🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

ذلك فهو غير ممتاز عمّا سواه بمغفرة ما يأتي به صاحبه في المستقبل ، وإنّما يجبّ ما قبله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) (١) ، وإلاّ لبطلت المواعيد والعقوبات المتوجّه خطابها إلى المؤمنين أجمع.

وإنّا لم نجد في أعمال عثمان عملاً بارّا يستدعي هذه المغالاة الخارجة عن أُصول الإسلام ، غير ما أنفقه على جيش العسرة إن صحّ من ذلك شيء ، وما خسره على بئر رومة ، وقد علمت أنّ جيش العسرة أنفق عليه غيره ما هو أكثر ممّا أنفقه هو ، وما أكثر من حفر الآبار وكرى الأنهار وسبّل مياهها للمسلمين ، فلو كان عمل عثمان هذا يستدعي المغفرة إلى يوم القيامة لوجب أن يُغفر لأُولئك الأقوام والأُمم ذنوبهم إلى ما بعد القيامة بفئام وفئام ، لكن الحظوظ ساعدت عثمان ولم تساعدهم. فتبصّر وأعجب!

وهل علمت الصحابة بهذا الغفران ثمّ نقموا عليه ما كان ينجم منه من هنات بعد هنات فلم يغفروها له مخالفين لله ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم عدول؟ أو أنّهم سمعوا هذه الأفيكة ثمّ أودعوها في محفظة الأباطيل؟ غير أنّ ظنّي بها أنّ ميلادها بعد واقعة الدار وأنّها كانت في أصلاب الوضّاعين عند الحصارين ، وفي حشّ كوكب ، وفي مقبرة اليهود ، ولم تلدها بعد أُمّها العاقر ، حتى فُسِح المجال لاستيلادها على أيدي قوابل عهد معاوية فما بعد.

٣٠ ـ أخرج أحمد في مسنده (٢) (١ / ٧٠) عن بهز أبي الأسود البصري ، عن أبي عوانة الوضّاح البصري ، عن حصين ، عن عمرو بن جاوان البصري ، عن الأحنف ابن قيس البصري ، قال : انطلقنا حُجّاجاً فمررنا بالمدينة ، فبينما نحن في منزلنا إذ جاءنا آتٍ فقال : الناس من فزع في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي فإذا الناس مجتمعون

__________________

(١) محمد : ٢.

(٢) مسند أحمد : ١ / ١١٣ ح ٥١٣.

٤٦١

على نفر في المسجد ، قال : فتخلّلتهم حتى قمت عليهم فإذا عليّ بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقّاص ، قال : فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي فقال : أهاهنا عليّ؟ قالوا : نعم. قال أهاهنا طلحة؟ قالوا : نعم. قال : أهاهنا سعد؟ قالوا : نعم. قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلاّ هو أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : إنّي قد ابتعته ، فقال : اجعله في مسجدنا وأجره لك؟ قالوا : نعم. قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلاّ هو أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من يبتاع بئر رومة ، فابتعتها بكذا وكذا فأتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت : إنّي قد ابتعتها يعني بئر رومة ـ فقال : اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك؟ قالوا : نعم. قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلاّ هو أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال : من يجهّز هؤلاء غفر الله له ، فجهّزتهم حتى ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً؟ قالوا : اللهمّ نعم. قال اللهمّ اشهد ، اللهمّ اشهد ، اللهمّ اشهد. ثمّ انصرف. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦ / ١٦٧) بالإسناد المذكور.

قال الأميني : زعم البصريّون جند المرأة أنّهم يسعهم تدارك تجمهر صلحاء البصرة على عثمان بتسطير أمثال هذه الأفائك المفتعلة ، وحسبوا أنّهم يبرّرون ساحة الرجل من تلكم الهنات الموبقة التي سجّلها له التاريخ ، ذاهلين عن أنّ صحّة هذه الأساطير تزيد عليه وبالاً ، فبعد ما سمع أعاظم الصحابة حجاجه هذا ، وقرعت سمعهم تلكم المناشدات وما أصاخوا إليها ، وما زحزحوا عمّا كانوا عليه من خذلانه إلى التأليب عليه إلى الوقيعة فيه بكلّ ما يوهنه ويُزريه إلى قتله إلى كسر أضالعه إلى رمي جنازته إلى دفنه في مقابر اليهود ، وبعد ما أصرّت الأُمّة على مقته مجمعة على النقمة عليه وهي لا تجتمع على الخطأ كما يحسبون ، لم يبق للرجل أيّ قيمة في سوق الاعتبار وإن اختلقت يد الافتعال له ألف أُسطورة.

وتحصّل ممّا قدّمناه أنّ الأجور المذكورة على تقدير الصحّة كانت مرتّبة على

٤٦٢

الأعمال ولم تكن حقوقاً ثابتة للرجال فهي تدور مع الأعمال إن لم يبطلها ما هو أقوى منها كما هو الحال في المقتضيات المقارنة بالموانع ، وكان معتقد القوم فيما استنشدهم عثمان أنّها مقرونة بها ، فلذلك لم يقيموا لكلّ ما استنشدهم فيه وزناً إن كانت للمزاعم حقيقة.

ومنها :

٣١ ـ أخرج البيهقي في السنن الكبرى (٦ / ١٦٧) ؛ من طريق أبي إسحاق السبيعي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : لمّا حُصر عثمان بن عفّان رضى الله عنه وأُحيط بداره أشرف على الناس ، فقال : أَنشدكم بالله هل تعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على جبل حراء فقال : اسكن حراء فما عليك إلاّ نبيّ أو صدّيق أو شهيد؟ قالوا : اللهمّ نعم. قال : أنشدكم بالله هل تعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في غزوة العسرة : من ينفق نفقة متقبّلة ، والناس يومئذٍ معسرون مجهودون ، فجهّزت ثلث ذلك الجيش من مالي؟ قالوا : اللهمّ نعم. ثمّ قال : أنشدكم بالله هل تعلمون أنّ رومة لم يكن يشرب منها أحد إلاّ بثمن فابتعتها بمالي فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا : اللهمّ نعم. في أشياء عدّدها.

