🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

بكت عينُ من يبكي ابنَ عفّان بعد ما

نفى ورق الفرقان كلّ مكانِ

ثوى تاركاً للحقّ متّبعَ الهوى

وأورثَ حرباً حشّها بطِعانِ

برئت إلى الرحمنِ من دينِ نعثلٍ

ودينِ ابن صخرٍ أيّها الرجلانِ

ويقال : ابن الغريرة النهشلي ، ويقال : الحباب بن يزيد المجاشعي (١).

وقال عليّ بن الغدير المضرّس الغنوي ، ويقال : إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعي :

لعمرُ أبيكِ فلا تكذبي

لقد ذهب الخيرُ إلاّ قليلا

لقد فُتنَ الناسُ في دينِهمْ

وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا

أَعاذلُ كلُّ امرئٍ هالكٌ

فسيري إلى الله سيراً جميلا

راجع (٢) : الأنساب (٥ / ١٠٤) ، تاريخ الطبري (٥ / ١٥٢) ، الاستيعاب (٢ / ٤٨٠) ، تفسير ابن كثير (١ / ١٤٣).

وأخرج نصر بن مزاحم في كتاب صفّين (٣) (ص ٤٣٥) من رجز همام بن الأغفل يوم صفّين قوله :

قد قرّت العين من الفسّاقِ

ومن رءوس الكفر والنفاقِ

إذ ظهرت كتائبُ العراقِ

نحن قتلنا صاحبَ المُرّاقِ

وقائدَ البُغاة والشقاقِ

عثمانَ يومَ الدار والإحراقِ (٤)

__________________

(١) في تاريخ ابن عساكر : ٣ / ٢٥٨ [١٠ / ٢٧٥ رقم ٩١٠ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ٥ / ٢١٩] : الحتات بن يزيد. (المؤلف)

(٢) أنساب الأشراف : ٦ / ٢٢٨ ، تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٤٢٦ حوادث سنة ٣٥ ه‍ ، الاستيعاب : القسم الثالث / ١٠٥٢ رقم ١٧٧٨.

(٣) وقعة صفّين : ص ٣٨٣.

(٤) إشارة إلى إحراق باب دار عثمان كما مرّ حديثه ويأتي. (المؤلف)

٢٢١

لمّا لففنا ساقَهم بساقِ

بالطعنِ والضربِ مع العناقِ

وقال محمد بن أبي سبرة بن أبي زهير القرشي كما في كتاب صفّين (١)(ص ٤٣٦):

نحن قتلنا نعثلاً بالسيره

إذ صدَّ عن أعلامنا المنيره

يحكم بالجور على العشيره

نحن قتلنا قبله المغيره (٢)

نالته أرماحٌ لنا موتوره

إنّا أُناسٌ ثابتو البصيره

وقال الفضل بن العبّاس مجيباً الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن أبيات له :

أتطلب ثأراً لست منه ولا له

وأين ابن ذكوان الصفوريّ من عمروِ

كما اتّصلت بنتُ الحمار بأُمّها

وتنسى أباها إذ تُسامي أُولي الفخرِ

ألا إنَّ خيرَ الناسِ بعد محمدٍ

وصيُّ النبيّ المصطفى عند ذي الذكرِ

وأوّلُ من صلّى وصنوُ نبيِّه

وأوّلُ من أردى الغواةَ لدى بدرِ

فلو رأتِ الأنصارُ ظلمَ ابنِ عمِّكمْ

لكانوا له من ظلمهِ حاضري النصرِ

كفى ذاك عيباً أن يُشيروا بقتله

وأن يُسلموه للأحابيش من مصرِ

تاريخ الطبري (٣) (٥ / ١٥١).

نادى عمرو بن العاص يوم صفّين بأعلى صوته :

يا أيّها الجند الصَّليب الايمانْ

قوموا قياماً واستعينوا الرحمنْ

إنِّي أتاني خبرٌ ذو ألوانْ (٤)

أنَّ عليّا قتل ابن عفّانْ

ردّوا علينا شيخنا كما كان

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ٣٨٣.

(٢) هو المغيرة بن الأخنس المقتول يوم الدار مع عثمان كما يأتي حديثه. (المؤلف)

(٣) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٤٢٦ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٤) في كتاب نصر : فأشجان. (المؤلف)

٢٢٢

فردّ عليه أهل العراق وقالوا :

أبت سيوف مذحجٍ وهمدانْ

بأن تردَّ نعثلاً كما كانْ

خلقاً جديداً مثل خلق الرحمن

ذلك شأنٌ قد مضى وذا شانْ

ثمّ نادى عمرو بن العاص ثانية برفع صوته :

رُدّوا علينا شيخنا ثمّ بجلْ

أو لا تكونوا حرّزاً من الأسلْ (١)

فردّ عليه أهل العراق :

كيف نردُّ نعثلاً وقد قحلْ

نحن ضربنا رأسه حتى انجفلْ (٢)

وأبدل الله به خير بدلْ

أعلم بالدين وأزكى بالعملْ (٣)

شدّ الأشتر مالك بن الحارث يوم صفّين على محمد بن روضة وهو يقول :

لا يبعد الله سوى عثمانا

وأنزل الله بكم هوانا

ولا يسلّي عنكم الأحزانا

مخالف قد خالف الرحمانا

نصرتموه عابداً شيطاناً (٤)

