣٨٠٦.

(٢) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٣٥٥ ح ٥٣٧٥ ، مصابيح السنّة : ٤ / ٢٠٤ ح ٤٨٥٦ ، تيسير الوصول : ٣ / ٣٢٤ ، البداية والنهاية : ٧ / ١٨٣ حوادث سنة ٣٢ ه‍.

(٣) قال ابن حجر في الإصابة : وعند البخاري في التاريخ [الصغير : ١ / ٦٠] بسند صحيح عن حريث ابن ظهير : جاء نعي عبد الله بن مسعود إلى أبي الدرداء فقال : ما ترك بعده مثله. انتهى. فما ورد في المتن من نسبة العبارة المذكورة إلى ابن حجر وإلحاقها بما أخرجه الشيخان والترمذي عن أبي موسى ، سهو من قلمه الشريف منشؤه مجيء العبارة في الإصابة عقيب ما اخرج عن أبي موسى مباشرة وبلا فصل.

(٤) مسند أحمد : ٥ / ٢٣٠ ح ١٧٣٥١.

(٥) مختصر تاريخ دمشق : ١٨ / ٢١٣.

(٦) كنز العمّال : ١٣ / ٤٦٨ ح ٣٧٢١٨.

٢١

١٤ ـ أخرج البخاري (١) من طريق عبد الله بن مسعود ، قال : أخذت من في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبعين سورة وإنّ زيد بن ثابت لصبيّ من الصبيان. وفي لفظ : أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت وله ذؤابة يلعب مع الغلمان. وفي لفظ : ما ينازعني فيها أحد (٢).

حلية الأولياء (١ / ١٢٥) ، الاستيعاب (١ / ٣٧٣) ، تهذيب التهذيب (٦ / ٢٨) وصحّحه ، كنز العمّال (٧ / ٥٦) نقلاً عن ابن أبي داود.

١٥ ـ أخرج البغوي من طريق تميم بن حرام (٣) ، قال : جالست أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما رأيت أحداً أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أحبّ إليّ أن أكون في صلاحه من ابن مسعود ، الإصابة لابن حجر (٢ / ٣٧٠).

وأخرجه البخاري في تاريخه (١ / قسم ٢ / ص ١٥٢) ولفظه : أدركت أبا بكر وعمر وأصحاب محمد : فما رأيت أحداً ... إلى آخره.

١٦ ـ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : كان عبد الله صاحب سِواد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعني سرّه. وعن أبي الدرداء : ألم يكن فيكم صاحب السواد عبد الله؟ وعن عبد الله بن شدّاد : إنّ عبد الله كان صاحب السواد والوِساد والسواك والنعلين (٤).

راجع (٥) : طبقات ابن سعد (٣ / ١٠٨) ، حلية الأولياء (١ / ١٢٦) ، الاستيعاب (١ / ٣٧١) ، صفة الصفوة (١ / ١٥٦) ، طرح التثريب (١ / ٧٥).

__________________

(١) التاريخ الكبير : مج ٣ / ٢٢٧ رقم ٧٦٢.

(٢) الاستيعاب : القسم الثالث / ٩٩٣ رقم ١٦٥٩ ، تهذيب التهذيب : ٦ / ٢٥ ، كنز العمّال : ١٣ / ٤٦٨ ح ٣٧٢١٧.

(٣) في تاريخ البخاري : حذلم. (المؤلف)

(٤) كان يلزم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويحمل نعليه. قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب : ٦ / ٢٨ [٦ / ٢٥]. (المؤلف)

(٥) الطبقات الكبرى : ٣ / ١٥٣ ، الاستيعاب : القسم الثالث / ٩٨٨ رقم ١٦٥٩ ، صفة الصفوة : ١ / ٣٩٧ رقم ١٩.

٢٢

١٧ ـ عن أبي وائل ، قال ابن مسعود : إنّي لأعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم وما في كتاب الله سورة ولا آية إلاّ وأنا أعلم فيم أُنزلت ومتى نزلت. قال أبو وائل : فما سمعت أحداً أنكر ذلك عليه.

أخرجه (١) الشيخان والنسائي كما في تيسير الوصول (٣ / ٢٧٩) ، وأبو عمر في الاستيعاب (١ / ٣٧٢) ، وذكره اليافعي في مرآته (١ / ٨٧).

هذا ابن مسعود :

وهذا علمه وهديه وسمته وصلاحه وزلفته إلى نبيّ العظمة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أضف إلى ذلك كلّه سابقته في الإسلام وهو سادس ستة ، وهجرته إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة ، وشهوده بدراً ومشاهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّها ، وهو أحد العشرة المبشّرة بالجنّة كما في رواية أبي عمر في الاستيعاب ، ولعّلك لا تشكّ بعد سيرك الحثيث في غضون السيرة والتاريخ في أنّه لم يكن له دأب إلاّ على نشر علم القرآن وسنّة الرسول وتعليم الجاهل ، وتنبيه الغافل ، وتثبيت القلوب ، وشدّ أزر الدين ، في كلّ ذلك هو شبيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هديه وسمته ودلّه ، فلا تجد فيه مغمزاً لغامز ، ولا محلاّ لِلَمز لامز ، وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلّمهم أُمور دينهم ، وبعث عمّاراً أميراً وكتب إليهم : إنّهما من النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر ، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما ، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي (٢). وقد سمعتَ ثناء أهل الكوفة عليه بقولهم : جُزيت خيراً ، فلقد علّمت جاهلنا وثبّت عالمنا ، وأقرأتنا القرآن ، وفقّهتنا في الدين ، فنعم أخو الإسلام أنت ونعم الخليل.

__________________

(١) صحيح البخاري : ٤ / ١٩١٢ ح ٤٧١٦ ، صحيح مسلم : ٥ / ٦٥ ح ١١٥ كتاب فضائل الصحابة : السنن الكبرى : ٥ / ٧٢ ح ٨٢٦٠ ، تيسير الوصول : ٣ / ٣٢٤ ح ٢ ، الاستيعاب : القسم الثالث / ٩٩١ رقم ١٦٥٩.