في الإسناد أبو إسحاق السبيعي ، وقد مرّ في الجزء السابع (ص ٢٧٦) أنّه مدلّس أفسد حديث أهل الكوفة ، ضعيف جدّا لا يحتجّ بحديثه. وأمّا أبو عبد الرحمن فهو عثمانيّ لا يعوّل عليه ولا يركن إلى حديثه.

٣٢ ـ أخرج البلاذري في الأنساب (١) (٥ / ١٠) عن المدائني ، عن عباد بن راشد البصري ، عن الحسن البصري قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من يجهّز هذا الجيش بشفاعة مُتقبّلة؟ فقال عثمان : يا رسول الله بشفاعة متقبّلة! قال : نعم على الله ورسوله. قال : أنا أُجهّزهم بسبعين ألفاً.

قال الأميني : هذا الجيش جهّزه الحسن البصري ، بعد سنين من وفاة النبيّ

__________________

(١) أنساب الأشراف ٦ / ١١٢.

٤٦٣

الأقدس ، وقد ولد الرجل لسنتين بقيتا من خلافة عمر ، ولعلّه نظر إلى ذلك الموقف واسترق السمع من وراء ستر رقيق في صلب أبيه ، أو أوعز بإرسال الرواية إلى بطلانها ، وغير بعيد أن يكون عبّاد بن راشد هو الذي تقوّل بها على الحسن وهو بريء منها. قال الدوري عن ابن معين (١) : حديث عبّاد ليس بالقويّ ولكن يكتب ـ يعني للاعتبار ـ. وقال الدورقي عن ابن معين : ضعيف. وقال البخاري (٢) والأزدي : تركه يحيى القطّان. وقال أبو داود : ضعيف. وقال النسائي (٣) : ليس بالقويّ. وقال ابن المديني : لا أعرف حاله. وقال ابن البرقي : ليس بالقويّ. وقال ابن حبّان (٤) : كان ممّن يأتي بالمناكير عن المشاهير ، حتى يسبق إلى القلب أنّه كان المتعمّد فبطل الاحتجاج به ، روى عن الحسن حديثاً طويلاً أكثره موضوع (٥).

ومنها :

٣٣ ـ أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء (١ / ٥٨) ؛ من طريق إبراهيم بن سعدان ، عن بكر بن بكار البصري ، عن عيسى بن المسيب ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، قال : اشترى عثمان بن عفّان من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجنّة مرّتين بيع الخلق : حين حفر بئر رومة ، وحين جهّز جيش العسرة.

رجال الإسناد :

١ ـ بكر بن بكار أبو عمرو البصري ، قال ابن أبي حاتم (٦) : ضعيف الحديث

__________________

(١) التاريخ : ٤ / ١٠٣ رقم ٣٣٦٩.

(٢) التاريخ الكبير : مج ٦ / ٣٦ رقم ١٦٠٨.

(٣) كتاب الضعفاء والمتروكين : ص ١٧٢ رقم ٤٣٠.

(٤) كتاب المجروحين : ٢ / ١٦٣.

(٥) تهذيب التهذيب : ٥ / ٩٢ [٥ / ٨٠]. (المؤلف)

(٦) الجرح والتعديل : ٣ / ٧٠ رقم ٣١٨.

٤٦٤

سيّئ الحفظ له تخليط. وقال ابن معين (١) : ليس بشيء. وقال النسائي (٢) : ليس بالقويّ. وقال أيضاً : ليس بثقة. وقال أبو حاتم (٣) : ليس بالقويّ. وذكره العقيلي (٤) وابن الجارود والساجي في الضعفاء (٥).

٢ ـ عيسى بن المسيب ، قال يحيى والنسائي والدارقطني (٦) : ضعيف. وقال أبو حاتم (٧) وأبو زرعة : ليس بالقويّ. وتكلّم فيه ابن حبّان وغيره. وقال أبو داود : ضعيف. وقال يحيى بن معين (٨) أيضاً : ليس بشيء. وقال ابن حبّان (٩) : يقلّب الأخبار ولا يفهم ويخطئ حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به.

لسان الميزان (١٠) (٤ / ٤٠٥).

والباحث جدّ عليم بأنّ الصحابة لم تكن على يقين من هذا البيع المزعوم وإلاّ لما تجمهروا على مقت الرجل وخذلانه ، ولم يكن عثمان نفسه على ثقة بذلك أيضاً وإلاّ لما كان حذراً من أن يكون هو الملحد بمكة الذي عليه نصف عذاب أهل الأرض ، كما مرّ حديثه في هذا الجزء (ص ١٥٣).

__________________

(١) التاريخ : ٤ / ٢٠٩ رقم ٣٩٩٧.

(٢) كتاب الضعفاء والمتروكين : ص ٦٥ رقم ٨٩.

(٣) الجرح والتعديل : ٢ / ٣٨٣ رقم ١٤٩٢.

(٤) الضعفاء الكبير : ١ / ١٥٢ رقم ١٩٠.

(٥) ميزان الاعتدال : ١ / ١٦٠ [١ / ٣٤٣ رقم ١٢٧٤] ، تهذيب التهذيب : ١ / ٤٨ [١ / ٤٢٠] ، لسان الميزان : ٢ / ٤٨ [٢ / ٥٩ رقم ١٧٠١]. (المؤلف)

(٦) التاريخ : ٣ / ٣٤٢ رقم ١٦٥٧ ، كتاب الضعفاء والمتروكين : ص ١٧٦ رقم ٤٤٥ ، الضعفاء والمتروكون : ص ٣١٧ رقم ٤١٧.

(٧) الجرح والتعديل : ٦ / ٢٨٨ رقم ١٦٠٠.

(٨) التاريخ : ٣ / ٣٥٥ رقم ١٧٢٠.

(٩) كتاب المجروحين : ٢ / ١١٩.

(١٠) لسان الميزان : ٤ / ٤٦٨ رقم ٦٤٤٥.