ـ ٣٧ ـ

حديث المهاجرين والأنصار

١ ـ من كتاب كتبه مولانا أمير المؤمنين إلى معاوية : «زعمت أنّك إنّما أفسد

__________________

(١) في كتاب صفّين : جزراً من الأسل. الجزر : قطع اللحم تأكله السباع. الأسل : الرماح. (المؤلف)

(٢) قحل : يبس فهو قاحل. انجفل : انقلب وسقط. (المؤلف)

(٣) كتاب صفّين : ص ٢٥٦ ، ٢٥٧ ، ٤٥٤ [ص ٢٢٨ ، ٢٢٩] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ٤٨٢ [٥ / ١٨٥ خطبة ٦٥] ، لسان العرب : ١٤ / ٧٠ [١١ / ٤٦] ، تاج العروس : ٨ / ٧٧. (المؤلف)

(٤) كتاب صفّين : ص ١٩٩ [ص ١٧٨] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ٣٣٠ [٣ / ٣٢٩ خطبة ٥١]. حذف منها الشطرين الأخيرين. (المؤلف)

٢٢٣

عليك بيعتي خفري بعثمان ، ولعمري ما كنت إلاّ رجلاً من المهاجرين ، أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا ، وما كان الله ليجمعهم على ضلال ، ولا ليضربهم بالعمى ، وما أمرت فلزمتني خطيئة الأمر ، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل» (٥).

٢ ـ روى البلاذري ، عن المدائني ، عن عبد الله بن فائد أنّه قال : نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فقال : إنّي لأُبغضهم. فقال سعيد بن خالد بن عمرو ابن عثمان : تبغضهم لأنّهم قتلوا أباك. قال : صدقت ، قتل أبي علوج الشام وجفاته وقتل جدّك المهاجرون والأنصار.

أنساب البلاذري (٦) (٥ / ١٩٥ ، ٣٧٢).

٣ ـ قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (٧) (١ / ٩٢) : ذكروا أنّ أبا هريرة وأبا الدرداء (٨) قدما على معاوية من حمص وهو بصفّين ، فوعظاه وقالا له : يا معاوية علام تُقاتل عليّا؟ وهو أحقّ بهذا الأمر منك في الفضل والسابقة. لأنّه رجل من المهاجرين الأوّلين السابقين بالإحسان ، وأنت طليق ، وأبوك من الأحزاب. أما والله ما نقول لك

__________________

(٥) الإمامة والسياسة : ١ / ٨٧ [١ / ٩١] ، العقد الفريد : ٢ / ٢٨٤ [٤ / ١٣٧] ، الكامل للمبرّد : ١ / ١٥٧ [١ / ٢٧١] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ٢٥٢ [٣ / ٨٩ خطبة ٤٣]. (المؤلف)

(٦) أنساب الأشراف : ٦ / ٣٥٠ و ١٣٤.

(٧) الإمامة والسياسة : ١ / ٩٦.

(٨) كذا في الإمامة والسياسة ، وهو لا يتم ؛ لأنّ أبا الدرداء عويمر أو عامر الصحابي المعروف توفّي سنة ٣٢ ه‍ على الأشهر أي قبل مقتل عثمان بثلاث سنين ، وقيل : بسنتين ، وقيل : سنة ٣١ ه‍. أنظر : المعارف لابن قتيبة : ص ٢٦٨ ، الاستيعاب : القسم الثالث / ١٢٢٩ و ١٢٣٠ رقم ٢٠٠٦ والقسم الرابع / ١٦٤٦ و ١٦٤٨ رقم ٢٩٤٠ ، المنتظم : ٥ / ١٨ رقم ٢٥٦ ، أُسد الغابة : ٤ / ٣١٩ رقم ٤١٣٦ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٢٦٢ حوادث سنة ٣١ ه‍ ، الإصابة : ٣ / ٤٥ رقم ٦١١٧ وغيرها.

٢٢٤

أن تكون العراق أحبّ إلينا من الشام ، ولكنّ البقاء أحبّ إلينا من الفناء ، والصلاح أحبّ إلينا من الفساد ، فقال : لست أزعم أنّي أولى بهذا الأمر من عليّ ، ولكنّي أُقاتله حتى يدفع إليّ قتلة عثمان. فقالا : إذا دفعهم إليك ما ذا يكون؟ قال : أكون رجلاً من المسلمين ، فأتيا عليّا ، فإن دفع إليكما قتلة عثمان جعلتها شورى. فقدما على عسكر عليّ ، فأتاهما الأشتر ، فقال : يا هذان إنّه لم ينزلكما الشام حبّ معاوية ، وقد زعمتما أنّه يطلب قتلة عثمان ، فعمّن أخذتما ذلك فقبلتماه ، أعمّن قتله؟ فصدّقتموهم على الذنب كما صدّقتموهم على القتل؟ أم عمّن نصره؟ فلا شهادة لمن جرّ إلى نفسه ، أم عمّن اعتزل إذ علموا ذنب عثمان وقد علموا ما الحكم في قتله؟ أو عن معاوية وقد زعم أنّ عليّا قتله؟ اتّقيا الله ، فإنّا شهدنا وغبتما ، ونحن الحكّام على من غاب. فانصرفا ذلك اليوم.