(٢) الاستيعاب : ١ / ٣٧٣ و ٢ / ٤٣٦ [القسم الثالث / ٩٨٨ رقم ١٦٥٩ و ١١٤٠ رقم ١٨٦٣] ، الإصابة : ٢ / ٣٦٩ [رقم ٤٩٥٤]. (المؤلف)

٢٣

كان ابن مسعود أوّل من جهر بالقرآن بمكة ، اجتمع يوماً أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ ، فمن رجلٌ يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا. قالوا : إنّا نخشاهم عليك ، إنّما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه ، قال : دعوني فإنّ الله سيمنعني ، قال : فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى ، وقريش في أنديتها ، حتى قام عند المقام ثمّ قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ـ رافعاً بها صوته ـ الرحمن علّم القرآن. قال : ثمّ استقبلها يقرؤها ، قال : وتأمّلوه ، فجعلوا يقولون : ما ذا قال ابن أُم عبد؟ قال : ثمّ قالوا : إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقاموا إليه ، فجعلوا يضربون في وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ، ثمّ انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا في وجهه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك ، فقال : ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن ، ولئن شئتم لأُغادينّهم بمثلها غداً ، قالوا : لا ، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون (١).

وقد هذّبته تلكم الأحوال وكهربته ، فلم يُسق لمغضبة على باطل ، ولم يحدهُ طيش إلى غاية ، فهو إن قال فعن هدىً ، وإن حدّث فعن الصادع الكريم صدقاً ، وإن جال ففي مستوى الحقّ ، وإن صال فعلى الضلالة ، وعرفه بذلك من عرفه من أوّل يومه ، وكان معظّماً مبجّلاً لدى الصحابة وكانوا يحذرون خلافه والردّ عليه ويعدّونه حوباً. قال أبو وائل : إنّ ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل إزاره فقال : ارفع إزارك. فقال : وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك. فقال : إنّي لست مثلك إنّ بساقي حموشة وأنا آدم (٢) الناس. فبلغ ذلك عمر ، فضرب الرجل ويقول (٣) : أتردّ على ابن مسعود (٤)؟

__________________

(١) سيرة ابن هشام : ١ / ٣٣٧ [١ / ٣٣٦]. (المؤلف)

(٢) كذا في الإصابة ، وفي كنز العمّال : أَؤم.

(٣) كذا في الإصابة ، وفي تاريخ دمشق : ٣٣ / رقم ٣٥٧٣ ، وسير أعلام النبلاء : ١ / ٤٩١ ـ ٤٩٢ رقم ٨٧ ، وكنز العمّال : فجعل يضرب الرجل ويقول.

(٤) الإصابة : ٢ / ٣٧٠ [رقم ٤٩٥٤] ، كنز العمّال : ٧ / ٥٥ [١٣ / ٤٦٤ رقم ٣٧٢٠٦]. (المؤلف)

٢٤

وأخرج أبو عمر في الاستيعاب (١) (١ / ٣٧٢) بالإسناد عن علقمة قال : جاء رجل إلى عمر وهو بعرفات فقال : جئتك من الكوفة وتركت بها رجلاً يحكي المصحف عن ظهر قلبه ، فغضب عمر غضباً شديداً وقال : ويحك ومن هو؟ قال : عبد الله بن مسعود. قال : فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله ، وقال : والله ما أعلم من الناس أحداً هو أحقّ بذلك منه.

فلما ذا يحرم هذا البدريّ العظيم عطاءه سنين؟ ثمّ يأتيه من سامه سوء العذاب وقد خالجه الندم ولات حين مندم متظاهراً بالصلة فلا يقبلها ابن مسعود وهو في منصرم عمره ، ويسأل ربّه أن يأخذ له منه بحقّه ، ثمّ يتوجّه إلى النعيم الخالد مُعرضاً عن الحطام الزائل ، موصياً بأن لا يصلّي عليه من نال منه ذلك النيل الفجيع.

لما ذا فُعل به هذا؟ ولما ذا شُتم على رءوس الأشهاد؟ ولما ذا أُخرج من مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُهاناً عنفاً ، ولما ذا ضُرب به الأرض فدُقّت أضالعه؟ ولما ذا بطشوا به بطش الجبّارين؟

كلّ ذلك لأنّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال الكوفة يوم كان عليه ما أمر به ، فألقى مفاتيح بيت المال لمّا لم يجد من الكتاب والسنّة وهو العليم بهما مساغاً لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها ، وعلم أنّها سوف تتبعها من الأعطيات التي لا يقرّها كتاب ولا سنّة ، فتسلّل عن عمله وتنصّل ، وما راقه أن يبوء بذلك الإثم ، فلهج بما علم ، وأبدى معاذيره في إلقاء المفاتيح ، فغاظ تلكم الأحوال داعية الشهوات ، وشاخص الهوى الوليد بن عقبة ، فكتب في حقّه ونمّ وسعى ، فكان من ولائد ذلك أن ارتكب من ابن مسعود ما عرفت ، ولم تمنع عن ذلك سوابقه في الإسلام وفضائله وفواضله وعلمه وهديه وورعه ومعاذيره وحججه ، فضلاً على أن يُشكر على ذلك كلّه ، فأوجب نقمة الصحابة على من نال ذلك منه ،

__________________

(١) الاستيعاب : القسم الثالث / ٩٩٢ رقم ١٦٥٩.

٢٥

وإنكار مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام وصيحة أُمّ المؤمنين في خدرها ، ولم تزل البغضاء محتدمة على هذه وأمثالها حتى كان في مغبّة الأمر ما لم يحمده خليفة الوقت وزبانيته الذين جرّوا إليه الويلات.

