🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

سلسلة الموضوعات

في قصّة الدار وتبرير الخليفة والنظر فيها

١ ـ قال الطبري في تاريخه (١) (٥ / ٩٨) : فيما كتب به إليّ السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطيّة ، عن يزيد الفقعسي قال : كان عبد الله بن سبأ يهوديّا من أهل صنعاء ، أُمّه سوداء ، فأسلم زمان عثمان ، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم ، فبدأ بالحجاز ثمّ البصرة ثمّ الكوفة ثمّ الشام ، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام ، فأخرجوه حتى أتى مصر ، فاعتمر فيهم ، فقال لهم فيما يقول : لعجب ممّن يزعم أنّ عيسى يرجع ، ويكذّب بأنّ محمداً يرجع ، وقد قال الله عزّ وجلّ : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) (٢). فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى. قال : فقُبل ذلك عنه ، ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها ، ثمّ قال لهم بعد ذلك : إنّه كان ألف نبيّ ولكلّ نبيّ وصيّ وكان عليّ وصيّ محمد. ثمّ قال : محمد خاتم الأنبياء وعليّ خاتم الأوصياء. ثمّ قال بعد ذلك : من أظلم ممّن لم يُجز وصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووثب على وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتناول أمر الأُمّة ، ثمّ قال لهم بعد ذلك : إنّ عثمان أخذها بغير حقّ وهذا وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه ، وابدأوا بالطعن على أُمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس ، وادعوهم إلى

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٤٠ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٢) القصص : ٨٥.

٣٠١

هذا الأمر. فبثّ دعاته ، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ، ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ، ويكتب أهل كلّ مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم ، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة ، وهم يريدون غير ما يظهرون ، ويُسرّون غير ما يُبدون ، فيقول أهل كلّ مصر : إنّا لفي عافية ممّا ابتُلي به هؤلاء ، إلاّ أهل المدينة فإنّهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار ، فقالوا : إنّا لفي عافية ممّا فيه الناس ، وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان ، قالوا : فأتوا عثمان فقالوا : يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال : لا والله ما جاءني إلا السلامة. قالوا : فإنّا قد أتانا ... وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم ، قال : فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا عليّ ، قالوا : نشير عليك أن تبعث رجالاً ممّن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم ، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة ، وأرسل أُسامة ابن زيد إلى البصرة ، وأرسل عمّار بن ياسر إلى مصر ، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام ، وفرّق رجالاً سواهم ، فرجعوا جميعاً قبل عمّار ، فقالوا : أيّها الناس ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامّهم ، وقالوا جميعاً : الأمر أمر المسلمين إلاّ أنّ أمراءهم يُقسطون بينهم ويقومون عليهم ، واستبطأ الناس عمّاراً حتى ظنّوا أنّه قد اغتيل ، فلم يفجأهم إلاّ كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يُخبرهم أنّ عمّاراً قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه ، منهم : عبد الله بن السوداء ، وخالد بن مُلجم ، وسودان بن حمران ، وكنانة بن بشر.

قال الأميني : لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن ، وشقّ عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه أُمراء الأُمّة وساستها في البلاد ، وانتهى أمره إلى خليفة الوقت ، فلما ذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يبلغه القبض عليه ، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة ، والتأديب بالضرب والإهانة ، والزجّ إلى أعماق السجون؟ ولا آل أمره إلى

٣٠٢

الإعدام المريح للأمّة من شرّه وفساده ، كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وهتاف القرآن الكريم يرنّ في مسامع الملأ الديني : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١).

فهلاّ اجتاح الخليفة جرثومة تلكم القلاقل بقتله ، وهل كان تجهّمه وغلظته قصراً على الأبرار من أُمّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ ففعل بهم ما فعل ممّا أسلفنا بعضه في هذا الجزء والجزء الثامن.

هب أنّ ابن سبأ هو الذي أمال الأمصار على مناوأة الخليفة فهل كان هو مختلقاً تلكم الأنباء من دون انطباقها على شيء من أعمال عثمان وولاته؟ فنهضت الأُمّة وفيهم وجوه المهاجرين والأنصار على لا شيء؟ أو أنّ ما كان يقوله قد انطبق على ما كانوا يأتون به من الجرائم والمآثم ، فكانت نهضة الأُمّة لاكتساحها نهضةً دينيّة يخضع لها كلّ مسلم ، وإن كان ابن اليهوديّة خلط نفسه بالناهضين لأيّ غاية راقته ، وما أكثر الأخلاط في الحركات الصحيحة من غير أن يمسّ كونهم مع الهائجين بشيء من كرامتهم!

ولو كان ما أنهاه إليهم ابن سبأ عزواً مختلقاً فهلاّ ـ لمّا قدمت وفود الأمصار المدينة ـ قال لهم المدنيّون : إنّ الرجل بريء من هذه القذائف والهنات وهو بين ظهرانيهم يرون ما يفعل ، ويسمعون ما يقول؟ لكنّهم بدلاً من ذلك أصفقوا مع القادمين ، بل صاروا هم القدوة والأسوة في تلك النهضة ، وكانوا قبل مقدمهم ناقمين عليه.