فلمّا أصبحا أتيا عليّا ، فقالا له : إنّ لك فضلاً لا يدفع ، وقد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء ، ومعاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان ، فإن فعلت ثمّ قاتلك كنّا معك. قال عليّ : «أتعرفانهم؟» قالا. نعم. قال : «فخذاهم» ، فأتيا محمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر والأشتر ، فقالا. فخرج إليهما أكثر من عشرة : أنتم من قتلة عثمان وقد أُمرنا بأخذكم آلاف رجل ، فقالوا : نحن قتلنا عثمان. فقالا : نرى أمراً شديداً ألبس علينا الرجل.

فانصرف أبو هريرة وأبو الدرداء إلى منزلهما بحمص. فلمّا قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن عثمان (١) ، وسأل عن مسيرهما ، فقصّا عليه القصّة ، فقال : العجب منكما إنّكما من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما والله لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما

__________________

(١) هناك شخصان بهذا الاسم ؛ أحدهما عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي ابن أخي طلحة التيمي ، من مسلمة الفتح ، قتل مع ابن الزبير بمكة ؛ وثانيهما عبد الرحمن بن عثمان بن مظعون ، ولعله هو الذي لقي أبا هريرة وصاحبه ونصحهما.

٢٢٥

أتأتيان عليّا وتطلبان إليه قتلة عثمان؟ وقد علمتما أنّ المهاجرين والأنصار لو حرّموا دم عثمان نصروه وبايعوا عليّا على قتلته ، فهل فعلوا؟ وأعجب من ذلك رغبتكما عمّا صنعوا وقولكما لعليّ : اجعلها شورى واخلعها من عنقك! وإنّكما لتعلمان أنّ من رضي بعليّ خير ممّن كرهه ، وأنّ من بايعه خير ممّن لم يبايعه ، ثمّ صرتما رسولي رجل من الطلقاء لا تحلّ له الخلافة. ففشا قوله وقولهما ، فهمّ معاوية بقتله ، ثمّ راقب فيه عشيرته.

وفي لفظ ابن مزاحم من كتاب صفّين (١) (ص ٢١٣): خرج أبو أمامة الباهلي وأبو الدرداء (٢) ، فدخلا على معاوية وكانا معه فقالا : يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فو الله لهو أقدم منك سلماً ، وأحقّ بهذا الأمر منك ، وأقرب من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعلام تقاتله؟ فقال : أُقاتله على دم عثمان ، وأنّه آوى قتلته ؛ فقولوا له : فليقدنا من قتلته ، فأنا أوّل من بايعه من أهل الشام. فانطلقوا إلى عليّ فأخبروه بقول معاوية ، فقال : «هم الذين ترون» ، فخرج عشرون ألفاً أو أكثر مسربلين في الحديد لا يُرى منهم إلاّ الحدق فقالوا : كلّنا قتله ، فإن شاءوا فليروموا ذلك منّا.

٤ ـ مرّ في صفحة (١٣٩) من حديث أبي الطفيل قول معاوية له : أكنت ممّن قتل عثمان أمير المؤمنين؟ قال : لا ، ولكن ممّن شهده فلم ينصره ، قال : ولم؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار. الحديث ، فراجع.

٥ ـ قال شعبة : ما رأيت رجلاً أوقع في رجال أهل المدينة من القاضي أبي إسحاق سعد ـ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني الزهري المتوفّى سنة (١٢٥) ـ ما كنت أرفع له رجلاً منهم إلاّ كذّبه ، فقلت له في ذلك ، فقال : إنّ أهل المدينة قتلوا عثمان.

__________________

(١) وقعة صفّين : ص ١٩٠.

(٢) أنظر هامش رقم (١) من الصحيفة السابقة.

٢٢٦

تاريخ ابن عساكر (١) (٦ / ٨٣).

٦ ـ ذكر ابن عساكر في تاريخه (٢) (٧ / ٣١٩) قال : كان أبو مسلم الخولاني التابعي في المدينة ، فسمع مكفوفاً يقول : اللهمّ العن عثمان وما ولد ، فقال : يا مكفوف ألعثمان تقول هذا؟ يا أهل المدينة كنتم بين قاتل وخاذل فكلاّ جزى الله شرّا ، يا أهل المدينة لأنتم شرّ من ثمود ، إنّ ثمود قتلوا ناقة الله وأنتم قتلتم خليفة الله ، وخليفة الله أكرم عليه من ناقته.

قال الأميني : غايتنا الوحيدة في نقل هذا الحديث إيقاف الباحث على موقف الصحابة من أهل المدينة وأنّهم كانوا بين قاتل وخاذل ، وأمّا رأي أبي مسلم الخولاني فيهم فتعرف جوابه من قول الأشتر قبيل هذا.

٧ ـ قال الواقدي في إسناده : لمّا كانت سنة أربع وثلاثين كتب بعض أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله ، وما الناس فيه من عمّاله ويكثرون عليه ويسأل بعضهم أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد ، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدفع عن عثمان ولا يُنكر ما يقال فيه إلاّ زيد ابن ثابت ، وأبو أُسيد الساعدي ، وكعب بن مالك ، وحسان بن ثابت الأنصاري ، فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان ويعظه ، فأتاه فقال له : «إنّ الناس ورائي قد كلّموني في أمرك ، وو الله ما أدري ما أقول لك ، ما أعرّفك شيئاً تجهله ، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه ، وإنّك لتعلم ما نعلم ، وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، لقد صحبت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمعت ورأيت مثل ما سمعنا ورأينا ، وما ابن أبي قحافة وابن الخطّاب بأولى بالحقّ منك ، ولأنت أقرب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رحماً ، ولقد نلت من صهره ما لم ينالا ، فالله الله في نفسك ، فإنّك لا تُبصّر من عمى ،

__________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ٢٠ / ٢٢٣ رقم ٢٤١١ ، وفي تهذيب تاريخ دمشق : ٦ / ٨٥.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ٢٧ / ٢٢٠ رقم ٣٢١٣ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٢ / ٦٣.