ولو ضرب المسيطر على الأمر صفحاً عن الفظاظة في الانتقام ، أو أعار لنصح صلحاء الأُمّة أُذناً واعية ، أو لم يستبدل جراثيم الفتن بمحنكي الرجال ، أو لم ينبذ كتاب الله وسنّة نبيّه وراء ظهره ، لما استقبله ما جرى عليه وعلى من اكتنفه من الوأد والهوان. لكنّه لم يفعل ففعلوا ، ولمحكمة العدل الإلهيّ غداً حكمها الباتّ.

ولابن مسعود عند القوم مظلمة أُخرى وهي جلده أربعين سوطاً في موقف آخر ، لما ذا كان ذلك؟ لأنّه دفن أبا ذر لمّا حضر موته في حجّته. وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميتاً كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان.

وجد صحابيّا عظيماً كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرّبه ويدنيه قد فارق الدنيا.

وجد عالماً من علماء المسلمين قد غادرته الحياة.

وجد مثالاً للقداسة والتقوى ، فتمثّل أمام عينيه تلك الصورة المكبّرة التي كان يشاهدها على العهد النبويّ.

وجد شبيه عيسى بن مريم في الأُمّة المرحومة هدياً وسمتاً ونُسكاً وزُهداً وخلقاً ، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الإسلام.

وجد عزيزاً من أعزّاء الصحابة على الله ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوماً مضطهداً.

وجد في قارعة الطريق جثمان طيّب طاهر غريب وحيد نازح عن الأوطان تصهره الشمس ، وتسفي عليه الرياح ، وذكر قول رسول الله : «رحم الله أبا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويُحشر وحده».

٢٦

فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمرّوا على ذلك المنظر الفجيع دون أن يمتثلوا حكم الشريعة بتعجيل دفن جثمان كلّ مسلم ، فضلاً عن أبي ذر الذي بشّر بدفنه صلحاء المؤمنين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنهضوا بالواجب فأودعوه في مقرّه الأخير والعيون عبرى ، والقلوب واجدة على ما ارتكب من هذا الإنسان المبجّل ، فلمّا هبطوا يثرب نقم على ابن مسعود من نقم على أبي ذر ، فحسب ذلك الواجب الذي ناء به ابن مسعود حوباً كبيراً ، حتى صدر الأمر بجلده أربعين سوطاً ، وذلك أمر لا يُفعل بمن دفن زنديقاً لطمّ جيفته فضلاً عن مسلم لم يبلغ مبلغ أبي ذر من العظمة والعلم والتقوى والزلفة ، فكيف بمثل أبي ذر وعاء العلم ، وموئل التقوى ، ومنبثق الإيمان ، وللعداء مفعول قد يبلغ أكثر من هذا.

أيّ خليفة هذا لم يُراعِ حرمة ولا كرامة لصلحاء الأُمّة وعظماء الصحابة من البدريّين الذين نزل فيهم القرآن ، وأثنى عليهم النبيّ العظيم؟ وقد جاء في مجرم بدريّ (١) قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا قال عمر : إئذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال : مهلاً يا ابن الخطّاب إنّه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإنّي غافر لكم (٢). واختلق القوم حديثاً لإدخال عثمان في زمرتهم لفضلهم المتسالم عليه عند الأُمّة جمعاء ، كأنّ الرجل آلى على نفسه أن يُطلّ على الأُمّة الداعية إلى الخير ، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، بالذلّ والهوان ، ويُسرّ بذلك سماسرة الأهواء من بني أبيه ، فطفق بمراده ، والله من ورائهم حسيب.

والمدافع إن أعوزته المعاذير تشبّث بالطحلب فقال (٣) : حداه إلى ذلك الاجتهاد! ذلك العذر العام المصحّح للأباطيل ، والمبرّر للشنائع ، والوسيلة المتّخذة لإغراء بسطاء

__________________

(١) هو حاطب بن بلتعة حين كتب إلى كفار قريش كتاباً يتنصّح لهم فيه.

(٢) أحكام القرآن : ٣ / ٥٣٥ [٣ / ٤٣٥]. (المؤلف)

(٣) راجع : التمهيد للباقلاني : ٢٢١ [ص ٢٣١] الرياض النضرة : ٢ / ١٤٥ [٣ / ٨٢] ، الصواعق : ص ٦٨ [ص ١١٣] ، تاريخ الخميس : ٢ / ٢٦٨. (المؤلف)

٢٧

الأُمّة ، وذلك قولهم بأفواههم : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ) (١) (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) (٢).

ـ ٤٣ ـ

مواقف الخليفة مع عمّار

١ ـ أخرج البلاذري في الأنساب (٣) (٥ / ٤٨) بالإسناد من طريق أبي مخنف قال : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حليّ وجوهر ، فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه ، فخطب فقال : لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أُنوف أقوام. فقال له عليّ : إذاً تُمنع من ذلك ويُحال بينك وبينه. وقال عمّار بن ياسر : أُشهد الله أنّ أنفي أوّل راغم من ذلك. فقال عثمان : أعليّ يا ابن المتكاء (٤) تجترئ؟ خذوه ، فأُخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتى غُشي عليه ، ثمّ أخرج فحمل حتى أُتي به منزل أُمّ سلمة زوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يصلِّ الظهر والعصر والمغرب ، فلمّا أفاق توضّأ وصلّى وقال : الحمد لله ليس هذا أوّل يوم أُوذينا فيه في الله. وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمّار حليفاً لبني مخزوم ، فقال : يا عثمان أمّا عليّ فاتّقيته وبني أبيه ، وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيتَ به على التلف. أما والله لئن مات لأقتلنّ به رجلاً من بني أُميّة عظيم السُرّة ، فقال عثمان : وإنّك لهاهنا يا ابن القسريّة؟ قال : فإنّهما قسريّتان ـ وكانت أُمّه وجدّته قسريّتين من بجيلة ـ فشتمه عثمان وأمر به فأُخرج ، فأتى أُمّ سلمة فإذا هي قد غضبت لعمّار ، وبلغ عائشة ما صنع بعمّار ، فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ثمّ قالت : ما أسرع ما تركتم سنّة

__________________

(١) النمل : ٧٤.