٤٦٥

ومنها :

٣٤ ـ أخرج أحمد في المسند (١) (٤ / ٧٥) ، وأبو نعيم في الحلية (١ / ٥٨) من طريقين : أحدهما عن عبد الله بن جعفر ، عن يونس بن حبيب ، عن أبي داود. والآخر : عن فاروق الخطّابي ، عن أبي مسلم الكجي ، عن حجّاج بن نصر (٢) ـ أبي محمد البصري ـ قالا : حدّثنا سكن بن المغيرة الأموي ـ البصري مولى آل عثمان ـ ، عن الوليد بن أبي هشام البصري ، عن فرقد بن أبي طلحة ، عن عبد الرحمن بن أبي خباب (٣) السلمي البصري ، قال : خطب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحثّ على جيش العسرة ، فقال عثمان : عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال : ثمّ حثّ ، فقال عثمان : عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها قال : ثمّ حثّ فقال عثمان : عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. فرأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول بيده يحرّكها : ما على عثمان ما عمل بعد هذا.

قال الأميني : هلاّ مخبر يخبرني عن هذا الصحابيّ البصريّ الذي لا يُعرف إلاّ بحديثه هذا ، ولا يعلم من تاريخ حياته شيء غير اختلاقه هذه الرواية ، ولا يروي عن النبيّ الأعظم إلاّ هذه الخطبة المزعومة كما صرّح به ابن عبد البرّ في الاستيعاب (٤) وابن حجر في الإصابة (٥) ، ولم يسمعها صحابيّ قطّ غيره منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثمّ يخبرني ذلك المخبر عمّن انتهى إليه الإسناد أنّ فرقد بن طلحة من هو؟ ومتى ولد؟ وأين وأنّى كان؟ وما المعروف من ترجمته؟ فكأنّي به وهو يجيبني بما قاله علي ابن المديني : لا أعرفه (٦).

__________________

(١) مسند أحمد : ٥ / ٢٨ ح ١٦٢٥٥.

(٢) كذا في النسخ والصحيح : نصير ، بضم النون مصغراً. (المؤلف)

(٣) كذا في النسخ والصحيح : عبد الرحمن بن خباب. (المؤلف)

(٤) الاستيعاب : القسم الثاني / ٨٣٠ رقم ١٤٠٣.

(٥) الإصابة : ٢ / ٣٩٦ رقم ٥١١٠.

(٦) تهذيب التهذيب : ٧ / ٢٦٤ [٨ / ٢٣٧]. (المؤلف)

٤٦٦

وهل تخفى على إمام أو حافظ في الحديث آراء رجال الجرح والتعديل في حجّاج بن نصير؟ وقد ورد فيه قول ابن معين (١) : ضعيف. وقول علي بن المديني : ذهب حديثه كان الناس لا يحدّثون عنه ، وقول النسائي (٢) : ضعيف. وقوله أيضاً : ليس بثقة ولا يُكتب حديثه. وقول ابن حبان (٣) : يُخطئ ويهم. وقول العجلي (٤) : كان معروفاً بالحديث ولكنّه أفسده أهل الحديث بالتلقين ، كان يلقن وأدخل في حديثه ما ليس منه فترك. وقول ابن سعد (٥) : كان ضعيفاً. وقول الدارقطني (٦) والأزدي : ضعيف. وقول أبي أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم. وقول الآجري عن أبي داود : تركوا حديثه. وقول ابن قانع : ضعيف ليّن الحديث (٧).

وإنّي أحسب أنّ الآفة من سكن بن المغيرة وأنّه أدّى حقوق آل عثمان ـ وهو مولاهم ـ باختلاق هذه المنقبة لعثمان ، ولا ينافي ذلك كونه صالحاً إمام جمعة وجماعة ، وكم وكم من صلحاء وضّاعين ، ومن أئمّة كذّابين! راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا سلسلة الكذّابين والوضّاعين.

ومنها :

٣٥ ـ أخرج أبو نعيم في الحلية (١ / ٥٩) ؛ من طريق عمر بن هارون البلخي ، عن عبد الله بن شوذب البصري ثمّ المقدسي ، عن عبد الله بن القاسم ، عن كثير بن أبي

__________________

(١) التاريخ : ٤ / ٢٠٦ رقم ٣٩٧٥.

(٢) كتاب الضعفاء والمتروكين : ص ٩٢ رقم ١٧٠.

(٣) الثقات : ٨ / ٢٠٢.

(٤) تاريخ الثقات : ص ١٠٩ رقم ٢٥٧.

(٥) الطبقات الكبرى : ٧ / ٣٠٥.

(٦) الضعفاء والمتروكون : ص ١٨٦ رقم ١٧٤.

(٧) تهذيب التهذيب : ٢ / ٢٠٩ [٢ / ١٨٣]. (المؤلف)

٤٦٧

كثير البصري مولى سمرة (١) ، عن عبد الله بن سمرة (٢) عامل معاوية بن أبي سفيان على البصرة قال : كنت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جيش العسرة ، فجاء عثمان بألف دينار فنثرها بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ ولّى ، قال : فسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقلّب الدنانير وهو يقول : ما يضرّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم.

وفي لفظ أحمد في المسند (٣) (٥ / ٦٣) : ما ضرّ ابن عفّان ما عمل بعد اليوم. يردّدها مراراً.

وذكره ابن الجوزي في التبصرة كما في تلخيصها قرّة العيون المبصرة (١ / ١٧٩)

قال الأميني : ألا تعجب من حفّاظ يروون عن كذّاب خبيث مرسلين روايته إرسال المسلّم يمرّون بها كراماً؟ أيّ قيمة في سوق الاعتبار لرواية جاء بها عمر بن هارون؟ وقد جاء فيه قول ابن سعيد : كتب الناس عنه كتاباً كبيراً وتركوا حديثه وقول البخاري (٤) : تكلّم فيه يحيى بن معين (٥) وقال : عمر بن هارون كذّاب قدم مكة وقد مات جعفر بن محمد فحدّث عنه. وقول ابن أبي حاتم (٦) : سألت أبي عنه فقال : تكلّم فيه ابن المبارك فذهب حديثه ، قلت لأبي : إنّ الأشجّ حدّثنا عنه فقال : هو ضعيف الحديث نخسه ابن المبارك نخسة. وقول قتيبة : قلت لجرير : إنّ عمر بن هارون حدّثنا عن القاسم بن مبرور قال : نزل جبريل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : إنّ كاتبك هذا أمين ـ يعني معاوية ـ فقال جرير : اذهب إليه فقل له : كذبت. رواها

__________________

(١) وفي مسند أحمد [٦ / ٥٥ ح ٢٠١٠٧] ، مولى عبد الرحمن بن سمرة عن عبد الرحمن بن سمرة. (المؤلف)

(٢) في الحلية : عن عبد الرحمن بن سمرة.