ونحن نصافق الدكتور طه حسين عند رأيه هاهنا ، حيث قال في كتابه الفتنة

__________________

(١) المائدة : ٣٣.

٣٠٣

الكبرى (١) (ص ١٣٤) : وأكبر الظنّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا ـ إن كان كلّ ما يُروى عنه صحيحاً ـ إنّما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف ، فهو قد استغلّ الفتنة ولم يُثِرْها ، وأكبر الظنّ كذلك أنّ خصوم الشيعة أيّام الأمويّين والعبّاسيّين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ، ليشكّكوا في بعض ما نُسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية ، وليشنّعوا على عليّ وشيعته من ناحية أخرى ، فيردّوا بعض أُمور الشيعة إلى يهوديّ أسلم كيداً للمسلمين ، وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة! وما أكثر ما شنّع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان!

فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط ، ولنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديّا وكانت أُمّه سوداء ، وكان هو يهوديّا ثمّ أسلم لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً ، ثمّ أُتيح له من النجح ما كان يبتغي ، فحرّض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه ، وفرّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعاً وأحزاباً.

هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام عليها أُمور التاريخ ، وإنّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شكّ هو أنّ ظروف الحياة الإسلاميّة في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة ، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنّة النبيّ وسيرة صاحبيه كانوا يرون أموراً تطرأ ينكرونها ولا يعرفونها ، ويريدون أن تُواجَه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدّة وضبط للنفس وضبط للرعيّة ، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الأمور الجديدة بنفوس جديدة ، فيها الطمع ، وفيها الطموح ، وفيها الأثرة ، وفيها الأمل البعيد ، وفيها الهمّ الذي لا يعرف

__________________

(١) المجموعة الكاملة لمؤلّفات طه حسين ـ الفتنة الكبرى ـ : مج ٤ / ٣٢٩.

٣٠٤

حدّا يقف عنده ، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كلّ شيء من حولها. وهذه الأمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه ، فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم ، وهذه أموال لا تحصى تُجبى لهم من هذه الأقطار ، فأيّ غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة والانتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ وهذه بلاد أخرى لم تفتح وكلّ شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها ، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلاّب الدنيا ، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلاّب الآخرة؟ ثمّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا الملك الضخم وهذا الثراء العريض؟ وأيّ غرابة في أن يندفع الطامعون الطامحون من شباب قريش إلى هذه الأبواب التي فُتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد والسلطان والثراء؟ وأيّ غرابة في أن يهمّ بمنافستهم في ذلك شباب الأنصار وشباب الأحياء الأخرى من العرب؟ وفي أن تمتلئ قلوبهم موجدةً وحفيظة وغيظاً إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة ، ويؤثر قريشاً بعظائم الأمور ، ويؤثر بني أُميّة بأعظم هذه العظائم من الأمور خطراً وأجلّها شأناً.

والشيء الذي ليس فيه شكّ هو أنّ عثمان قد ولّى الوليد وسعيداً على الكوفة بعد أن عزل سعداً ، وولّى عبد الله بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى. وجمع الشام كلّها لمعاوية وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حدّ ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في إدارتها قريش وغيرها من أحياء العرب ، وولّى عبد الله بن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص ، وكلّ هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان ، منهم أخوه لأُمّه ، ومنهم أخوه في الرضاعة ، ومنهم خاله ، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى أُميّة بن عبد شمس.

كلّ هذه حقائق لا سبيل إلى إنكارها ، وما نعلم أنّ ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ولّى وعزل من عزل ، وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك

٣٠٥

والقياصرة والولاة والأمراء إيثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم ، وليس المسلمون الذين كانوا رعيّة لعثمان بدعاً من الناس ، فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور. انتهى حرفيّا.

على أنّ ما تضمّنته هذه الرواية من بعث عمّار إلى مصر وغيره إلى بقيّة البلاد ممّا لا يكاد أن يُذعن به ، أو أن يكون له مقيل من الصحّة ، ولم يُذكر في غير هذه الرواية الموضوعة المكذوبة على ألسنة رواتها المتراوحين بين زندقة وكذب وجهالة ، فإنّ ما يعطيه النظر في مجموع ما روي حول مشكلة عثمان أنّ عمّاراً ومحمد بن مسلمة لم يفارقا المدينة طيلة أيّامها ومنذ مبدئها إلى غايتها المفضية إلى مقتل عثمان ، وعمّار هو الذي كان في مقدّم الثائرين عليه من أوّل يومه الناقمين على أعماله ، وقد أراد نفيه إلى الربذة منفى أبي ذر بعد وفاته فيها رضوان الله عليهما فمنعته المهاجرون والأنصار كما مرّ حديثه ، وكم وقع عليه في تضاعيف تلكم الأحوال تعذيب وضرب وتعنيف ، وكان عثمان يعلم بكراهة عمّار إيّاه منذ يومه الأوّل ، فمتى كان يستنصح عمّاراً حتى يبعثه إلى البلاد فيحكي له أخبارها ، أو يستميله ابن سبأ وأصحابه؟ وهذا ممّا لا يعزب علمه عن أيّ باحث كما تنبّه له الدكتور طه حسين في الفتنة الكبرى (١) (ص ١٢٨) حيث قال : أكاد أقطع بأنّ عمّاراً لم يُرسل إلى مصر ولم يشارك هذين الفتيَين (٢) فيما كانا بسبيله من التحريض ، وإنّما هي قصّة اخترعها العاذرون لعثمان فيما كان بينه وبين عمّار قبل ذلك أو بعده ، ممّا سنراه بعد حين. انتهى.

