🚘

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٩

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: فروردين
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٣
🚘 نسخة غير مصححة

ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (١). وكان على الخليفة أن يبعث إليه باللائمة بل يعاقبه على ما فرّطفي جنب أولياء الله بتسميته إيّاهم السفهاء وهم قرّاء المصر ، وزعماء الملأ ، ونسّاك القطر ، وفقهاء القارة ، وهم القدوة في التقوى والنسك ، وبهم الأُسوة في الفقه والأخلاق ، ولم يكن عليهم إلاّ عدم التنازل لميول ذلك الغلام الزائف ، وعدم مماشاتهم إيّاه على شهواته ومزاعمه ، وهلاّ استشفّ الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتى يحكم فيه بالحقّ ، لكنّه بدل أن يتّخذ تلكم الطريقة المثلى في القضيّة استهواه ذلك الشابّ المترف فمال إليه بكلّه ، ونال من القوم ما نال ، وأوقع بهم ما حبّذه له الحبّ المعمي والمصمّ ، لكن الدين وملأه أنكرا ذلك عليه وحفظه التاريخ ممّا نقم به على عثمان.

كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لا عن حلم ، وخشونة لا يستمرّ عليها ، كلّ ذلك لم يكن لنصرة حقّ أو ابتغاء إصلاح ، وإنّما كان يكاشفهم جلباً لمرضاة الخليفة ، ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غداً ، وكان يعرف القوم بالشدّة والمتبوعيّة ، فما كان يروقه قطع خطّ الرجعة بينه وبينهم متى تسنّى له الحصول على غايته المتوخّاة ، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه ، ولا يزال هو يعدّ الدقائق والثواني للتوصّل إليها ، وكان أحبّ الأشياء إليه اكتساح العراقيل دونها ، ولذلك أطلق سراح القوم وتثبّط عن النهضة لنصرة عثمان لمّا استنصره ـ كما سيأتي تفصيله ـ حتى قتل ومعاوية في الخاذلين له.

وأمّا ابن خالد فقد جرى مجرى أبيه في الفظاظة والغلظة ، فلم يعاملهم إلاّ بالرعونة ولم يجاملهم إلاّ بالقسوة ، وكلّ إناء بالذي فيه ينضح.

وهاهنا نوقفك على نُبذ من أحوال من يهمّك الوقوف على حياته الثمينة من أولئك الرجال المنفيّين الأبرار ، حتى تعلم أنّ ما تقوّلوه فيهم وفعلوه بهم في منتأىً

__________________

(١) الحجرات : ٦.

٦١

عنهم ، وإنّما كان ذلك ظلماً وعدواناً ، وتعلم أنّ ابن حجر مائن فيما يصف به الأشتر من المروق (١) غير مصيب في قذفه ، متجانف للإثم في الدفاع عن عثمان بقوله : إنّ المجتهد لا يُعترض عليه في أُموره الاجتهاديّة ، لكن أُولئك الملاعين المعترضين لا فهم لهم بل ولا عقل (٢).

الأشتر :

١ ـ مالك بن الحارث الأشتر : أدرك النبيّ الأعظم وقد أثنى عليه كلّ من ذكره ؛ ولم أجد أحداً يغمز فيه ، وثّقه العجلي (٣) وذكره ابن حبّان في الثقات (٤) ، ولا يُحمل عدم رواية أيّ إمام عنه على تضعيفه ، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٥) (١٠ / ١٢) : قال مهنّا : سألت أحمد عن الأشتر يروي عنه الحديث؟ قال : لا. قال : ولم يرد أحمد بذاك تضعيفه ، وإنّما نفى أن تكون له رواية.

وكفاه فضلاً ومنعة كلمات مولانا أمير المؤمنين في الثناء عليه في حياته وبعد المنون ، وإليك بعض ما جاء في ذلك البطل العظيم :

١ ـ من كتاب لمولانا أمير المؤمنين كتبه إلى أهل مصر لمّا ولّى عليهم الأشتر : «أمّا بعد : فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيّام الخوف ، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع ، أشدّ على الفجّار من حريق النار. وهو مالك بن الحارث أخو مذحج ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ ، فإنّه سيف من سيوف الله ، لا

__________________

(١) راجع الصواعق : ص ٦٨ [ص ١١٥]. (المؤلف)

(٢) راجع الصواعق : ٦٨ [ص ١١٣]. (المؤلف)

(٣) تاريخ الثقات : ص ٤١٧ رقم ١٥٢٠.

(٤) الثقات : ٥ / ٣٨٩.

(٥) تهذيب التهذيب : ١٠ / ١١.