(٢) القيامة : ١٤ ـ ١٥.

(٣) أنساب الأشراف : ٦ / ١٦١.

(٤) المتكاء : البظراء ، المفضاة التي لا تمسك البول ، العظيمة البطن. (المؤلف)

٢٨

نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبلَ بعد! فغضب عثمان غضباً شديداً حتى ما درى ما يقول ، فالتجّ المسجد (١) وقال الناس : سبحان الله ، سبحان الله ، وكان عمرو بن العاص واجداً على عثمان لعزله إيّاه عن مصر وتوليته إيّاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فجعل يُكثر التعجب والتسبيح.

وبلغ عثمان مصير هشام بن الوليد ومن مشى معه من بني مخزوم إلى أُمّ سلمة وغضبها لعمّار فأرسل إليها : ما هذا الجمع؟ فأرسلت إليه : دع ذا عنك يا عثمان ، ولا تحمل الناس في أمرك على ما يكرهون. واستقبح الناس فعله بعمّار وشاع فيهم فاشتدّ إنكارهم له.

وفي لفظ الزهري كما في أنساب البلاذري (٢) (ص ٨٨) : كان في الخزائن سفط فيه حليّ ، وأخذ منه عثمان فحلّى به بعض أهله ، فأظهروا عند ذلك الطعن عليه وبلغه ذلك فخطب فقال : هذا مال الله أُعطيه من شئت وأمنعه من شئت فأرغم الله أنف من رغم ، فقال عمّار : أنا والله أوّل من رغم أنفه من ذلك. فقال عثمان : لقد اجترأت عليّ يا ابن سميّة! وضربه حتى غشي عليه ، فقال عمّار : ما هذا بأوّل ما أوذيت في الله. وأطلعت عائشة شعراً من رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونعله وثياباً من ثيابه ـ فيما يحسب وهب ـ ثمّ قالت : ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم! وقال عمرو بن العاص : هذا منبر نبيّكم وهذه ثيابه وهذا شعره لم يبلَ فيكم وقد بدّلتم وغيّرتم. فغضب عثمان حتى لم يدرِ ما يقول.

٢ ـ قال البلاذري في الأنساب (٣) (٥ / ٤٩) : إنّ المقداد بن عمرو وعمّار بن ياسر وطلحة والزبير في عدّة من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتبوا كتاباً عدّدوا فيه أحداث عثمان ، وخوّفوه ربّه ، وأعلموه أنّهم مواثبوه إن لم يُقلع ، فأخذ عمّار الكتاب وأتاه به

__________________

(١) التجّت الأصوات : ارتفعت فاختلطت.

(٢) أنساب الأشراف : ٦ / ٢٠٩.

(٣) أنساب الأشراف : ٦ / ١٦٢.

٢٩

فقرأ صدراً منه ، فقال له عثمان : أعليّ تقدم من بينهم؟ فقال عمّار : لأنّي أنصحهم لك. فقال : كذبت يا ابن سميّة. فقال : أنا والله ابن سميّة وابن ياسر. فأمر غلمانه فمدّوا بيديه ورجليه ثمّ ضربه عثمان برجليه وهي في الخفّين على مذاكيره ، فأصابه الفتق ، وكان ضعيفاً كبيراً فغُشي عليه.

وذكره ابن أبي الحديد في الشرح (١) (١ / ٢٣٩) نقلاً عن الشريف المرتضى من دون غمز فيه.

وقال أبو عمر في الاستيعاب (٢) (٢ / ٤٢٢) : وللحلف والولاء اللذين بين بني مخزوم وبين عمّار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمّار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب ، حتى انفتق له فتق في بطنه ، ورغموا وكسروا ضلعاً من أضلاعه ، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا : والله لئن مات لا قتلنا به أحداً غير عثمان.

صورة مفصّلة :

قال ابن قتيبة : ذكروا أنّه اجتمع ناس من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتبوا كتاباً ذكروا فيه :

١ ـ ما خالف فيه عثمان من سنّة رسول الله وسنّة صاحبيه.

٢ ـ وما كان من هبته خمس إفريقية لمروان وفيه حقّ الله ورسوله ، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.

٣ ـ وما كان من تطاوله في البنيان ، حتى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة داراً لنائلة وداراً لعائشة وغيرهما من أهله وبناته.

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ٣ / ٥٠ خطبة ٤٣.

(٢) الاستيعاب : القسم الثالث / ١١٣٦ رقم ١٨٦٣.

٣٠

٤ ـ وبنيان مروان القصور بذي خشب ، وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله.

٥ ـ وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمّه من بني أُميّة من أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأُمور.

٦ ـ وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات ثمّ قال لهم : إن شئتم أن أزيدكم ركعة (١) زدتكم.

٧ ـ وتعطيله إقامة الحدّ عليه وتأخيره ذلك عنه.

٨ ـ وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم.

٩ ـ وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة.

١٠ ـ وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبيّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثمّ لا يغزون ولا يذبّون.

١١ ـ وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط ، وأنّه أوّل من ضرب بالسياط ظهور الناس ، وإنّما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرّة والخيزران.

ثم تعاهد القوم ليدفعُنَّ الكتاب في يد عثمان ، وكان ممّن حضر الكتاب عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة ، فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمّار جعلوا يتسلّلون عن عمّار حتى بقي وحده ، فمضى حتى جاء دار عثمان ، فاستأذن عليه ، فأذن له في يوم شاتٍ ، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أُميّة ، فدفع إليه الكتاب فقرأه ، فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال :

__________________

(١) في الإمامة والسياسة : صلاة.