٢٢٧

ولا تُعلّم من جهل» فقال له عثمان : والله لو كنت مكاني ما عنّفتك ولا أسلمتك ولا عتبت عليك إن وصلت رحماً (١) وسددت خلّة ، وآويت ضائعاً ، وولّيت من كان عمر يولّيه ، نشدتك الله ألم يولّ عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك؟ قال : نعم. قال : فلم تلومني إن ولّيت ابن عامر في رحمه وقرابته؟ قال عليّ : «سأخبرك أنّ عمر بن الخطّاب كان كلّ من ولّى فانّما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ، ثمّ بلغ به أقصى الغاية ، وأنت لا تفعل ، ضعفت ورفقت على أقربائك» ، قال عثمان : هم أقرباؤك أيضاً. فقال عليّ : «لعمري إنّ رحمهم منّي لقريبة ولكن الفضل في غيرهم» قال : أوَلم يولّ عمر معاوية؟ فقال عليّ : «إنّ معاوية كان أشدّ خوفاً وطاعة لعمر من يرفأ (٢) وهو الآن يبتزّ الأُمور دونك وأنت تعلمها ويقول للناس : هذا أمر عثمان. ويبلغك فلا تُغيّر على معاوية».

راجع (٣) : الأنساب للبلاذري (٥ / ٦٠) ، تاريخ الطبري (٥ / ٩٧) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ٦٣) ، تاريخ ابي الفداء (١ / ١٦٨) ، تاريخ ابن خلدون (٢ / ٣٩١).

٨ ـ أخرج ابن سعد في طبقاته (٤) (٣ / ٤٧) طبع ليدن عن مجاهد ، قال : أشرف عثمان على الذين حاصروه فقال : يا قوم لا تقتلوني فإنّي والٍ وأخ مسلم ـ إلى أن

__________________

(١) أُنظر إلى الرجل يحسب كلمته هذه تبرّر أعماله الشاذّة عن الكتاب والسنّة وتجعل أعطياته لأبناء أُميّة من الغنائم والصدقات صلة للرحم ، ودفعه القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة إلى رجال الفتن والثورات المدلهمّة سدّا للخلّة ، وردّ الحكم وأبنائه مطرودي النبيّ الأعظم إلى المدينة إيواءً للضائع ، دعه وحسبانه ، لكن العجب كلّ العجب أنّه يروم إفحام مثل أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذه الخزعبلات. (المؤلف)

(٢) هو غلام عمر بن الخطاب.

(٣) أنساب الأشراف : ٦ / ١٧٤ ، تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٣٦ حوادث سنة ٣٤ ه‍ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٢٧٥ حوادث سنة ٣٤ ه‍ ، تاريخ ابن خلدون : ٢ / ٥٩٣.

(٤) الطبقات الكبرى : ٣ / ٦٧.

٢٢٨

قال ـ : فلمّا أبوا قال : اللهمّ احصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تُبقِ منهم أحداً. قال مجاهد : فقتل الله منهم من قتل في الفتنة ، وبعث يزيد إلى المدينة عشرين ألفاً فأباحوا المدينة ثلاثاً يصنعون ما شاءوا لمداهنتهم.

وقال حسان بن ثابت فيمن تخلّف عن عثمان وخذله من الأنصار وغيرهم ، وأعان على قتله من أبيات له :

خذلته الأنصار إذ حضر المو

ت وكانت ولاته الأنصارُ (١)

من عذيري من الزبير ومن طل

ـحة إذ جا أمرٌ له مقدارُ (٢)

فتولّى محمد بن أبي بكرٍ

عياناً وخلفه عمّارُ

وعليُّ في بيته يسأل النا

س ابتداءً وعنده الأخبارُ

باسطاً للذي يريد يديه

وعليه سكينةٌ ووقارُ (٣)

وقال حميد بن ثور أبو المثنّى الهلالي في قتل عثمان ، كما في تاريخ ابن عساكر (٤) (٤ / ٤٥٨):

إنَّ الخلافةَ لمّا أُظعِنت ظعنت

من أهل يثرب إذ غيرَ الهدى سلكوا

صارت إلى أهلها منهم ووارثها

لمّا رأى اللهُ في عثمانَ ما انتهكوا

السافكي دمَه ظلماً ومعصيةً

أيَّ دمٍ لا هُدوا من غيّهم سَفكوا

والهاتكي سترَ ذي حقٍّ ومحرمةٍ

فأيَّ شرٍّ على أشياعهم هتكوا

__________________

(١) في العقد الفريد : ثقاته الأنصار.

(٢) في العقد الفريد : من عذيري من الزبير ومن طل حة هاجا أمراً له إعصار (المؤلف)

(٣) مروج الذهب : ١ / ٤٤٢ [٢ / ٣٦٤] ، العقد الفريد : ٢ / ٢٦٧ [٤ / ١١٢]. (المؤلف)

(٤) تاريخ مدينة دمشق : ١٥ / ٢٧٣ رقم ١٧٩٠ ، وفي تهذيب تاريخ دمشق : ٤ / ٤٦١.