(٣) مسند أحمد : ٦ / ٥٥ ح ٢٠١٠٧.

(٤) التاريخ الكبير : ٦ / ٢٠٤ رقم ٢١٧٧.

(٥) التاريخ : ٤ / ٣٥٦ رقم ٤٧٥٧.

(٦) الجرح والتعديل : ٦ / ١٤١ رقم ٧٦٥.

٤٦٨

العقيلي (١). وعن أحمد أنّه قال : لا أروي عنه شيئاً وقد أكثرت عنه. وقول ابن مهدي : لم يكن له عندي قيمة ، حدّثني بأحاديث فلمّا قدم مرّة أخرى حدّث بها عن ابن عبّاس عن أولئك فتركت حديثه. وقول أبي زكريا : عمر بن هارون : كذّاب خبيث ليس حديثه بشيء ، قد كتبت عنه وبتّ على بابه وذهبنا معه إلى النهروان ، ثمّ تبيّن لنا أمره فحرّقت حديثه ما عندي عنه كلمة. وقول ابن محرز عن ابن معين : ليس هو بثقة وبنحوه قال الغلابي عنه. وقال عنه مرّة : ضعيف. وقول أبي داود عنه : غير ثقة. وقول ابن أبي خيثمة وغيره عن ابن معين : ليس بشيء : وقول جعفر الطيالسي عن ابن معين : يكذب. وقول عبد الله بن علي بن المديني : سألت أبي عنه فضعّفه جدّا. وقول إبراهيم بن موسى : الناس تركوا حديثه. وقول الجوزجاني : لم يقنع الناس بحديثه. وقول النسائي (٢) وصالح بن محمد وأبي علي الحافظ : متروك الحديث. وقول الساجي : فيه ضعف. وقول الدارقطني (٣) : ضعيف. وقول أبي نعيم : حدّث بالمناكير لا شيء (٤). وقول العجلي (٥) : ضعيف. وقول ابن حبّان (٦) : يروي عن الثقات المعضلات ويدّعي شيوخاً لم يرهم (٧).

وفي الإسناد : كثير بن أبي كثير ، ذكره العقيلي في الضعفاء (٨) ، وقال ابن حزم وعبد الحق : إنّه مجهول ، ولو كان لتوثيق العجلي الرجل وزن لما جهله الحافظان ولم

__________________

(١) الضعفاء الكبير : ٣ / ١٩٤ رقم ١١٩٢.

(٢) كتاب الضعفاء والمتروكين : ص ١٩١ رقم ٤٩٩.

(٣) الضعفاء والمتروكون : ص ٢٩٣ رقم ٣٦٨.

(٤) ليت أبا نعيم كان على ذكر من رأيه هذا في الرجل حين أخرج من طريقه هذه المنقبة المزيّفة. (المؤلف)

(٥) تاريخ الثقات : ص ٣٦١ رقم ١٢٤٧.

(٦) كتاب المجروحين : ٢ / ٩٠.

(٧) تهذيب التهذيب : ٧ / ٥٠٢ ـ ٥٠٥ [٧ / ٤٤١]. (المؤلف)

(٨) الضعفاء الكبير : ٤ / ٣ رقم ١٥٥٤.

٤٦٩

يضعّفه العقيلي ، وأيّ قيمة لثقة العجلي (١) وهو يوثّق عمر بن سعد قاتل الإمام السبط الشهيد ونظراءه من المهتوكين المفضوحين؟!

وفي طريق أحمد مضافاً إلى كثير ضمرة بن ربيعة ، وقد مرّ فيه قول الساجي : صدوق يهمّ ، عنده مناكير. وروى ضمرة عن الثوري ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر حديثاً أنكره أحمد وردّه ردّا شديداً ، وقال : لو قال رجل : إنّ هذا كذب لما كان مخطئاً. وأخرجه الترمذي (٢) وقال : لا يُتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث.

فهذه مكانة الرجل من الرواية وإن كان ثقة مأموناً ، وأكبر الظنّ أنّ الآفة في هذه الرواية من ابن سمرة وأنّه اختلقها تقرّباً إلى أعطيات معاوية وهباته التي كانت تصل من دون وزن وكيل إلى وضّاعي الأحاديث ورجال الاختلاق الذين لا خلاق لهم.

ومنها :

٣٦ ـ عن مسعر ، عن عطيّة ، عن أبي سعيد ، قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أوّل الليل إلى أن طلع الفجر رافعاً يديه لعثمان يقول : اللهمّ عثمان رضيت عنه فارضَ عنه.

ذكره ابن الجوزي في كتابه التبصرة كما في تلخيصه (٣) (١ / ١٧٩) مرسلاً إيّاه إرسال المسلّم ، وهو أوّل حديث ذكره في فضائل عثمان ، وذكره الواحدي في أسباب النزول (٤) مرسلاً (ص ٦١) فزاد : فأنزل الله تعالى فيه : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٥). وذكره ابن كثير في تاريخه (٦) (٧ / ٢١٢) ولم يذكر من رجال إسناده إلاّ

__________________

(١) تاريخ الثقات : ص ٣٥٧ رقم ١٢٣٠.

(٢) سنن الترمذي : ٣ / ٦٤٧ ح ١٣٦٥.

(٣) الموسوم بقرّة العيون المبصرة ، تأليف الشيخ أبي بكر ابن الشيخ محمد الملاّ الحنفي. (المؤلف)

(٤) أسباب النزول : ص ٥٥.

(٥) البقرة : ٢٦٢.

(٦) البداية والنهاية : ٧ / ٢٣٨ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

٤٧٠

الثلاثة المذكورة ، ولعلّه هو ومن رواه مرسلاً وجدوا في سلسلة السند أناساً ساقطين لا يُعبأ بهم ولا يُحتجّ بحديثهم ، وما راقهم إبطال هذه المنقبة بابداء علله بذكر أُولئك الرجال.