٣١

نعم. قال : ومن كان معك؟ قال : معي نفر تفرّقوا فرقاً منك. قال : ومن هم؟ قال : [لا] (١) أُخبرك بهم. قال : فلم اجترأت عليّ من بينهم؟ فقال مروان : يا أمير المؤمنين ، إنّ هذا العبد الأسود ـ يعني عمّاراً ـ قد جرّأ عليك الناس ، وإنّك إن قتلته نكّلت به من وراءه. قال عثمان : اضربوه. فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه ، فغشي عليه ، فجرّوه حتى طرحوه على باب الدار ، فأمرت به أُمّ سلمة زوج النبيّ عليه الصلاة والسلام فأُدخل منزلها وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم ، فلمّا خرج عثمان لصلاة الظهر ؛ عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال : أما والله لئن مات عمّار من ضربه هذا لأقتلنّ به رجلاً عظيماً من بني أُميّة ، فقال عثمان : لست هناك. قال : ثمّ خرج عثمان إلى المسجد فإذا هو بعليّ وهو شاكٍ معصوب الرأس ، فقال له عثمان : والله يا أبا الحسن ما أدري أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟! فو الله لئن متّ ما أُحبّ أن أبقى بعدك لغيرك ، لأنّي لا أجد منك خلفاً ، ولئن بقيت لا أعدم طاغياً يتّخذك سُلّماً وعضداً ويعدّك كهفاً وملجأ ، لا يمنعني منه إلاّ مكانه منك ومكانك منه ، فأنا منك كالابن العاقّ من أبيه ، إن مات فجعه وإن عاش عقّه ، فإمّا سلم فنسالم وإمّا حرب فنحارب ، فلا تجعلني بين السماء والأرض ، فإنّك والله إن قتلتني لا تجد منّي خلفاً ، ولئن قتلتك لا أجد منك خلَفاً ، ولن يلي أمر هذه الأُمّة بادئ فتنة. فقال عليّ : إنّ في ما تكلّمت به لجواباً ، ولكنّي عن جوابك مشغول بوجعي ، فأنا أقول كما قال العبد الصالح (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (٢) قال مروان : إنّا والله إذاً لنكسرن رماحنا ولنقطعن سيوفنا ولا يكون في هذا الأمر خير لمن بعدنا ، فقال له عثمان : اسكت ، ما أنت وهذا؟ الإمامة والسياسة (٣) (١ / ٢٩).

__________________

(١) من المصدر.

(٢) يوسف : ١٨.

(٣) الإمامة والسياسة : ١ / ٣٥.

٣٢

وذكره مختصراً ابن عبد ربّه في العقد الفريد (١) (٣ / ٢٧٢) نقلاً عن أبي بكر بن أبي شيبة من طريق الأعمش ، قال : كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة ، فقالوا : من يذهب بها إليه؟ قال عمّار : أنا. فذهب بها إليه ، فلمّا قرأها قال : أرغم الله أنفك ، قال : وبأنف أبي بكر وعمر ، قال : فقام إليه فوطئه حتى غشي عليه. ثمّ ندم عثمان ، وبعث إليه طلحة والزبير يقولان له : اختر إحدى ثلاث : إمّا أن تعفو ، وإمّا أن تأخذ الأرش ، وإمّا أن تقتصّ ، فقال : والله لا قبلت واحدةً منها حتى ألقى الله.

٣ ـ قال البلاذري في الانساب (٢) (٥ / ٥٤) : وقد روي أيضاً : أنّه لمّا بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : ;. فقال عمّار بن ياسر : نعم ف; من كلِّ أنفسنا. فقال عثمان : يا عاضّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال : الحق بمكانه ، فلمّا تهيّأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان فيه ، فقال له عليّ : «يا عثمان اتّق الله ، فإنّك سيّرت رجلاً (٣) صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره» وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان : أنت أحقّ بالنفي منه. فقال عليّ : «رُم ذلك إن شئت» واجتمع المهاجرون فقالوا : إن كنت كلّما كلّمك رجل سيّرته ونفيته فإنّ هذا شيء لا يسوغ. فكفّ عن عمّار.

وفي لفظ اليعقوبي : لمّا بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال : رحم الله أبا ذر. قال عمّار : نعم رحم الله أبا ذر من كلّ أنفسنا. فغلظ ذلك على عثمان ، وبلغ عثمان عن عمّار كلام ، فأراد أن يسيّره أيضاً ، فاجتمعت بنو مخزوم إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وسألوه إعانتهم ، فقال عليّ : لا ندع عثمان ورأيه. فجلس عمّار في بيته ، وبلغ عثمان ما تكلّمت

__________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ١١٩.

(٢) أنساب الأشراف : ٦ / ١٦٩.

(٣) يعني سيّدنا أبا ذر الغفاري. (المؤلف)

٣٣

بنو مخزوم فأمسك عنه. تاريخ اليعقوبي (١) (٢ / ١٥٠).

٤ ـ قال البلاذري في الأنساب (٢) (٥ / ٤٩) : إنّ عثمان مرّ بقبر جديد فسأل عنه فقيل : قبر عبد الله بن مسعود ، فغضب على عمّار لكتمانه إيّاه موته إذ كان المتولّي للصلاة عليه والقيام بشأنه فعندها وطئ عمّاراً حتى أصابه الفتق.

وذكره ابن أبي الحديد في شرحه (٣) (١ / ٢٣٩) نقلاً عن الشريف المرتضى من دون غمز فيه.

وفي لفظ اليعقوبي : توفّي ـ ابن مسعود ـ وصلّى عليه عمّار بن ياسر ، وكان عثمان غائباً فستر أمره ، فلمّا انصرف رأى عثمان القبر فقال : قبر من هذا؟ فقيل : قبر عبد الله ابن مسعود ، قال : فكيف دُفن قبل أن أعلم؟ فقالوا : ولي أمره عمّار بن ياسر ، وذكر أنّه أوصى أن لا يُخبرَ به ، ولم يلبث إلاّ يسيراً حتى مات المقداد (٤) ، فصلّى عليه عمّار وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به ، فاشتدّ غضب عثمان على عمّار وقال : ويلي على ابن السوداء ، أما لقد كنت به عليماً. تاريخ اليعقوبي (٥) (٢ / ١٤٧).

وفي طبقات ابن سعد (٦) (٣ / ١٨٥) طبع ليدن : إنّ عقبة بن عامر هو الذي قتل عمّاراً ، وهو الذي كان ضربه حين أمره عثمان بن عفّان.