٢٢٩

والخيلُ عابسةٌ نضج الدماء بها

تنعى ابن أروى على أبطالها الشككُ

من كلِّ أبيض هنديّ وسابغةٍ

تغشى البنان لها من نسجها حبكُ

قد نال جلّهمُ حصرٌ بمحصرةٍ

ونال فتّاكهم فتكٌ بما فتكوا

قرّت بذاك عيونٌ واشتفين به

وقد تقرُّ بعين الثائر الدركُ

ـ ٣٨ ـ

كتاب أهل المدينة إلى الصحابة في الثغور

أخرج الطبري من طريق عبد الرحمن بن يسار أنّه قال : لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب مَن بالمدينة من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى من بالآفاق منهم وكانوا قد تفرّقوا في الثغور :

إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ ، تطلبون دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّ دين محمد قد أفسده من خلفكم وتُرِك ، فهلمّوا فأقيموا دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وفي لفظ ابن الأثير : فإنّ دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه. وفي لفظ ابن أبي الحديد. قد أفسده خليفتكم فاخلعوه ، فاختلفت عليه القلوب. فأقبلوا من كلّ أُفق حتى قتلوه (١).

وأخرج (٢) من طريق محمد بن مسلمة قال : لمّا كانت سنة (٣٤) كتب أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعضهم إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله ويسأل بعضهم بعضاً : أن اقدموا ، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد. وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نِيل من أحد ، وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذبّ إلاّ نُفَير : زيد بن ثابت ، وأبو أُسيد الساعدي ، وكعب بن

__________________

(١) تاريخ الطبري : ٥ / ١١٥ [٤ / ٣٦٧ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، الكامل لابن الأثير : ٥ / ٧٠ [٢ / ٢٨٧ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١٦٥ [٢ / ١٤٩ خطبة ٣٠]. (المؤلف)

(٢) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٣٦ حوادث سنة ٣٤ ه‍.

٢٣٠

مالك ، وحسان بن ثابت. فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان ويعظه ، فأتاه فقال له : إنّ الناس ورائي. إلى آخر ما مرّ في (ص ٧٤).

ـ ٣٩ ـ

كتاب المهاجرين إلى مصر

بسم الله الرحمن الرحيم

من المهاجرين الأوّلين وبقيّة الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين :

أمّا بعد ؛ أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يُسْلَبَها أهلها ، فإنّ كتاب الله قد بُدّل ، وسنّة رسول الله قد غيّرت ، وأحكام الخليفتين قد بُدّلت ، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقيّة أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلاّ أقبل إلينا ، وأخذ الحقّ لنا وأعطاناه ، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحقّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيّكم وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقّنا ، واستولى على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبيّنا خلافة نبوّة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض من غلب على شيء أكله (١).

ـ ٤٠ ـ

كتاب أهل المدينة إلى عثمان

أخرج الطبري في تاريخه (٢) (٥ / ١١٦) ؛ من طريق عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، قال : كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجّون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه ، أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ الله ، فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته. إلى آخر ما يأتي.

__________________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ٣٢ [١ / ٣٧]. (المؤلف)

(٢) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٦٩ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٢٣١

الإجماع والخليفة :

تُعلمنا هذه الأحاديث المتضافرة الواردة عن آحاد الصحابة من المهاجرين والأنصار أو عامّة الفريقين ، أو عن جامعة الصحابة البالغة مائتين حديثاً أنّه لم يشذّ عن النقمة على عثمان منهم أحد ما خلا أربعة وهم : زيد بن ثابت ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وأُسيد الساعدي. فمن مُجهز عليه إلى محبّذ لعمله ، إلى محرّض على قتله ، إلى ناشر لأحداثه ، إلى مؤلّب عليه يسعى في إفساد أمره ، إلى متجاسر عليه بالوقيعة فيه ، إلى مُناقد في فعاله يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ، إلى خاذل له بترك نصرته لا يرى هنالك في الناقمين الثائرين عليه منكراً ينهى عنه ، أو في جانب الخليفة حقّا يتحيّز إليه ، وهم كما مرّ في (ص ١٥٧) عن مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «ما كان الله ليجمعهم على ضلال ، ولا ليضربهم بالعمى» فكان ذلك إجماعاً منهم أثبت من إجماعهم على نصب الخليفة في الصدر الأوّل ، فإن كانت فيه حجّة فهي في المقامين إن لم تكن في المقام الثاني أولى بالاتّباع.

ومن أمعن النظر فيما مرّ ويأتي من النصوص الواردة عن :

١ ـ مولانا أمير المؤمنين.

٢ ـ عائشة أُمّ المؤمنين.

٣ ـ عبد الرحمن بن عوف ، أحد العشرة المبشّرة ورجالات الشورى.

٤ ـ طلحة بن عبيد الله ، أحد العشرة المبشّرة.

٥ ـ الزبير بن العوام ، أحد العشرة المبشّرة.

٦ ـ عبد الله بن مسعود صاحب سرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بدري.

٧ ـ عمّار جلدة ما بين عيني النبيّ ، النازل فيه القرآن ـ بدري.

٨ ـ المقداد بن أبي الأسود ، الممدوح بلسان النبيّ الطاهر ـ بدري.

٢٣٢

٩ ـ حجر بن عديّ الكوفي الصالح الناسك.