ومن العجب العجاب هذا الدأب منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أوّل الليل إلى منتهى الفجر على الدعاء لعثمان الذي فوّت عليه مرغّباته وفرائضه ، فإنّ صلاة الليل والوتر كانت فريضة عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون الأُمّة (١) ، ولا أدري هل نزل عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحي جديد يأمره باستبدال نوافله وفرائضه في تلك الليلة بالدعاء لعثمان؟ أو ما ذا كان فيها؟ نعم ، الذي يظهر من السيوطي في الخصائص الكبرى (٢) (٢ / ١٦٤ ـ ١٧٠) أنّ ذلك الوحي لم ينزل ، وأنّ الدعاء لعثمان لم يكن فضلاً عن استيعابه الليل كلّه فإنّه ذكر فيها كلّ من دعا له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمّاهم حتى يهوديّا سمّت (٣) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يعدّ منهم عثمان.

ولو كان إنفاق عثمان في جيش العسرة موجباً للدعاء المستوعب ليله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يظهر من رواية الواحدي ، فإنفاق أبي بكر الذي أنفق كلّ ما كان يملكه ذات يده ـ كما يحسبه القوم ـ وكان يراه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمنّ الناس عليه بماله (٤) يستوجب دعاءً مستغرقاً ليله ونهاره ، فأين؟ وأنّى؟ ولو كان كلّ إنفاق في مهمّة يستدعي دعاء الليل فكان عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقضي حياته ليلاً ونهاراً بالدعاء للمنفقين ، وما أكثرهم! ولو كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رافعاً يديه لعثمان فعليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يديم رفعهما في الدعاء لأبي بكر ولرجال الأنصار المكثرين من الإنفاق في السلم والحرب ولغيرهم من أهل اليسار الذين بذلوا كنوزاً عامرة من الدرهم والدينار في مهامّ الإسلام المقدّس والدعوة إليه والذبّ عنه.

__________________

(١) راجع الخصائص الكبرى : ٢ / ٢٢٩ [٢ / ٣٩٧]. (المؤلف)

(٢) الخصائص الكبرى : ٢ / ٢٧٩ ـ ٢٩٦.

(٣) التسميت : الدعاء للعاطس ، وهو قولك له : يرحمك الله ، أُخذ من السمت إلى الطريق والقصد. كأنه قصده بذلك الدعاء.

(٤) راجع ما مضى في : ٧ / ٣٠٧ و ٨ / ٣٣ ، ٥٨. (المؤلف)

٤٧١

وأمّا زيادة الواحدي من نزول الآية الكريمة في عثمان (١) ؛ فقد فصّلنا القول فيه وأنّه لا يصحّ في الجزء الثامن (ص ٥٧).

بقيّة مناقب عثمان

٣٧ ـ قال ابن كثير في تاريخه (٢) (٧ / ٢١٢) : قال ليث بن أبي سليم ـ ابن زنيم القرشي مولاهم ـ : أوّل من خبص الخبيص عثمان ، خلط بين العسل والنقي ثمّ بعث به إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى منزل أُمّ سلمة فلم يصادفه ، فلمّا جاء وضعوه بين يديه ، فقال : من بعث هذا؟ قالوا : عثمان. قالت : فرفع يديه إلى السماء ، فقال : اللهمّ إنّ عثمان يترضّاك فارضَ عنه.

وذكره السيوطي في مسامرة الأوائل (ص ٨٧) نقلاً عن البيهقي (٣) وابن عساكر (٤) من طريق ليث.

قال الأميني : خبص ابن زنيم هذا الخبيص لعثمان بعد لأي من وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد مات الرجل بعد المائة والأربعين من الهجرة ، ولم يدرك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم نعرف الذي أخذ الرواية منه ممّن شهد قصعة الخبيص وحضر مشهد الدعاء ، كما لا يُعرف أحد من بقيّة رجال الإسناد ، فالرواية مرسلة من الطرفين.

وأمّا ابن زنيم فقد جاء فيه عن عبد الله بن أحمد قال : ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً منه في ليث وابن إسحاق وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. وقال ابن أبي شيبة وأبو حاتم (٥) والجوزجاني : كان ضعيف الحديث. وضعّفه ابن

__________________

(١) أسباب النزول : ص ٥٥.

(٢) البداية والنهاية : ٧ / ٢٣٨ حوادث سنة ٣٥ ه‍.

(٣) شعب الإيمان : ٥ / ٩٨ ح ٥٩٣٢.

(٤) مختصر تاريخ دمشق : ١٦ / ١٢٤.

(٥) الجرح والتعديل : ٧ / ١٧٧ رقم ١٠١٤.

٤٧٢

سعد (١) وابن معين وابن عيينة. وقال أحمد (٢) وأبو حاتم (٣) أيضاً وأبو زرعة : مضطرب الحديث لا تقوم به الحجّة عند أهل العلم بالحديث. وقال يحيى : عامّة شيوخه لا يُعرفون. وقال ابن حبّان (٤) : اختلط في آخر عمره فكان يقلّب الأسانيد ويرفع المراسيل ، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم ، تركه القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد. وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقويّ عندهم. وقال أبو عبد الله الحاكم : مُجمَع على سوء حفظه (٥).

ألا تعجب من حافظ كابن كثير يذكر رواية هذا شأنها وهذه عللها وذلك متنها المعلول ويرسلها إرسال المسلّم في مقام الحجاج ويعدّها من فضائل عثمان؟ ويأتي إلى حديث المؤاخاة الصحيح الثبت المتواتر الوارد من طرق مسندة معنعنة في الصحاح والأسانيد ويتخلّص منه بقوله (٦) : أسانيدها كلّها ضعيفة لا يقوم بشيء منها حجّة ، والله أعلم (٧). ويروي في تاريخه (٨) (٧ / ٣٥٧) نزول آية الولاية في عليّ عليه‌السلام فقال : هذا لا يصحّ بوجه من الوجوه لضعف أسانيده ، ولم ينزل في عليّ شيء من القرآن بخصوصيّته (٩). حيّا الله الأمانة! وقاتل الله الحبّ المعمي والمصمّ.