٢ ـ قال الطبري (٣) (ص ٩٩) : كتب إليّ السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وعطية ، قالوا : كتب عثمان إلى أهل الأمصار :

__________________

(١) المجموعة الكاملة لمؤلّفات طه حسين ـ الفتنة الكبرى ـ : مج ٤ / ٣٢٤.

(٢) يعني بهما : محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة. (المؤلف)

(٣) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٤٢ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٣٠٦

أمّا بعد ؛ فإنّي آخذ العمّال بموافاتي في كلّ موسم ، وقد سلّطت الأُمّة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يُرفع عليّ شيء ولا على أحد من عمّالي إلاّ أعطيته ، وليس لي ولعيالي حقّ قبل الرعيّة إلاّ متروك لهم ، وقد رفع إليّ أهل المدينة أنّ أقواماً يُشتمون ، وآخرون يُضربون ، فيا من ضُرب سرّا وشُتم سرّا ، من ادّعى شيئاً من ذلك فليوافِ الموسم فليأخذ بحقّه حيث كان منّي أو من عمّالي أو تَصدّقوا فإنّ الله يجزي المتصدّقين.

فلمّا قرئ في الأمصار أبكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا : إنّ الأُمّة لَتمخض بشرّ ، وبعث إلى عمّال الأمصار فقدموا عليه : عبد الله بن عامر ، ومعاوية ، وعبد الله بن سعد ، وأدخل معهم في المشورة سعيداً وعمراً ، فقال : ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إنّي والله لخائف أن تكونوا مصدوقاً عليكم وما يُعصب هذا إلا بي ، فقالوا له : ألم تبعث؟ ألم نرجع إليك الخبر عن القوم؟ ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا برّوا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ، وما كنت لتأخذ به أحداً فيقيمك على شيء ، وما هي إلا إذاعة لا يحلّ الأخذ بها ولا الانتهاء إليها.

قال : فأشيروا عليّ ، فقال سعيد بن العاص : هذا أمر مصنوع يصنع في السرّ فيلقى به غير ذي المعرفة ، فيخبر به فيتحدّث به في مجالسهم ، قال : فما دواء ذلك؟ قال : طلب هؤلاء القوم ، ثمّ قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم.

وقال عبد الله بن سعد : خُذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم ، فإنّه خير من أن تدعهم.

قال معاوية : قد ولّيتني فولّيت قوماً لا يأتيك عنهم إلاّ الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما.

قال : فما الرأي؟ قال : حسن الأدب. قال : فما ترى يا عمرو؟ قال : أرى أنّك قد لنت لهم ، وتراخيت عنهم ، وزدتهم على ما كان يصنع عمر ، فأرى أن تلزم طريقة

٣٠٧

صاحبيك فتشتدّ في موضع الشدّة وتلين في موضع اللين ، إنّ الشدّة تنبغي لمن لا يألو الناس شرّا ، واللين لمن يخلف الناس بالنصح ، وقد فرشتهما جميعاً اللين.

وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال : كلّ ما أشرتم به عليّ قد سمعت ، ولكلّ أمر باب يؤتى منه ، إنّ هذا الأمر الذي يُخاف على هذه الأُمّة كائن ، وإنّ بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاناة والمتابعة إلاّ في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها ، فإن سدّه شيء فرفق ، فذاك والله ليفتحنّ ، وليست لأحد عليّ حجّة حقّ ، وقد علم الله أنّي لم آل الناس خيراً ولا نفسي ، وو الله إنّ رحى الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحرّكها ، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم ، وإذا تُعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها.

فلمّا نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة ، ورجع ابن عامر وسعيد معه ، ولمّا استقلّ عثمان رجز الحادي :

قد علمت ضوامرُ المطيّ

وضُمّراتُ عُوَّجِ القسيّ

أنّ الأمير بعده عليّ

وفي الزبير خلفٌ رضيّ

وطلحة الحامي لها وليّ

فقال كعب وهو يسير خلف عثمان : الأمير بعده صاحب البغلة ، وأشار إلى معاوية.

٣ ـ وأخرج (١) (ص ١٠١) بالإسناد الشعيبي المذكور :

كان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج : يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبَل لك به ، فإنّ أهل الشام على الأمر لم يزالوا. فقال : أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي. قال :

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٤٥ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٣٠٨

فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إيّاك. قال : أنا أقتر على جيران رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأرزاق بجندٍ تُساكنهم ، وأُضيّق على أهل دار الهجرة والنصرة؟ قال : والله يا أمير المؤمنين لتُغتالُنّ ولتُغْزَيَنّ. قال : حسبي الله ونعم الوكيل. وقال معاوية : يا أيسار الجزور ، وأين أيسار الجزور. الحديث بطوله.