٦٢

كليل الظُبة (٦) ولا نابي الضريبة ، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنّه لا يُقدم ولا يُحجم ، ولا يؤخّر ولا يُقدّم إلاّ عن أمري ، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم ، وشدّة شكيمته على عدوّكم (٧)».

تاريخ الطبري (٦ / ٥٥) ، نهج البلاغة (٢ / ٦١) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٣٠).

صورة أخرى :

رواها الشعبي من طريق صعصعة بن صوحان.

«أمّا بعد : فإنّي قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيّام الخوف ، ولا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر ، لا ناكِلٌ من قدم ، ولا واهٍ في عزم ، من أشدّ عباد الله بأساً وأكرمهم حسباً ، أضرّ على الفجّار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، وهو مالك بن الحارث الأشتر ، حسام صارم ، لا نابي الضريبة ، ولا كليل الحدّ ، حكيم في السلم ، رزين في الحرب ، ذو رأي أصيل ، وصبر جميل ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره ، فإن أمركم بالنفر فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنّه لا يُقدم ولا يُحجم إلاّ بأمري ، وقد آثرتكم به على نفسي نصيحةً لكم ، وشدّة شكيمته على عدوّكم» ... إلخ (٨).

٢ ـ من كتاب للمولى أمير المؤمنين كتبه إلى أميرين من أُمراء جيشه :

«وقد أمّرت عليكما وعلى من في حيّزكما مالك بن الحارث الأشتر ، فاسمعا له

__________________

(٦) الظبة : بتخفيف الموحدة : حدّ السيف. (المؤلف)

(٧) تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٩٦ حوادث سنة ٣٨ ه‍ ، نهج البلاغة : ص ٤١٠ خطبة ٣٨ ، شرح نهج البلاغة : ٦ / ٧٧ خطبة ٦٧.

(٨) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٩ [٦ / ٧٥ خطبة ٦٧] ، جمهرة الرسائل : ١ / ٥٤٩ [رقم ٥٠٤]. (المؤلف)

٦٣

وأطيعا واجعلاه درعاً ومجنّا ، فإنّه ممّن لا يُخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم ، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل».

قال ابن أبي الحديد في شرحه (٩) (٣ / ٤١٧) : فأمّا ثناء أمير المؤمنين عليه‌السلام عليه في هذا الفصل فقد بلغ مع اختصاره ما لا يبلغ بالكلام الطويل ، ولعمري لقد كان الأشتر أهلاً لذلك ، كان شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً ، وكان يجمع بين اللّين والعنف ، فيسطو في موضع السطوة ، ويرفق في موضع الرفق ؛ ومن كلام عمر : إنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ لقويّ في غير عنف ، وليّن في غير ضعف. انتهى.

٣ ـ من كتاب كتبه مولانا أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر يذكر فيه الأشتر فيقول :

«إنّ الرجل الذي كنت وليّته مصر كان لنا نصيحاً ، وعلى عدوّنا شديداً ، وقد استكمل أيّامه ، ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، فرضي‌الله‌عنه ، وضاعف له الثواب ، وأحسن له المآب» (١٠).

تاريخ الطبري (٦ / ٥٥) ، نهج البلاغة (٢ / ٥٩) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ١٥٣) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٣٠).

٤ ـ لمّا بلغ عليّا ـ أمير المؤمنين ـ موت الأشتر قال : «(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) والحمد لله ربّ العالمين ؛ اللهمّ إنّي أحتسبه عندك ، فإنّ موته من مصائب الدهر. ثمّ قال : رحم الله مالكاً فقد كان وفّى (١١) بعهده ، وقضى نحبه ، ولقي ربّه ، مع أنّا قد وطّنّا

__________________

(٩) شرح نهج البلاغة : ١٥ / ١٠١ كتاب ١٣.

(١٠) تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٩٧ حوادث سنة ٣٨ ه‍ ، نهج البلاغة : ص ٤٠٧ خطبة ٣٤ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٤١١ حوادث سنة ٣٨ ه‍ ، شرح نهج البلاغة : ٦ / ٧٨ خطبة ٦٧.

(١١) كذا في الطبعة التي اعتمدها المؤلف قدس‌سره ، وفي الطبعة المعتمدة لدينا : فلقد وفّى.

٦٤

أنفسنا أن نصبر على كلّ مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّها من أعظم المصائب» ، قال المغيرة الضبي : لم يزل أمر عليّ شديداً حتى مات الأشتر (١٢).

٥ ـ عن جماعة من أشياخ النخع ، قالوا : دخلنا على عليّ أمير المؤمنين حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهّف ويتأسّف عليه ثمّ قال : «لله درّ مالك ، وما مالك؟ لو كان من جبل لكان فنداً (١٣) ، ولو كان من حجر لكان صلداً ، أما والله ليهدّنّ موتك عالَماً ، وليُفرحنّ عالماً ، على مثل مالك فليبكِ البواكي ، وهل موجود كمالك؟».