قال الأميني : هذه أفاعيل الخليفة في رجل نزل فيه القرآن شهيداً على طمأنينته بالإيمان والرضا بقنوته آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ، في رجل هو أوّل مسلم

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٧٣.

(٢) أنساب الأشراف : ٦ / ١٦٣.

(٣) شرح نهج البلاغة : ٣ / ٥٠ خطبة ٤٣.

(٤) اتّفقوا على أنّه مات سنة ثلاث وثلاثين ، وتوفّي ابن مسعود قبله بسنة أو أقلّ أو أكثر. (المؤلف)

(٥) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٧٠.

(٦) الطبقات الكبرى : ٣ / ٢٥٩.

٣٤

اتّخذ مسجداً في بيته يتعبّد فيه (١) ، في رجل تضافر الثناء عليه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشفوعاً بالنهي المؤكّد عن بغضه ومعاداته وسبّه وتحقيره وانتقاصه بألفاظ ستقف عليها إن شاء الله تعالى. وقد أكبرته الصحابة الأوّلون ونقمت على من آذاه وأغضبه وأبغضه وفُعل به كلّ تلكم المناهي ، ولم يؤثر عن عمّار إلاّ الرضا بما يُرضي الله ورسوله والغضب لهما والهتاف بالحقّ والتجهّم أمام الباطل رضي الناس أم غضبوا ، ولم يزل على ذلك كلّه منذ بدء أمره الذي أوذي فيه هو وأبواه ، فكان مرضيّا عند الله إيمانهم وخضوعهم وبعين الله ما قاسوه من المحن فعاد ذكرهم ورداً لنبيّ الإسلام فلم يزل يلهج بهم ويدعو لهم ويقول :

«اصبروا آل ياسر موعدكم الجنّة». من طريق عثمان بن عفّان (٢).

ويقول : «ابشروا آل ياسر موعدكم الجنّة». من طريق جابر (٣).

ويقول : «اللهمّ اغفر لآل ياسر وقد فعلتَ». رواه عثمان أيضاً (٤).

__________________

(١) طبقات ابن سعد : ٣ / ١٧٨ طبع ليدن [٣ / ٢٥٠] ، وذكره ابن كثير في تاريخه : ٧ / ٣١١ [٧ / ٣٤٥ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، والحاكم في المستدرك : ٣ / ٤٣٤ ح ٥٦٥٥ ، ٥٦٥٦ ، والذهبي في تاريخ الإسلام : ص ٥٧٢ عهد الخلفاء الراشدين ، وابن أبي شيبة في المصنّف : ٧ / ٥٢٤]. (المؤلف)

(٢) أخرجه الطبراني [في المعجم الكبير : ٢٤ / ٣٠٣ ح ٧٦٩] كما في مجمع الزوائد : ٩ / ٢٩٣ فقال : رجاله ثقات ، وأخرجه الطبراني عن عمّار ، والبغوي ، وابن مندة ، والخطيب [في تاريخ بغداد : ١١ / ٣٤٣ رقم ٦١٨٢] ، وأحمد ، وابن عساكر [مختصر تاريخ دمشق : ١٨ / ٢٠٥] عن عثمان كما في كنز العمّال : ٦ / ١٨٥ [١١ / ٧٢٨ ح ٣٣٥٦٨ ، والحاكم في المستدرك ٣ / ٤٣٢ رقم ٥٦٤٤]. (المؤلف)

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ٢٩٣ نقلاً عن الطبراني [في المعجم الأوسط : ٢ / ٣٠٥ ح ١٥٣١] فقال : رجاله رجال الصحيح غير إبراهيم وهو ثقة [وأخرجه البيهقي في دلائل النبوّة : ٢ / ٢٨٢ ، والحاكم في المستدرك : ٣ / ٤٣٨ ح ٥٦٦٦ ، والذهبي في تاريخ الإسلام : ص ٥٧٢ عهد الخلفاء الراشدين]. (المؤلف)

(٤) مسند أحمد : ١ / ٦٢ [١ / ١٠٠ ح ٤٤١] ، مجمع الزوائد : ٩ / ٢٩٣ فقال : رجاله رجال الصحيح ، وأخرجه البيهقي ، والبغوي ، والعقيلي ، والحاكم في الكنى ، وابن الجوزي [في صفة الصفوة : ١ / ٤٤٣ رقم ٢٧] ، وابن عساكر [انظر : مختصر تاريخ دمشق : ١٨ / ٢٠٨] كما في كنز العمّال : ٧ / ٧٢ [١٣ / ٥٢٨ ح ٣٧٣٦٥ ، وأخرجه الذهبي في تاريخ الاسلام : ص ٥٧٢ عهد الخلفاء الراشدين]. (المؤلف)

٣٥

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار وبأبيه وأُمّه ـ وكانوا أهل بيت إسلام ـ إذا حَمِيت الظهيرة يعذّبونهم برمضاء مكة ، فيمرّ بهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول : «صبراً آل ياسر موعدكم الجنّة ، صبراً آل ياسر فإنّ مصيركم إلى الجنّة» (١)

. نعم ؛ كان عمّار هكذا عند مفتتح حياته الدينيّة إلى منصرم عمره الذي قتلته فيه الفئة الباغية.

وقد أخبر به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله :

«ويحك يا ابن سميّة تقتلك الفئة الباغية».

وفي لفظ : «تقتل عمّاراً الفئة الباغية ، وقاتله في النار».

وفي لفظ : «ويح عمّار أو ويح ابن سميّة تقتله الفئة الباغية».

وفي لفظ معاوية : «تقتل عمّاراً الفئة الباغية».

وفي لفظ عثمان : «تقتلك الفئة الباغية ، قاتل عمّار في النار».

وفي لفظ : «تقتل عمّاراً الفئة الباغية عن الطريق ، وإنّ آخر رزقه من الدنيا ضياح من لبن».