٤ ـ وأخرج (١) (ص ١٠٣) بالإسناد الشعيبي :

لمّا كان في شوّال سنة (٣٥) خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أُمراء المقلل يقول : ستمائة. والمكثر يقول : ألف. على الرفاق : عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكنانة بن بشر الليثي ، وسودان بن حمران السكوني ، وقتيرة بن فلان السكوني (٢) ، وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكّي. ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب ، وإنّما خرجوا كالحجّاج ومعهم ابن السوداء. وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق ، وعلى الرفاق : زيد بن صوحان العبدي ، والأشتر النخعي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم ، أحد بني عامر بن صعصعة ، وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعاً عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في أربع رفاق ، وعلى الرفاق : حكيم بن جبلة العبدي ، وذريح بن عبّاد العبدي ، وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي ، وابن المحرّش بن عبد عمرو الحنفي ، وعددهم كعدد أهل مصر ، وأميرهم جميعاً حرقوص بن زهير السعدي ، سوى من تلاحق بهم من الناس ، فأمّا أهل مصر فإنّهم كانوا يشتهون عليّا ، وأمّا أهل البصرة فإنّهم كانوا يشتهون طلحة ، وأمّا أهل الكوفة [فإنّهم] (٣) كانوا يشتهون الزبير ، فخرجوا وهم

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٤٨ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٢) كذا في الطبعة المعتمدة عند المؤلف. وفي الطبعة المعتمدة عندنا : عبد الرحمن بن عُدَيس البلوي ، وكنانة بن بشر التجيبي ، وعروة بن شييم الليثي ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وسواد بن رومان الأصبحي ، وزرع بن يشكر اليافعي ، وسودان بن حمران السكوني ، وقُتيرة بن فلان السكوني.

(٣) الزيادة من المصدر.

٣٠٩

على الخروج جميع وفي الناس شتّى لا يشكّ كلّ فرقة إلاّ أنّ الفلج معها ، وأمرها سيتمّ دون الأُخْرَيَين ، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدّم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشب (١) ، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص (٢) ، وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامّتهم بذي المروة (٣) ، ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم وقالا : لا تعجلوا ولا تُعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد ، فإنّه بلغنا أنّهم قد عسكروا لنا ، فو الله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشدّ ، وإنّ أمرنا هذا لباطل ، وإن لم يستحلّوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلاً لنرجعنّ إليكم بالخبر. قالوا : اذهبا ، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّا وطلحة والزبير (٤) وقالا : إنّما نأتمّ هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمّالنا ، ما جئنا إلاّ لذلك واستأذنا للناس بالدخول ، فكلّهم أبى ونهى وقال : بيض ما يفرخن. فرجعا إليهم ، فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليّا ، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة ، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير ، وقال كلّ فريق منهم : إن بايعوا صاحبنا وإلاّ كدناهم وفرّقنا جماعتهم ، ثمّ كررنا حتى نبغتهم. فأتى المصريّون عليّا وهو في عسكر عند أحجار الزيت (٥) عليه حُلّة أفوافٍ معتمّ بشقيقة حمراء يمانيّة متقلّد السيف ليس عليه قميص ، وقد سرّح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه ، فالحسن جالس عند عثمان وعليّ عند أحجار الزيت ، فسلّم عليه المصريّون وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال : لقد علم الصالحون أنّ جيش ذي المروة وذي خُشب ملعونون على لسان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فارجعوا

__________________

(١) ذو خشب : وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة.

(٢) الأعوص : موضع على أميال من المدينة يسيرة [معجم البلدان : ١ / ٢٢٣]. (المؤلف)

(٣) ذو المروة : قرية بين خُشب ووادي القرى.

(٤) لا تنس هاهنا ما أسلفنا لك في هذا الجزء من حديث أمّ المؤمنين وعليّ أمير المؤمنين وطلحة والزبير. (المؤلف)

(٥) أحجار الزيت : موضع بالمدينة داخلها قريب من الزوراء [معجم البلدان : ١ / ١٠٩]. (المؤلف)

٣١٠

لا صحبكم الله (١). قالوا : نعم. فانصرفوا من عنده على ذلك.

وأتى البصريّون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ وقد أرسل ابنيه إلى عثمان ، فسلّم البصريّون عليه وعرضوا له ، فصاح بهم واطردهم وقال : لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢).

وأتى الكوفيّون الزبير وهو في جماعة أخرى ، وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان ، فسلّموا عليه وعرضوا له ، فصاح بهم وأطردهم وقال : لقد علم المسلمون أنّ جيش ذي المروة وذي خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣).