__________________

(١) الطبقات الكبرى : ٦ / ٣٤٩.

(٢) العلل ومعرفة الرجال : ٢ / ٣٧٩ رقم ٢٦٩١.

(٣) الجرح والتعديل : ٧ / ١٧٧ رقم ١٠١٤.

(٤) كتاب المجروحين : ٢ / ٢٣١.

(٥) تهذيب التهذيب : ٨ / ٤٦٨ [٨ / ٤١٧]. (المؤلف)

(٦) راجع تاريخ ابن كثير ـ البداية والنهاية ـ : ٧ / ٣٣٥ [٧ / ٣٧١ حوادث سنة ٤٠ ه‍]. (المؤلف)

(٧) مرّ حديث المؤاخاة بطرقه المفصّلة في ٣ / ١١٢ ـ ١٢٥ ، ومرّ الإيعاز إليه في هذا الجزء صفحة : ٣١٧. (المؤلف)

(٨) البداية والنهاية : ٧ / ٣٩٥ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٩) أسلفنا في : ٣ / ١٥٦ ـ ١٦٧ تفصيل القول في نزول الآية في علي عليه‌السلام ، وصحّة روايته ، وإطباق الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين والمفسّرين على ذلك. (المؤلف)

٤٧٣

ولو كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرفع يديه لكلّ هديّة ولو كانت لقمة خبيص للزمه أن لا ينزلهما في أغلب أوقاته لكثرة الهدايا إليه وكثرة مهديها ، ولم تكن لعثمان ولخبيصه خاصّة توجب أداء حقّها دون المؤمنين عامّة وهداياهم.

٣٨ ـ أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه (٦ / ٣٢١) ؛ من طريق عبد الله بن الحسن بن أحمد ، عن يزيد بن مروان الخلاّل ، عن إسحاق بن نجيح الملطي ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ لكلّ نبيّ خليلاً من أُمّته وإنّ خليلي عثمان بن عفّان.

قال الأميني : حسبك من عرفان رجال الإسناد كذّابان : الخلاّل والملطي ، أمّا الخلاّل فقال يحيى بن معين : الخلاّل كذّاب. وقال الدارمي : وقد أدركته وهو ضعيف قريب ممّا قال يحيى. وقال أبو داود : ضعيف. وقال الدارقطني : ضعيف جداً (١).

هذا مجمل القول في الخلاّل ، وأمّا الملطي فقال أحمد (٢) : إسحاق من أكذب الناس ، وقال ابن معين (٣) : كذّاب عدوّ الله رجل سوء خبيث. وقال ابن أبي شيبة عنه : كان ببغداد قوم يضعون الحديث منهم إسحاق بن نجيح. وقال ابن أبي مريم : إنّه من المعروفين بالكذب ووضع الحديث ، وقال عمرو بن عليّ : كذّاب كان يضع الحديث. وقال الجوزجاني : غير ثقة ولا من أوعية الأمانة. وقال ابن عدي (٤) : أحاديثه موضوعات وضعها هو ، وعامّة ما أتى عن ابن جريج فكلّه منكر ووضعه عليه ، وهو بيّن الأمر في الضعفاء ، وهو ممّن يضع الحديث. وقال النسائي (٥) : كذّاب.

__________________

(١) ميزان الاعتدال : ٣ / ٣١٨ [٤ / ٤٣٩ رقم ٩٧٥٠] ، لسان الميزان : ٦ / ٢٩٣ [٦ / ٣٥٩ رقم ٩٢٨٦]. (المؤلف)

(٢) العلل ومعرفة الرجال : ٢ / ٣٠ رقم ١٤٥٤.

(٣) معرفة الرجال : ١ / ٥١ رقم ٧.

(٤) الكامل في ضعفاء الرجال : ١ / ٣٢٩ رقم ١٥٥.

(٥) كتاب الضعفاء والمتروكين : ص ٥٣ رقم ٥٠.

٤٧٤

وقال ابن حبّان (١) : دجّال من الدجاجلة يضع الحديث صراحاً. وقال البرقاني : نُسب إلى الكذب. وقال الجوزقانى : كذّاب وضّاع لا يجوز قبول خبره ولا الاحتجاج بحديثه ويجب بيان أمره. وقال أبو سعيد : مشهور بوضع الحديث. وقال ابن طاهر : دجّال كذّاب. وقال ابن الجوزي : أجمعوا على أنّه كان يضع الحديث (٢).

ومن العجب سكوت الخطيب عن هذه الرواية وعمّا في إسنادها من العلل ، وقد ذكر هو كثيراً من آراء الحفّاظ المذكورة في ترجمة إسحاق ، ولعلّه اكتفى بذكرها عن تفنيد الرواية صريحاً ، وكأنّ مفتعلها لم يقف على المفتعلة الأخرى المرفوعة : لكلّ نبيّ خليل وخليلي سعد بن معاذ (٣). ويضادّ كلاهما ما جاء به البخاري في صحيحه (٤) (٥ / ٢٤٣) من القول المعزوّ إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر. وقد قدّمنا الكلام حول ذلك في الأجزاء الماضية وأنّه موضوع مختلق أيضاً.

٣٩ ـ روى ابن أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك ، قالت : انتبه عمر ابن عبد العزيز ذات ليلة وهو يقول : لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة ، فقلت : أخبرني بها ، فقال : حتى نصبح ، فلمّا صلّى بالمسلمين دخل فسألته ، فقال : رأيت كأنّي دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنّها بساط أخضر ، وإذا فيها قصر كأنّه الفضّة ، فخرج منه خارج فنادى : أين محمد بن عبد الله؟ أين رسول الله؟ إذ أقبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى دخل ذلك القصر ، ثمّ خرج آخر فنادى : أين أبو بكر الصدّيق؟ فأقبل فدخل ، ثمّ خرج آخر فنادى : أين عمر بن الخطّاب؟ فأقبل فدخل ، ثمّ خرج آخر فنادى : أين عثمان بن عفّان؟ فأقبل فدخل ، ثمّ خرج آخر فنادى : أين عليّ بن أبي طالب؟ فأقبل

__________________

(١) كتاب المجروحين : ١ / ١٣٤.