وفي لفظ عمّار : أخبرني حبيبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه تقتلني الفئة الباغية ، وأنّ آخر زادي مذقة من لبن.

وفي لفظ حذيفة : «إنّك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية الناكبة عن الحقّ ، يكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن».

وفي لفظ : «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار»

__________________

(١) سيرة ابن هشام : ١ / ٣٤٢ ، حلية الأولياء : ١ / ١٤٠ [رقم ٢٢] ، طرح التثريب : ١ / ٨٧ ، وأخرجه الحارث ، والضياء ، والحاكم [في المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٤٣٢ ح ٥٦٤٦] ، والطيالسي ، والبغوي ، وابن مندة ، وابن عساكر [أنظر مختصر تاريخ دمشق : ٨ / ٢٠٨] كما في كنز العمّال : ٧ / ٧٢ [١٣ / ٥٢٨ ح ٣٧٣٦٦]. (المؤلف)

٣٦

وفي لفظ أنس : «ابن سميّة تقتله الفئة الباغية قاتله وسالبه في النار».

وفي لفظ عائشة : «اللهمّ بارك في عمّار ، ويحك ابن سميّة تقتلك الفئة الباغية ، وآخر زادك من الدنيا ضياح من لبن».

وفي لفظ : «ويح ابن سميّة ليسوا بالذين يقتلونك إنّما تقتلك الفئة الباغية».

جاء هذا الحديث من طرق كثيرة تربو حدّ التواتر منها طريق : عثمان بن عفّان ، عمرو بن العاص ، معاوية بن أبي سفيان ، حذيفة بن اليمان ، عبد الله بن عمر ، خزيمة بن ثابت ، كعب بن مالك ، جابر بن عبد الله ، ابن عباس ، أنس بن مالك ، أبي هريرة الدوسي ، عبد الله بن مسعود ، أبي سعد ، أبي أُمامة ، أبي رافع ، أبي قتادة ، زيد ابن أبي أوفى ، عمّار بن ياسر ، عبد الله بن أبي هذيل ، أبي اليسر ، زياد بن الفرد ، جابر ابن سمرة ، عبد الله بن عمرو بن العاص ، أُمّ سلمة ، عائشة.

راجع (١) : طبقات ابن سعد (٣ / ١٨٠) ، سيرة ابن هشام (٢ / ١١٤) ، مستدرك الحاكم (٣ / ٣٨٦ ، ٣٨٧ ، ٣٩١) ، الاستيعاب (٢ / ٤٣٦) وقال : تواترت الآثار عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «تقتل عمّاراً الفئة الباغية» ، وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوّته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو من أصحّ الأحاديث. طرح التثريب (١ / ٨٨) وصحّحه ، تيسير الوصول (٣ / ٢٧٨) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٢٧٤) ، تاريخ ابن كثير (٧ / ٢٦٧ ، ٢٧٠) ، مجمع الزوائد (٩ / ٢٩٦) وصحّحه من عدّة طرق ، تهذيب التهذيب (٧ / ٤٠٩) وذكر تواتره ، الإصابة (٢ / ٥١٢) وقال : تواترت الأحاديث [عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(١) الطبقات الكبرى : ٣ / ٢٥١ ، السيرة النبويّة : ٢ / ١٤٢ ، المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٤٣٥ ح ٥٦٥٧ و ٤٣٦ ح ٥٦٥٩ و ٤٤٢ ح ٥٦٧٦ ، الاستيعاب : القسم الثالث / ١١٤٠ رقم ١٨٦٣ ، تيسير الوصول : ٣ / ٣٢٣ ح ٢ ، شرح نهج البلاغة : ٨ / ٢٤ خطبة ١٢٤ ، البداية والنهاية : ٧ / ٢٩٦ و ٢٩٨ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، تهذيب التهذيب : ٧ / ٣٥٨ ، كنز العمّال : ١١ / ٧٢٦ ح ٣٣٥٥٥ و ١٣ / ٥٢٩ ح ٣٧٣٧٠ و ٥٣٦ ح ٣٧٤٠٠ ، الخصائص الكبرى : ٢ / ٢٣٩.

٣٧

أنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية] ، كنز العمّال (٦ / ١٨٤ و ٧ / ٧٣ ، ٧٤) ، ونصّ على تواتره السيوطي في الخصائص كما مرّ في الجزء الثالث (٢٥٠).

وأخرجه (١) : البخاري ، ومسلم ، وأحمد ، والبزّار ، وعبد الرزّاق ، والطبراني ، والدارقطني ، وأبو يعلى ، وأبو عوانة ، والإسماعيلي ، والضياء المقدسي ، وأبو نعيم ، وتمام ، وابن قانع ، وابن مندة ، والبارودي ، والبرقاني ، وابن عساكر ، والخطيب.

عمّار في الذكر الحكيم :

هذا عمّار بين البدء والختام المحمودين وهو بينهما كما أثنى عليه الذكر الحكيم بقوله تعالى (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ) (٢).

أخرج (٣) ابن سعد في الطبقات (٣ / ١٧٨) ـ طبع ليدن ـ وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس : أنها نزلت في عمّار بن ياسر.

وذكر الزمخشري في تفسيره (٤) (٣ / ٢٢) : أنّها نزلت في عمّار وأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي.

وذكر القرطبي في تفسيره (٥) (١٥ / ٢٣٩) عن مقاتل : أنّ من هو قانت : عمّار بن ياسر.

__________________

(١) صحيح البخاري : ١ / ١٧٢ ح ٤٣٦ ، صحيح مسلم : ٥ / ٤٣١ ح ٧٣ كتاب الفتن ، مسند أحمد : ٦ / ٢٨١ ح ٢١٣٦٦ ، مسند البزّار (البحر الزخّار) : ٤ / ٢٥٦ ح ١٤٢٨ ، المصنّف : ١١ / ٢٤٠ ح ٢٠٤٢٦ و ٢٠٤٢٧ ، المعجم الكبير : ٥ / ٢٦٦ ح ٥٢٩٦ ، مسند أبي يعلى : ١١ / ٤٠٣ ح ٦٥٢٤ ، حلية الأولياء : ٤ / ١٧٢ ، ٧ / ١٩٧ ـ ١٩٨ ، تاريخ مدينة دمشق : ١٣ / ٩ رقم ١٢٧٩ ، تاريخ بغداد : ٧ / ٤١٤ رقم ٣٩٦٥.