فخرج القوم وأروهم أنّهم يرجعون ، فانفشّوا (٤) عن ذي خُشب والأعوض ، حتى انتهوا إلى عساكرهم وهي ثلاث مراحل ، كي يفترق أهل المدينة ثم يكرّوا راجعين. فافترق أهل المدينة لخروجهم. فلمّا بلغ القوم عساكرهم كرّوا بهم فبغتوهم ، فلم يفجأ أهل المدينة إلاّ والتكبير في نواحي المدينة ، فنزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا : من كفّ يده فهو آمن. وصلّى عثمان بالناس أيّاماً ، ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا أحداً من كلام ، فأتاهم الناس فكلّموهم وفيهم عليّ ، فقال : ما ردّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا : أخذنا مع بريد كتاباً بقتلنا ، وأتاهم طلحة فقال البصريّون مثل ذلك ، وأتاهم الزبير فقال الكوفيّون [مثل ذلك ، وقال الكوفيّون] (٥) والبصريّون : فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعاً ، كأنّما كانوا على

__________________

(١) راجع ما مضى من حديث عليّ أمير المؤمنين تعرف جليّة الحال. (المؤلف)

(٢) راجع ما مرّ من حديث طلحة وصولته وجولته في تلك الثورة تعلم صدق الخبر. (المؤلف)

(٣) راجع ما أسلفنا من حديث الزبير حتى يتبيّن لك الرشد من الغي. (المؤلف)

(٤) انفشّوا : تفرّقوا.

(٥) الزيادة من المصدر.

٣١١

ميعاد ، فقال لهم عليّ : كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثمّ طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة ، قالوا : فضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك يُصلّي بهم وهم يصلّون خلفه ، ويغشي من شاء عثمان وهم في عينه أدقّ من التراب ، وكانوا لا يمنعون أحداً من الكلام ، وكانوا زمراً بالمدينة يمنعون الناس من الاجتماع ... إلخ.

قال الأميني : تُعطي هذه الرواية أنّ الذي ردّ الكتائب المقبلة من مصر والبصرة والكوفة هم زعماء جيش أحجار الزيت : أمير المؤمنين عليّ وطلحة والزبير يوم صاحوا بهم وطردوهم ورووا رواية اللعن عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفيهم البدريّون وغيرهم من أصحاب محمد العدول ، فما تمكّنت الكتائب من دخول المدينة وقد أسلفنا إصفاق المؤرّخين على أنّهم دخلوها وحاصروا الدار مع المدنيّين أربعين يوماً أو أكثر أو أقلّ حتى توسّل عثمان بعليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فكان هو الوسيط بينه وبين القوم ، وجرى هنالك ما مرّ تفصيله من توبة عثمان على صهوة المنبر ، ومن كتاب عهده إلى البلاد على ذلك ، فانكفأت عنه الجماهير الثائرة بعد ضمان عليّ عليه‌السلام ومحمد بن مسلمة بما عهد عثمان على نفسه ، لكنّهم ارتجعوا إليه بعد ما وقفوا على نكوصه وكتابه المتضمّن لقتل من شخص إليه من مصر فوقع الحصار الثاني المفضي إلى الإجهاز عليه ، وأنت إذا عطفت النظرة إلى ما سبق من أخبار الحصارين وأعمال طلحة والزبير فيهما وقبلهما وبعدهما نظرة ممعنة لا تكاد أن تستصحّ دفاعهما عنه في هذا الموقف ، وكان طلحة أشدّ الناس عليه ، حتى منع من إيصال الماء إليه ، ومن دفنه في مقابر المسلمين ، لكن رواة السوء المتسلسلة في هذه الأحاديث راقهم إخفاء مناوأة القوم لعثمان فاختلقوا له هذه وأمثالها.

٥ ـ وأخرج (١) (ص ١٢٦) بالإسناد الشعيبي :

آخر خطبة خطبها عثمان رضى الله عنه في جماعة : إنّ الله عزّ وجلّ إنّما أعطاكم الدنيا

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٨٤ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٣١٢

لتطلبوا بها الآخرة ولم يْعطِكموها لتركنوا إليها ، إنّ الدنيا تفنى والآخرة تبقى ، فلا تبطرنّكم الفانية ، ولا تشغلنّكم عن الباقية ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى ، فإنّ الدنيا منقطعة ، وإنّ المصير إلى الله ، اتّقوا الله جلّ وعزّ فإنّ تقواه جنّة من بأسه ، ووسيلة عنده ، واحذروا من الله الغِيَر ، والزموا جماعتكم ، لا تصيروا أحزاباً ، (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) (١).

قالوا : لمّا قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته ، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع عليهم بسلطان الله ، قال : اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب ، وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عنّي ، وأرسل إلى طلحة والزبير وعليّ وعدّة : أن ادنوا فاجتمعوا فأشرف عليهم ، فقال : يا أيّها الناس اجلسوا ، فجلسوا جميعاً ، المحارب الطارئ ، والمسالم المقيم ، فقال : يا أهل المدينة إني أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي ، وإنّي والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله فيّ قضاه ، ولأدعنّ هؤلاء وراء بابي غير معطيهم شيئاً يتّخذونه عليكم دخلاً في دين الله أو دنيا حتى يكون الله عزّ وجلّ الصانع في ذلك ما أحبّ ، وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم ، فرجعوا إلاّ الحسن ومحمد وابن الزبير وأشباهاً لهم ، فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم ، وثاب إليهم ناس كثير ، ولزم عثمان الدار.