(٢) تاريخ الخطيب : ٦ / ٣٢١ ـ ٣٢٤ [رقم ٣٣٦٦] ، تهذيب التهذيب : ١ / ٢٥٢ [١ / ٢٢١]. (المؤلف)

(٣) كنز العمّال : ٦ / ١٨٣ [١١ / ٧٢٠ ح ٣٣٥١٦] ، منتخب الكنز هامش مسند أحمد : ٥ / ٢٣١ [٥ / ٢١١]. (المؤلف)

(٤) صحيح البخاري : ٣ / ١٣٣٨ ح ٣٤٥٧.

٤٧٥

فدخل ، ثمّ خرج آخر فنادى : أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب أبي (١) عمر بن الخطّاب ، وهو عن يسار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو بكر عن يمينه ، وبينه وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجل ، فقلت لأبي : من هذا؟ قال : هذا عيسى بن مريم ، ثمّ سمعت هاتفاً يهتف بيني وبينه نور لا أراه ، وهو يقول : يا عمر بن عبد العزيز تمسّك بما أنت عليه واثبت على ما أنت عليه ، ثمّ كأنّه أُذِن لي في الخروج فخرجت ، فالتفت فإذا عثمان بن عفّان وهو خارج من القصر وهو يقول : الحمد لله الذي نصرني ربّي ، وإذا عليّ في أثره وهو يقول : الحمد لله الذي غفر لي ربّي. وذكره ابن كثير في تاريخه (٢) (٩ / ٢٠٦).

قال الأميني : أنا لا أزال أُرحّب بقوم يحاولون إثبات الحقائق بالأطياف ، ويجابهون ما ثبت في الخارج بالخيال ، فتصوّر لهم ريشة الأوهام عثمان منزّهاً عن كلّ وصمة عرفتها فيه الصحابة العدول من أُمّة محمد الناظرين إليه من كثب والمشاهدين أعماله الناقمين عليه بها ، وقد أهدروا دمه من جرّائها ، وهم الذين يُقتدى بهم وبأقوالهم وأفعالهم عند القوم ويُحتذى مثالهم ، وبأمثال هذه السفاسف يُجرّءون البسطاء على التورّط في المآثم بالنظر إلى هذا الإنسان المغمور فيها في نظّارة مكبّرة تُريه منزّهاً عن دنس كلّ حوب ، منصوراً من الله بعد أن خذلته الصحابة جمعاء.

ولهم هناك نظّارة أُخرى تصغّر المنظور إليه من إمام المسلمين وسيّد الخلفاء خير البشر بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى حدّ أثبتوا له ذنباً مغفوراً.

ألا من مسائل إيّاهم عن أنّه متى صدر هذا الذنب عن إمام المسلمين؟ أحين عدّه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه كما في الذكر الحكيم؟ أم حين طهّره الجليل بقوله تعالى :

__________________

(١) عمر بن الخطّاب جدّ عمر عبد العزيز من أمّه أُمّ عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب. (المؤلف)

(٢) البداية والنهاية : ٩ / ٢٣٢ حوادث سنة ١٠١ ه‍.

٤٧٦

(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (١)؟ أم حين قرن ولايته بولايته وولاية نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله سبحانه : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (٢)؟ أم حين أكمل بولايته الدين وأتمّ نعمته على المسلمين بقوله عزّ من قائل : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣)؟ أم حين جعله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بالناس من أنفسهم كما هو أولى بهم من أنفسهم فرشّحه للخلافة الكبرى في حديث الغدير المتواتر المقطوع بصدوره؟ أم حين جعله عدل القرآن في حديث الثقلين الثابت المتواتر؟ أم حين أنزله من نفسه بمنزلة هارون من موسى ، وفصل بينه وبين نفسه بالنبوّة فحسب فقال : «إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (٤)؟

أم ..؟ أم ..؟ إلى ألف أم؟؟

على أنّه سلام الله عليه ـ كان حلس بيته والناس متجمهرون على عثمان لا يشاركهم في شيء من أمره ، ولعلّ في الفئة المهملجة من يعدّ ما كان ينوء به الإمام عليه‌السلام ـ من نهي عثمان عمّا نقم عليه به من هنات وعثرات وأمره إيّاه بالمعروف والعمل بالكتاب والسنّة فلا يجد منه أُذناً مصيخة حتى قال : «ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك وغُلِبت على أمرك» (٥) ـ ذنباً مغفوراً له ، ويعدّه تقوية لجانب الثائرين على الرجل ، وما هو من ذلك بشيء ، وإنّما أراد عليه‌السلام كشف المثلات عنه بإقلاعه عمّا كان يرتكبه من الموبقات ولكن على حدّ قول الشاعر :

__________________

(١) الأحزاب : ٣٣.

(٢) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث : ص ١٥٦ ـ ١٦٧. (المؤلف)

(٣) راجع ما أسلفناه في الجزء الأوّل : ص ٢٣٠ ـ ٢٣٨. (المؤلف)

(٤) راجع ما مرّ في الجزء الثالث : ص ١٩٩ ـ ٢٠٢. (المؤلف)

(٥) راجع ما مرّ في هذا الجزء : ص ١٧٢ ـ ١٧٥. (المؤلف)

٤٧٧

أمرتكمُ أمري بمنعرج اللوى

فلم تستبينوا النصح إلاّ ضحى الغدِ

أو على حدّ قوله :

وكم سقتُ في آثارِكمْ من نصيحةٍ

وقد يستفيد الظنّة المتنصّح

فزهٍ زهٍ بهذه المعرفة وحيّا الله العلم الناجع الذي يرى صاحبه الواجب ذنباً والمذنب منصوراً.

وأحسب أنّ الذي افتعل هذه الأكذوبة الخياليّة رجل من بسطاء الأكراد أو الأعجام البعداء عن العربيّة ، وإلاّ فالعربيّ الصميم لا يقول : الحمد لله الذي نصرني ربّي ، والحمد لله الذي غفر لي ربّي.