١٠ ـ هاشم المرقال ، الذي كان من الفضلاء الخيار كما في الاستيعاب (١).

١١ ـ جهجاه بن سعيد الغفاري ، من رجالات بيعة الشجرة.

١٢ ـ سهل بن حنيف الأنصاري ـ بدري.

١٣ ـ رفاعة بن رافع الأنصاري ـ بدري.

١٤ ـ حجّاج بن غزيّة الأنصاري.

١٥ ـ أبي أيّوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بدري.

١٦ ـ قيس بن سعد الأنصاري ، أمير الخزرج الصالح ـ بدري.

١٧ ـ فروة بن عمرو البياضي الأنصاري ـ بدري.

١٨ ـ محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ـ بدري.

١٩ ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

٢٠ ـ جبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري ـ بدري.

٢١ ـ محمد بن مسلمة الأنصاري ـ بدري.

٢٢ ـ عبد الله بن عبّاس ، حبر الأُمّة.

٢٣ ـ عمرو بن العاصي.

٢٤ ـ عامر بن واثلة أبي الطفيل الكناني الليثي.

٢٥ ـ سعد بن أبي وقاص ، أحد العشرة المبشّرة.

٢٦ ـ مالك بن الحارث الأشتر :

«وهل موجود كمالك؟». قاله أمير المؤمنين.

٢٧ ـ عبد الله بن عكيم.

٢٨ ـ محمد بن أبي حذيفة العبشمي.

٢٩ ـ عمرو بن زرارة بن قيس النخعي.

٣٠ ـ صعصعة بن صوحان ، سيّد عبد القيس.

__________________

(١) الاستيعاب : القسم الرابع / ١٥٤٦ رقم ٢٧٠٠.

٢٣٣

٣١ ـ حكيم بن جبلة العبدي ، الشهيد يوم الجمل.

٣٢ ـ هشام بن الوليد المخزومي.

٣٣ ـ معاوية بن أبي سفيان.

٣٤ ـ زيد بن صوحان ، من الخيار الأبرار كما في الحديث.

٣٥ ـ عمرو بن الحمق الخزاعي ، المشرّف بدعاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

٣٦ ـ عدي بن حاتم الطائي الصحابي العظيم.

٣٧ ـ عروة بن الجعد الصحابي.

٣٨ ـ عبد الرحمن بن حسان العنزي الكوفي.

٣٩ ـ محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة ، الممدوح بلسان مولانا أمير المؤمنين.

٤٠ ـ كميل بن زياد النخعي.

٤١ ـ عائذ بن حملة الطهوي التميمي.

٤٢ ـ جندب بن زهير الأزدي.

٤٣ ـ الأرقم بن عبد الله الكندي.

٤٤ ـ شريك بن شداد الحضرمي.

٤٥ ـ قبيصة بن ضبيعة العبسي.

٤٦ ـ كريم بن عفيف الخثعمي العامري.

٤٧ ـ عاصم بن عوف البجلي.

٤٨ ـ ورقاء بن سميّ البجلي.

٤٩ ـ كدام بن حيّان العنزي.

٥٠ ـ صيفي بن فسيل الشيباني.

٥١ ـ محرز بن شهاب التميمي المنقري.

٥٢ ـ عبد الله بن حويّة السعدي التميمي.

٥٣ ـ عتبة بن الأخنس السعدي.

٢٣٤

٥٤ ـ سعيد بن نمران الهمداني.

٥٥ ـ ثابت بن قيس النخعي.

٥٦ ـ أصعر بن قيس الحارثي.

٥٧ ـ يزيد بن المكفكف النخعي.

٥٨ ـ الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني.

٥٩ ـ الفضل بن العبّاس الهاشمي.

٦٠ ـ عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي.

٦١ ـ زياد بن النضر الحارثي.

٦٢ ـ عبد الله الأصم العامري.

٦٣ ـ عمرو بن الأهتم ، نزيل الكوفة.

٦٤ ـ ذريح بن عباد العبدي.

٦٥ ـ بشر بن شريح القيسي.

٦٦ ـ سودان بن حمران السكوني.

٦٧ ـ عبد الرحمن بن عديس أبي محمد البلوي.

٦٨ ـ عروة بن شييم بن البيّاع الكناني الليثي.

٦٩ ـ كنانة بن بشر السكوني التجيبي.

٧٠ ـ الغافقي بن حرب العكّي.

٧١ ـ كعب بن عبدة ، الزاهد الناسك.

٧٢ ـ مثنّى بن مخربة العبدي.

٧٣ ـ عامر بن بكير بن عبد ياليل الليثي الكناني ـ بدري.

٧٤ ـ عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي.

٧٥ ـ عبد الرحمن بن عبد الله الجمحي.

٧٦ ـ مسلم بن كريب القابضي الهمداني.

٢٣٥

٧٧ ـ عمرو بن عبيد الحارثي الهمداني.

٧٨ ـ عمرو بن حزم الأنصاري.

٧٩ ـ عمير بن ضابئ التميمي البرجمي.

٨٠ ـ أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي.