(٢) الزمر : ٩.

(٣) الطبقات الكبرى : ٣ / ٢٥٠ ، مختصر تاريخ دمشق : ١٨ / ٢١٠.

(٤) الكشّاف : ٤ / ١١٧.

(٥) الجامع لأحكام القرآن : ١٥ / ١٥٦.

٣٨

وذكر الخازن في تفسيره (١) (٣ / ٥٣) : أنّها نزلت في ابن مسعود وعمّار وسلمان. وذكره الخطيب الشربيني في تفسيره (٢) (٣ / ٤١٠). وذكر الشوكاني في تفسيره (٣) (٤ / ٤٤٢) حديث ابن سعد وابن مردويه وابن عساكر. وزاد الآلوسي عليه في تفسيره (٢٣ / ٢٤٧) قوله : وأخرج جويبر عن ابن عباس أنّها نزلت في عمّار وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة. وعن عكرمة : الاقتصار على عمّار. وعن مقاتل : المراد بمن هو قانت : عمّار وصهيب وابن مسعود وأبو ذر. وجلّ ما ذكره الآلوسي مأخوذ من الدرّ المنثور (٤) (٥ / ٣٢٣).

آية ثانية : أخرج ابن ماجة (٥) في قوله تعالى : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) الآية (الأنعام : ٥٢) أنّها نزلت في عمّار وصهيب وبلال وخبّاب.

راجع (٦) : تفسير الطبري (٧ / ١٢٧ ، ١٢٨) ، تفسير القرطبي (١٦ / ٤٣٢) ، تفسير البيضاوي (١ / ٣٨٠) ، تفسير الزمخشري (١ / ٤٥٣) ، تفسير الرازي (٤ / ٥٠) ، تفسير ابن كثير (٢ / ١٣٤) ، تفسير ابن جزي (٢ / ١٠) ، الدرّ المنثور (٣ / ١٤) ، تفسير الخازن (٢ / ١٨) ، تفسير الشربيني (١ / ٤٠٤) ، تفسير الشوكاني (٢ / ١١٥).

آية ثالثة : أخرج جمع من الحفّاظ نزول قوله تعالى : (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ

__________________

(١) تفسير الخازن : ٤ / ٥٠.

(٢) السراج المنير : ٣ / ٤٣٦.

(٣) فتح القدير : ٤ / ٤٥٤.

(٤) الدرّ المنثور : ٧ / ٢١٤.

(٥) سنن ابن ماجة : ٢ / ١٣٨٣ ح ٤١٢٨.

(٦) جامع البيان : مج ٥ / ج ٧ / ٢٠٠ ـ ٢٠١ ، الجامع لأحكام القرآن : ٦ / ٢٧٨ ، أنوار التنزيل وأسرار التأويل : ١ / ٣٠٢ ، الكشّاف : ٢ / ٢٧ ، التفسير الكبير : ١٢ / ٢٣٤ ، الدرّ المنثور : ٣ / ٢٧٣ ، فتح القدير : ٢ / ١٢٠.

٣٩

مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) (١) في عمّار. وقال أبو عمر في الاستيعاب : هذا ممّا اجتمع أهل التفسير عليه. وقال القرطبي : نزلت في عمّار في قول أهل التفسير. وقال ابن حجر في الإصابة : اتّفقوا على أنّه نزل في عمّار.

قال ابن عبّاس ـ في لفظ الواحدي ـ : نزلت في عمّار بن ياسر ؛ وذلك أنّ المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأُمّه سميّة وصهيباً وبلالاً وخبّاباً وسالماً ، فأمّا سميّة فإنّها رُبطت بين بعيرين ووُجئ قُبلها بحربة ، وقيل لها : إنّك أسلمت من أجل الرجال. فقتلت ، وقتل زوجها ياسر ، وهما أوّل قتيلين قُتلا في الإسلام ، وأمّا عمّار فإنّه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأُخبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ عمّاراً كفر. فقال : «كلاّ إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» فأتى عمّار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ يمسح عينيه وقال : «إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت». فأنزل الله تعالى هذه الآية.

أخرج حديث نزولها في عمّار : ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والطبري عن ابن عبّاس ، وعبد الرزّاق ، وابن سعد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصحّحه ، وابن مردويه ، والبيهقي ، وابن عساكر (٢) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمّار عن أبيه ، وابن أبي شيبة (٣) ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن عساكر عن أبي مالك.

راجع (٤) : طبقات ابن سعد (٣ / ١٧٨) ، تفسير الطبري (١٤ / ١٢٢) ، أسباب

__________________

(١) النحل : ١٠٦.

(٢) مختصر تاريخ دمشق : ١٨ / ٢٠٩.

(٣) مصنّف ابن أبي شيبة : ٧ / ٥٢٤.

(٤) الطبقات الكبرى : ٣ / ٢٤٩ ، جامع البيان : مج ٨ / ج ١٤ / ١٨١ ، أسباب النزول : ص ١٩٠ ، المستدرك على الصحيحين : ٢ / ٣٨٩ ح ٣٣٦٢ ، الاستيعاب : القسم الثالث / ١١٣٦ رقم ١٨٦٣ ، الجامع لأحكام القرآن : ١٠ / ١١٨ ، الكشّاف : ٢ / ٦٣٦ ، تفسير البيضاوي : ١ / ٥٥٨ ، التفسير الكبير : ٢٠ / ١٢١ ، غرائب القرآن ورغائب الفرقان : ٤ / ٣٠٩ ، الدرّ المنثور : ٥ / ١٦٩ ـ ١٧٠ ، تفسير الخازن : ٣ / ١٣٦ ، فتح القدير : ٣ / ١٩٨.

٤٠