ولعمر بن عبد العزيز منام أشنع من هذه المهزأة يحوي فصل الخصومات الواقعة بين الإمام أمير المؤمنين ومعاوية بن هند ، أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا أيضاً بالإسناد عن عمر بن عبد العزيز قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده فسلّمت عليه وجلست ، فبينما أنا جالس إذ أتي بعليّ ومعاوية ، فأُدخلا بيتاً وأُجيف الباب وأنا أنظر ، فما كان بأسرع من أن خرج عليّ وهو يقول : قُضي لي وربّ الكعبة ، ثمّ ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول : غُفر لي وربّ الكعبة (١).

ويظهر من الجمع بين المنامين أنّ موقف أمير المؤمنين عليّ من عثمان كان كموقف معاوية من عليّ صلوات الله عليه ، موقف الخروج على إمام الوقت ، موقف البغي والجور ، لا ضير إنّا إلى ربّنا منقلبون ، والله هو الحكم العدل يوم لا ينفع طيف ولا خيال.

٤٠ ـ أخرج البلاذري في الأنساب (٢) (٥ / ٣) من طريق سعيد بن خالد ، عن صالح

__________________

(١) تاريخ ابن كثير : ٨ / ١٣٠ [٨ / ١٣٩ حوادث سنة ٦٠ ه‍]. (المؤلف)

(٢) أنساب الأشراف : ٦ / ١٠١.

٤٧٨

ابن كيسان ـ أمويّ النزعة مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز ـ عن سعيد بن المسيّب قال : نظر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عثمان فقال : هذا التقيّ المؤمن الشهيد شبيه إبراهيم.

قال الأميني : كأنّ سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفّان الأموي ، أو سعيد ابن خالد الخزاعي المدني المجمع على ضعفه لم يجد في صحابة النبيّ الأقدس من يتحمّل عبء هذا السرف من القول والغلوّ في الفضيلة ، فتركه مرسلاً مقطوع العرى بين سعيد بن المسيب المولود بعد سنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطّاب وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

لعلّ الباحث بعد قراءة ما سردناه من سيرة الممدوح وآراء الصحابة فيه وإصفاق الأُمّة على النقمة عليه بأفعاله وتروكه الشاذّة عن التقوى لا يخفى عليه أنّ تشبيه الرجل بإبراهيم النبيّ المعصوم عليه‌السلام جناية على المعصومين وسفه من القول وتَرَهٌ ، نعوذ بالله من التقوّل بلا تعقّل.

ولو كان التشبيه بمن كان من الأنبياء مقبولاً لأمكن أن يتصوّر له وجه شبه ولو مع ألف فارق ، غير أنّ نوبة الظلم عند وضع هذا الحديث كانت قد انتهت إلى خليل الله سلام الله عليه.

وإنّي أحسب أنّ مصحّح هذه المهزأة قرع سمعه حديث التشبيه الوارد في مولانا أمير المؤمنين المذكور في الجزء الثالث (ص ٣٥٥ ـ ٣٦٠) وراقه من ذلك تشبيهه بخليل الرحمن فحابى الرجل بذلك ، وقد أعماه الحبّ عن عدم وجود وجه شبه ولو من جهة واحدة مع التمحّل بين نبيّ معصوم خُصّ بفضيلة الخلّة من المولى سبحانه وبين من قُتل دون هناته وسقطاته.

أنا لا أدري أنّ هتاف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا الذي سمعه سعيد بن المسيّب المولود بعده هل سمعته عائشة ومع ذلك كانت تهتف بقولها : اقتلوا نعثلاً قتله الله فإنّه قد كفر؟ وبقولها لابن عبّاس : يا ابن عبّاس إن الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردّ الناس

٤٧٩

عن هذا الطاغية؟ وبقولها : وددت والله أنّه في غرارة من غرائري هذه وأنّي طوّقت حمله حتى ألقيه في البحر؟ وبقولها لمروان : وددت والله أنّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كلّ واحد منكما رحاً وأنّكما في البحر؟ وبقولها للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يبل وإن عثمان قد أبلى سنّته؟ وبقولها لمّا بلغها نعيه : أبعده الله ؛ ذلك بما قدّمت يداه وما هو بظلاّم للعبيد؟ وبقولها : أبعده الله قتله ذنبه ؛ وأقاده الله بعمله ، يا معشر قريش لا يسومنّكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه (١)؟

وهل سمع حديث التشبيه في عثمان أُولئك الصحابة الذين سمعت أقوالهم وأفعالهم حول الرجل؟ أو أنّ الحديث كان باطلاً فلم يسمعه أحد منهم؟ الحكم في ذلك أنت أيّها القارئ الكريم.

وأخرج رواة السوء من طريق عائشة في التشبيه ما هو أعظم من هذا وأهتك لناموس الإسلام ونبيّه الأقدس ، وإليك نصّه :

عن المسيّب بن واضح السلمي الحمصي ، عن خالد بن عمرو بن أبي الأخيل السلفي الحمصي ، عن عمرو بن الأزهر العتكي البصري قاضي جرجان ، عن هشام ابن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضى الله عنها : ، قالت : لمّا زوّج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُمّ كلثوم قال لأُمّ أيمن : خذي بنتي وزفّيها إلى عثمان واخفقي بالدفّ. ففعلت ، فجاءها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ثالثة فقال : كيف وجدتِ بعلك؟ قالت : خير رجل. قال : أما إنّه أشبه الناس بجدّك إبراهيم وأبيك محمد (٢).

ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (٣) في ترجمة عمرو بن الأزهر فقال : هذا موضوع. ونحن نقول : رجال الإسناد :

__________________

(١) راجع ما مضى في هذا الجزء من حديث عائشة : ص ٧٧ ـ ٨٦. (المؤلف)

(٢) ميزان الاعتدال : ٢ / ٢٨١ [٣ / ٢٤٥ رقم ٦٣٢٨] ، لسان الميزان : ٤ / ٣٥٣ [٤ / ٤٠٧ رقم ٦٢٤٥]. (المؤلف)

(٣) ميزان الاعتدال : ٣ / ٢٤٥ رقم ٦٣٢٨.

٤٨٠