إلى نظرائهم ممّن مرّ حديثه أو يأتي في هذا الجزء يزداد بصيرةً في انعقاد هذا الإجماع الذي لا محيد عن مؤدّاه ، ولا منتدح عن الجري معه ، ولا محيص عن أخذه حجّة قاطعة ، وكيف لا؟ وفيهم عُمد الصحابة ودعائمها ، وعظماء الملّة وأعضادها ، وذوو الرأي والتقوى والصلاح من البدريّين وغيرهم ، وفيهم أُمّ المؤمنين وغير واحد من العشرة المبشّرة ، ورجال الشورى ، فإذا لم يحتجّ بإجماع مثله لا يحتجّ بأيّ إجماع قطّ ، ولو جاءت عن أحد من هؤلاء كلمة واحدة في حقّ أي إنسان مدحاً أو ذمّا لاتّخذوه حجّة دامغة ، فكيف بهم ، وقد اجتمعوا على كلمة واحدة.

وبهذه كلّها تظهر قيمة الكلم التافهة التى جاء بها القوم لإغراء الدهماء بالجهل أمثال ما في تاريخ ابن كثير (١) (٨ / ١٢) من قوله : قال أيّوب والدارقطني : من قدّم عليّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وهذا الكلام حقّ وصدق وصحيح ومليح. انتهى.

إقرأ واضحك أو ابك. فمن قدّم عثمان على أيّ موحّد أسلم وجهه لله وهو مؤمن بعد هذا الإجماع المتسالم عليه فضلاً عن مولى المؤمنين عليّ صلوات الله عليه فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ، والصحابة الأوّلين والتابعين لهم بإحسان.

(لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) (٢)

__________________

(١) البداية والنهاية : ٨ / ١٣ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٢) يونس : ٩٤.

٢٣٦

ـ ٤١ ـ

قصّة الحصار الأوّل

الاجتماع على عثمان من أهل الأمصار : المدينة ، الكوفة ، البصرة ، مصر

أخرج البلاذري وغيره بالإسناد : التقى أهل الأمصار الثلاثة : الكوفة والبصرة ومصر في المسجد الحرام قبل مقتل عثمان بعام ، وكان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة ، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخربة العبدي ، ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر ابن عتّاب بن عوف السكوني ثمّ التجيبي ، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه وعاهد الله عليه ، وقالوا : لا يسعنا الرضا بهذا ، فاجتمع رأيهم على أن يرجع كلّ واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره فيكون رسول من شهد مكة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على مثل رأيهم من أهل بلده ، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره فيستعتبوه ، فإن أعتب ، وإلاّ رأوا رأيهم فيه ففعلوا ذلك.

فلمّا حضر الوقت خرج الأشتر مع أهل الكوفة إلى المدينة في مائتين ، وقال ابن قتيبة : أقبل الأشتر من الكوفة في ألف رجل في أربع رفاق ، وكان أُمراؤهم هو وزيد بن صوحان العبدي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم العامري ، وعلى الجميع عمرو بن الأهتم.

وخرج حكيم بن جبلة العبدي في مائة من أهل البصرة ولحق به بعد ذلك خمسون ، فكان في مائة وخمسين وفيهم : ذريح بن عبّاد العبدي ، وبشر بن شريح القيسي ، وابن المحرّش ـ ابن المحترش ـ وقال ابن خلدون : وكلّهم في مثل عدد أهل مصر في أربع رايات.

وجاء أهل مصر وهم أربعمائة ، ويقال : خمسمائة ، ويقال : سبعمائة ، ويقال : ستمائة ، ويقال : ألف ، وفي شرح ابن أبي الحديد : كانوا ألفين. وكان فيهم : محمد بن

٢٣٧

أبي بكر ، وسودان بن حمران السكوني ، وميسرة ـ ويقال قتيرة ـ السكوني ، وعمرو ابن الحمق الخزاعي وكان من رءوسهم ، وعليهم أُمراء أربعة :

١ ـ عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، على ربع.

٢ ـ عبد الرحمن بن عديس أبو محمد البلوي ، على ربع.

٣ ـ عروة بن شُيَيم بن البياع الكناني الليثي ، على ربع.

٤ ـ كنانة بن بشر السكوني التجيبي ، على ربع.

وعليهم جميعاً : الغافقي بن حرب العكّي ، وكان يصلّي بالناس في أيّام الحصار ، قال الطبري : كان جماع أمرهم جميعاً إلى عمرو بن بديل الخزاعي ، وكان من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلى عبد الرحمن بن عديس التجيبي.

فلمّا أتوا المدينة أتوا دار عثمان ، ووثب معهم رجال من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار منهم : عمّار بن ياسر العبسي وكان بدريّا ، ورفاعة بن رافع الأنصاري وكان بدريّا ، والحجاج بن غزية وكانت له صحبة ، وعامر بن بكير وكان بدريّا أحد بني كنانة.

وفي كتاب لنائلة امرأة عثمان إلى معاوية في رواية ابن عبد ربّه : وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى عليّ ومحمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر وطلحة والزبير فأمروهم بقتله ، وكان معهم من القبائل خزاعة ، وسعد بن بكر ، وهذيل ، وطوائف من جهينة ومزينة وأنباط يثرب ، وهؤلاء كانوا أشدّ الناس عليه.

وفي حديث سعيد بن المسيّب في الأنساب والعقد والفريد وغيرهما : وقد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمّار بن ياسر ، فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لأبي ذر ما فيها ، وحنقت بنو مخزوم لحال عمّار بن ياسر.