٦ ـ وروى (٢) (ص ١٢٦) بالإسناد الشعيبي :

قالوا : كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين ، فلمّا مضت من الأربعين ثماني عشرة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيّأ إليهم من الآفاق : حبيب من الشام ، ومعاوية من مصر ، والقعقاع من الكوفة ، ومجاشع من البصرة ، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ، ومنعوه كلّ شيء حتى الماء ، وقد كان يدخل عليّ بالشيء ممّا

__________________

(١) آل عمران : ١٠٣.

(٢) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٨٥ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٣١٣

يريد ، وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علّة ، فعثروا في داره بالحجارة ليُرْموا فيقولوا : قوتلنا وذلك ليلاً ، فناداهم ؛ ألا تتّقون الله؟ ألا تعلمون أنّ في الدار غيري؟ قالوا : لا والله ما رميناك. قال : فمن رمانا؟ قالوا : الله. قال : كذبتم إنّ الله عزّ وجلّ لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا ، وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه ، فسرح ابناً لعمرو إلى عليّ بأنّهم قد منعونا الماء ، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئاً من الماء فافعلوا ، وإلى طلحة والزبير وإلى عائشة وأزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان أوّلهم إنجاداً له عليّ وأُمّ حبيبة ، جاء عليّ في الغلس فقال : يا أيّها الناس إنّ الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين ، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادّة ، فإنّ الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي ، وما تعرّض لكم هذه الرجل ، فبم تستحلّون حصره وقتله؟ قالوا : لا والله ولا نعمة عين ، لا نتركه يأكل ولا يشرب ، فرمى بعمامته في الدار بأنّي قد نهضت فيما أنهضتني ، فرجع.

وجاءت أُمّ حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملة على إداوة ، فقيل : أُمّ المؤمنين أُمّ حبيبة ، فضربوا وجه بغلتها ، فقالت : إنّ وصايا بني أُميّة إلى هذا الرجل ، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل. قالوا : كاذبة وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف ، فندّت بأُمّ حبيبة فتلقّاها الناس وقد مالت رحالتها ، فتعلّقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل ، فذهبوا بها إلى بيتها.

وتجهّزت عائشة خارجة إلى الحجّ هاربة ، واستتبعت أخاها ، فأبى ، فقالت : أما والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلنّ. وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر ، فقال : يا محمد تستتبعك أمّ المؤمنين فلا تتبعها وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحلّ فتتبعهم؟ فقال : ما أنت وذاك يا ابن التميميّة؟ فقال : يا ابن الخثعميّة إنّ هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف ، وانصرف وهو يقول :

٣١٤

عجبتُ لِما يخوضُ الناس فيه

يرومون الخلافة أنْ تزولا

ولو زالت لزال الخير عنهم

ولاقوا بعدها ذلاّ ذليلا

وكانوا كاليهود أو النصارى

سواءٌ كلّهم ضلّوا السبيلا

ولحق بالكوفة ، وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظاً على أهل مصر ، وجاءها مروان بن الحكم فقال : يا أُمّ المؤمنين لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل. فقالت : أتريد أن يُصنع بي كما صُنع بأُمّ حبيبة ، ثمّ لا أجد من يمنعني ، لا والله ولا أعير ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء ، وبلغ طلحة والزبير ما لقي عليّ وأُمّ حبيبة ، فلزموا بيوتهم ، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات عليهم الرقباء ، فأشرف عثمان على الناس فقال : يا عبد الله بن عبّاس ، فدعي له ، فقال : اذهب فأنت على الموسم. وكان ممّن لزم الباب فقال : والله يا أمير المؤمنين ، لجهاد هؤلاء أحبّ إليّ من الحجّ ، فأقسم عليه لينطلقنّ ، فانطلق ابن عبّاس على الموسم تلك السنة ، ورمى عثمان إلى الزبير بوصيّته فانصرف بها ، وفي الزبير اختلاف أأدرك مقتله أو خرج قبله؟ وقال عثمان : (وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ) (١) الآية. اللهمّ حُل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فُعل بأشياعهم من قبل.

قال الأميني : هذه الرواية مفتعلة من شيعة عثمان المصطفّين في إسنادها تجاه ما ثبت عن عائشة وطلحة والزبير وغيرهم من جهودهم المتواصلة في التضييق على الرجل ، وإسعار نار الحرب والإجهاز عليه بما أسلفناه في هذا الجزء لكن أكدى الظنّ وأخفق الأمل أنّ هاتيك الروايات أخرجها الأثبات من حملة التاريخ ، وأصفق عليها المؤرّخون وهذه تفرّد بها هؤلاء الوضّاعون ، ومن ذا الذي يعير سمعاً لها بعد الإخبات إلى التاريخ الصحيح ، وملء أُذنه هتاف عائشة : اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر. إلى كلمات أخرى لها مرّ مجملها في هذا الجزء (ص ٢١٥) وفصّلناها في (ص ٧٧ ـ ٨٦).

__________________

(١) هود : ٨٩.

٣١٥

وإنّ تهالك طلحة دون التشديد عليه وقتله بكلّ ما تسنّى له ممّا لا يجهله مُلمّ بالحديث والتاريخ ، وكان يوم الدار مقنّعاً بثوب يرميها بالسهام ، وهو الذي منع منه الماء ، وهو الذي حمل الناس إلى سطح دار ابن حزم فتسوّروا منها دار عثمان ، وهو الذي منعه من أن يدفن في مقابر المسلمين ، وهو الذي أقعد لمجهّزيه في الطريق ناساً يرمونهم بالحجارة ، وهو الذي قتله مروان ثمّ قال لأبان بن عثمان : قد كفيتك بعض قتلة أبيك ، وهو الذي قال فيه وفي صاحبه مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «كان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف (١) ، وأرفق حدائهما العنيف».

ولو كان طلحة كما زعمه الوضّاعون فما معنى هتاف عثمان : اللهمّ اكفني طلحة ابن عبيد الله فإنّه حمل عليّ هؤلاء وألّبهم. وقوله : وَيلي على ابن الحضرمية ـ يعني طلحة ـ أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي يحرّض على نفسي ، اللهمّ لا تمتّعه به ولقّه عواقب بغيه.

وإلى الآن يرنّ في الأسماع قول الزبير يومئذ : اقتلوه فقد بدّل دينكم. وقوله : ما أكره أن يُقتل عثمان ولو بُدئ بابني ، إنّ عثمان لجيفة على الصراط غداً. وقوله لعثمان : إنّ في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جماعة يمنعون من ظلمك ، ويأخذونك بالحقّ. إلخ.

وإلى الآن في صفحات التاريخ قول سعد بن أبي وقّاص : قتله سيف سلّته عائشة وشحّذه طلحة ، وسمّه عليّ. قيل : فما حال الزبير؟ قال : أشار بيده وصمت بلسانه. إلى كلمات آخرين مرّت في هذا الجزء.

ولو كان ابن عبّاس كما اختلق عليه هؤلاء فلما ذا لم يكترث بكتاب عثمان واستغاثته به لمّا أُلقي على الحجيج وهو أميرهم وهو على منصّة الخطابة ، فمضى في خطبته من حيث انقطعت ، ولم يتعرّض لذلك بشيء ، ولا اعتدّ بخطابه حتى جرى

__________________

(١) الوجيف : ضرب من السير السريع.

٣١٦

المقدور المحتّم؟ ولما ذا كان يحاذر بطش معاوية به على مقتل عثمان لمّا أراد أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يرسله إلى الشام.

راجع مصادر هذه كلّها فيما مرّ من صفحات هذا الجزء.

٧ ـ وأخرج (١) (ص ١٢٨) بالإسناد الشعيبي :

قالوا : فلمّا بويع الناس السابق (٢) فقدم بالسلامة فأخبرهم من الموسم أنّهم يريدون جميعاً المصريّين وأشياعهم ، وأنّهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجّهم ، فلمّا أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار أعلقهم الشيطان وقالوا : لا يخرجنا ممّا وقعنا فيه إلاّ قتل هذا الرجل ، فيشتغل بذلك الناس عنّا ، ولم يبق خصلة يرجون بها النجاة إلاّ قتله ، فراموا الباب فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم ، واجتلدوا فناداهم عثمان : الله الله أنتم في حلٍّ من نصرتي ، فأبوا ، ففتح الباب وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم ، فلمّا رأوه أدبر البصريّون وركبهم هؤلاء ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين ، وأقسم على الصحابة ليدخلُنّ فأبوا أن ينصرفوا ، فدخلوا فأغلق الباب دون المصريّين ، وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حجّ ثمّ تعجّل في نفر حجّوا معه ، فأدرك عثمان قبل أن يُقتل وشهد المناوشة ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل ، وقال : ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألاّ ندعهم حتى نموت؟ فاتّخذ عثمان تلك الأيّام القرآن نحباً يصلّي وعنده المصحف فإذا أعيا جلس فقرأ فيه ، وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة ، وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب ، فلمّا بقي المصريّون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاءوا بنار فأحرقوا الباب والسقيفة ، فتأجّج

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٨٧ حوداث سنة ٣٥ ه‍.

(٢) كذا في الطبعة المعتمدة لدى المؤلف ، وفي الطبعة المعتمدة لدينا : فلما بويع الناس جاء السابق.

٣١٧

الباب والسقيفة ، حتى إذا احترق الخشب خرّت السقيفة على الباب ، فثار أهل الدار وعثمان يصلّي حتى منعوهم الدخول ، وكان أوّل من برز لهم المغيرة بن الأخنس وهو يرتجز :

قد علمت جاريةٌ عُطبولُ

ذاتُ وشاح ولها جديلُ

أنّي بنصلِ السيفِ خنشليلُ

لأَمنَعنَّ منكمُ خليلي

بصارم ليس بذي فلولِ

وخرج الحسن بن علي وهو يقول :

لا دينهم ديني ولا أنا منهمُ

حتى أسير إلى طمارِ شمام

وخرج محمد بن طلحة وهو يقول :

أنا ابن من حامى عليه باحد

وردَّ أحزاباً على رغم معد

وخرج سعيد بن العاص وهو يقول :

صبرنا غداة الدار والموتُ واقبُ

بأسيافنا دون ابن أروى نُضاربُ

وكنّا غداة الروع في الدار نصرةً

نُشافههم بالضرب والموت ثاقبُ

فكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير ، أمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصيّة بما أراد وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم ، فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم فما زال يدّعي ويحدّث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه.