٢٣٨

وفي لفظ المسعودي : وفي الناس بنو زهرة لأجل عبد الله بن مسعود ، لأنّه كان من أحلافها ، وهذيل لأنّه كان منها ، وبنو مخزوم وأحلافها لعمّار ، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر ، وتيم بن مرّة مع محمد بن أبي بكر ، وغير هؤلاء ممّن لا يحمل ذكره كتابنا. فحصروا عثمان الحصار الأوّل (١).

كتاب المصريّين إلى عثمان :

أخرج الطبري في تاريخه (٢) (٥ / ١١٦) من طريق عبد الله بن الزبير عن أبيه ، قال : كتب أهل مصر بالسقيا (٣) أو بذي خُشب (٤) إلى عثمان بكتاب ، فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه ، فلم يردّ عليه شيئاً ، فأمر به فأُخرِج من الدار ، وكان فيما كتبوا إليه :

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا بعد ؛ فاعلم أنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ، فالله الله ثمّ الله

__________________

(١) راجع طبقات ابن سعد طبع ليدن : ٣ / ٤٩ [٣ / ٦٦] ، الأنساب للبلاذري : ٥ / ٢٦ و ٥٩ [١٣٤ ١٧٣] ، الإمامة والسياسة : ١ / ٣٤ [١ / ٣٥] ، المعارف لابن قتيبة : ص ٨٤ [ص ١٩٦] ، تاريخ الطبري : ٥ / ١١٦ [٤ / ٣٦٩ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، مروج الذهب : ١ / ٤٤١ [٢ / ٣٦٢] ، العقد الفريد : ٢ / ٢٦٢ و ٢٦٣ و ٢٦٩ [٤ / ١٠٦ و ١٠٨ و ١١٤] ، الرياض النضرة : ٢ / ١٢٣ و ١٢٤ [٣ / ٥٦ ـ ٥٨] ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ٦٦ [٢ / ٢٨٠ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، تاريخ ابن خلدون : ٢ / ٣٩٣ [٢ / ٥٩٣] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١٠٢ [٢ / ١٤٠ خطبة ٣٠] ، تاريخ ابن كثير : ٧ / ١٧٠ و ١٧٣ ، ١٧٤ [٧ / ١٩٤ و ١٩٥ و ١٩٧ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، حياة الحيوان للدميري : ١ / ٥٣ [١ / ٧٧] ، الإصابة : ٢ / ٤١١ [رقم ٥١٦٣] ، الصواعق المحرقة : ص ٦٩ [ص ١١٦] ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : ص ١٠٦ [ص ١٤٨] ، تاريخ الخميس : ٢ / ٢٥٩ [٢ / ٢٦١]. (المؤلف)

(٢) تاريخ الأُمم والملوك : ٤ / ٣٦٩ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٣) من أسافل أودية تهامة [معجم البلدان : ٣ / ٢٢٨]. (المؤلف)

(٤) وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة كما مرّ. (المؤلف)

٢٣٩

الله ، فإنّك على دنيا فاستتمّ إليها معها آخرة ، ولا تلبس (١) نصيبك من الآخرة ، فلا تسوغ لك الدنيا ، واعلم أنّا والله لله نغضب وفي الله نرضى ، وإنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرّحة أو ضلالة مجلّحة مبلّجة ، فهذه مقالتنا لك وقضيّتنا إليك ، والله عذيرنا منك. والسلام.

عهد الخليفة على نفسه أن يعمل بالكتاب والسنّة وذلك في سنة (٣٥ ه‍):

أخرج البلاذري من رواية أبي مخنف في الأنساب (٢) (٥ / ٦٢): إنّ المصريّين وردوا المدينة فأحاطوا وغيرهم بدار عثمان في المرّة الأولى. إلى أن قال : وأتى المغيرة ابن شعبة [عثمان] (٣) فقال له : دعني آت القوم فأنظر ما يريدون ، فمضى نحوهم ، فلمّا دنا منهم صاحوا به : يا أعور وراءك ، يا فاجر وراءك ، يا فاسق وراءك. فرجع ، ودعا عثمان عمرو بن العاص فقال له : ائت القوم فادعهم إلى كتاب الله والعتبى ممّا ساءهم. فلمّا دنا منهم سلّم فقالوا لا سلّم الله عليك ، ارجع يا عدوّ الله ، ارجع يا ابن النابغة فلست عندنا بأمين ولا مأمون ، فقال له ابن عمر وغيره : ليس لهم إلاّ عليّ بن أبي طالب. [فبعث عثمان إلى عليّ] (٤) فلمّا أتاه قال : يا أبا الحسن ائت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه. قال : «نعم إن أعطيتني عهد الله وميثاقه على أنّك تفي لهم بكلّ ما أضمنه عنك» ، قال : نعم. فأخذ عليّ عليه عهد الله وميثاقه على أوكد ما يكون وأغلظ ، وخرج إلى القوم فقالوا : وراءك. قال : «لا ، بل أمامي ، تُعطون كتاب الله وتُعتبون من كلّ ما سخطتم» ، فعرض عليهم ما بذل عثمان ، فقالوا : أتضمن ذلك عنه؟ قال : «نعم». قالوا : رضينا. وأقبل وجوههم وأشرافهم مع عليّ حتى دخلوا على

__________________

(١) كذا ، ولعلّه : لا تنس نصيبك ، أخذاً من القرآن الكريم. (المؤلف)

(٢) أنساب الأشراف : ٦ / ١٧٩.

(٣) الزيادة من المصدر.

(٤) أنساب الأشراف : ٦ / ١٧٩.

٢٤٠