٨ ـ وأخرج (١) (ص ١٢٩) بالإسناد الشعيبي :

قالوا : وأحرقواالباب وعثمان في الصلاة ، وقد افتتح (طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٨٩ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٣١٨

الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (١) ، وكان سريع القراءة ، فما كرثه ما سمع ، وما يُخطئ وما يتتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه ، ثمّ عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه : (٢)

قد علمت ذات القرون الميلِ

والحلي والأنامل الطفولِ

لتصدقنّ بيعتي خليلي

بصارمٍ ذي رونقٍ مصقولِ

لا أستقيل إن أقلت قيلي

وأقبل أبو هريرة والناس محجمون عن الدار إلاّ أولئك العصبة ، فدسروا (٣) فاستقتلوا ، فقام معهم وقال : أنا أُسوتكم. وقال : هذا يوم طاب امضرب ـ يعني أنّه حلَّ القتال وطاب ، وهذه لغة حمير ـ ونادى : يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ، وبادر مروان يومئذ ونادى : رجل رجل. فبرز له رجل من بني ليث يُدعى النباع (٤) ، فاختلفا ضربتين ، فضربه مروان أسفل رجليه وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه ، فانكبّ مروان واستلقى ، فاجترّ هذا أصحابه ، واجترّ الآخر أصحابه ، فقال المصريّون : أما والله لا أن (٥) تكونوا حجّة علينا في الأُمّة لقد قتلناكم بعد تحذير. فقال المغيرة : من بارز؟ فبرز له رجل فاجتلدا وهو يقول :

أضربهم باليابسِ

ضرب غلام بائسِ

من الحياة آيسِ

__________________

(١) سورة طه : ١ ـ ٢.

(٢) آل عمران : ١٧٣.

(٣) دسروا : دفعوا.

(٤) كذا والصحيح : البياع ، وهو عروة بن شييم الليثي كما مرّ. (المؤلف)

(٥) في الطبعة المعتمدة لدينا من تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٩٠ : لو لا أن تكونوا.

٣١٩

فأجابه صاحبه ... وقال الناس : قُتل المغيرة بن الأخنس ، فقال الذي قتله : إنّا لله. فقال له عبد الرحمن بن عديس : مالك؟ قال : إنّي أُتِيت فيما يرى النائم ، فقيل لي : بشّر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار ، فابتليت به. وقتل قباث الكناني نيار بن عبد الله الأسلمي ، واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملؤوها ، ولا يشعر الذين بالباب ، وأقبلت القبائل على أبنائهم ، فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم ، وندبوا رجلاً لقتله ، فانتدب له رجل ، فدخل عليه البيت ، فقال : اخلعها وندعك. فقال : ويحك والله ما كشفتُ امرأة في جاهليّة ولا إسلام ولا تغنّيت ولا تمنّيت ، ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولست خالعاً قميصاً كسانيه الله عزّ وجلّ ، وأنا على مكاني حتى يُكرم الله أهل السعادة ويُهين أهل الشقاء.

فخرج وقالوا : ما صنعت؟ فقال : علقنا والله ، والله ما ينجينا من الناس إلاّ قتله وما يحلّ لنا قتله ، فأدخلوا عليه رجلاً من بني ليث ، فقال : ممّن الرجل؟ فقال : ليثيّ. فقال : لست بصاحبي. قال : وكيف؟ فقال : ألست الذي دعا لك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال : بلى. قال : فلن تضيع. فرجع وفارق القوم ، فأدخلوا عليه رجلاً من قريش ، فقال : يا عثمان إنّي قاتلك. قال : كلاّ يا فلان لا تقتلني. قال : وكيف؟ قال : إنّ رسول الله استغفر لك يوم كذا وكذا ، فلن تقارف دماً حراماً ، فاستغفر ورجع وفارق أصحابه ، فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله ، وقال : يا قوم لا تسلّوا سيف الله عليكم فو الله إن سللتموه لا تغمدوه ، ويلكم إنّ سلطانكم اليوم يقوم بالدرّة ، فإن قتلتموه لا يقيم إلاّ بالسيف ، ويلكم إنّ مدينتكم محفوفة بملائكة الله ، والله لئن قتلتموه لتتركنّها. فقالوا : يا ابن اليهوديّة وما أنت وهذا؟ فرجع عنهم.

قالوا : وكان آخر من دخل عليه ممّن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر ، فقال له عثمان : ويلك أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جُرم إلاّ حقّه أخذته منك ، فنكل ورجع. قالوا : فلمّا خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره ثار قتيرة وسودان بن حمران

٣٢٠