وقال علقمة بن قيس النخعي : فما زال عليّ يتلهّف ويتأسّف ؛ حتى ظننّا أنّه المصاب به دوننا ، وعُرف ذلك في وجهه أيّاماً.

وفي لفظ الشريف الرضي والزبيدي : «لو كان جبلاً لكان فنداً ، لا يرتقيه الحافر ، ولا يوفي عليه الطائر» (١٤).

نهج البلاغة (٢ / ٢٣٩) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٣٠) ، لسان العرب (٤ / ٣٣٦) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ١٥٣) ، تاج العروس (٢ / ٤٥٤).

٦ ـ قال ابن أبي الحديد في شرحه (١٥) (٣ / ٤١٦) : كان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها ، شديد التحقّق بولاء أمير المؤمنين عليه‌السلام ونصره ، وقال فيه بعد موته : «رحم الله مالكاً ، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم».

٧ ـ دسّ معاوية بن أبي سفيان للأشتر مولىً لآل عمر ، فسقاه شربة سويق

__________________

(١٢) شرح ابن أبي الحديد : ٢ / ٢٩ [٦ / ٧٧ الأصل ٦٧]. (المؤلف)

(١٣) الفند بالكسر : القطعة العظيمة من الجبل. (المؤلف)

(١٤) نهج البلاغة : ص ٥٥٤ خطبة ٤٤٣ ، شرح نهج البلاغة : ٦ / ٧٧ خطبة ٦٧ ، لسان العرب : ١٠ / ٣٣٣ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٤١٠.

(١٥) شرح نهج البلاغة : ١٥ / ٩٨ كتاب ١٣.

٦٥

فيها سمّ فمات. فلمّا بلغ معاوية موته قام خطيباً في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : أمّا بعد : فإنّه كان لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان ، قطعت إحداهما يوم صفّين وهو عمّار بن ياسر ، وقطعت الأخرى اليوم وهو مالك الأشتر (١).

تاريخ الطبري (٦ / ٢٥٥) ، الكامل لابن الأثير (٣ / ١٥٣) ، شرح ابن أبي الحديد (٢ / ٢٩).

قال الأميني : ما أجرأ الطليق ابن الطليق الطاغية على السرور والتبهّج بموت الأخيار الأبرار بعد ما يقتلهم ، ويقطع عن أديم الأرض أُصول بركاتهم ، ويبشّر بذلك أُمّته الفئة الباغية ، ويأمرهم بالدعاء عليهم (أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) (٢) ، (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (٣).

٨ ـ وقبل هذه كلّها ما جاء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في دفن أبي ذر سيّد غفار من قوله في لفظ الحاكم وأبي نعيم وأبي عمر : «ليموتنّ أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين» ، وفي لفظ البلاذري : «يلي دفنه رهط صالحون» ، وقد دفنه مالك الأشتر وأصحابه الكوفيّون ، كما في (٤) أنساب البلاذري (٥ / ٥٥) ، وحلية الأولياء لأبي نعيم (١ / ١٧٠) ، والمستدرك للحاكم (٣ / ٣٣٧) ، والاستيعاب لأبي عمر (١ / ٨٣) ، وشرح ابن أبي الحديد (٣ / ٤١٦) فقال : هذا الحديث يدلّ على فضيلة عظيمة للأشتر ; ؛ وهي شهادة قاطعة من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه مؤمن.

قال الأميني : ما أبعد المسافة بين هذه الشهادة وبين وصف ابن حجر إيّاه في

__________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ٩٦ حوادث سنة ٣٨ ه‍ ، الكامل في التاريخ : ٢ / ٤١٠ ، شرح نهج البلاغة : ٦ / ٧٦ خطبة ٦٧.

(٢) النمل : ٥.

(٣) الفرقان : ٤٢.

(٤) أنساب الأشراف : ٦ / ١٧١ ، المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٣٨٨ ح ٥٤٧٠ ، الاستيعاب : القسم الأول / ٢٥٤ رقم ٣٣٩ ، شرح نهج البلاغة : ١٥ / ٩٩ كتاب ١٣.

٦٦

الصواعق (١) (ص ٦٨) بالمروق وعدم الفهم والعقل ، ولعنه إيّاه وأصحابه الصلحاء ، وقد عزب عنه أنّه لا يلفظ من قول إلاّ ولديه رقيب عتيد.

نحن لسنا الآن في صدد التبسّط في فضائل مالك وتحليل نفسيّاته الكريمة ومآثره الجمّة وإلاّ لأريناك منه كتاباً ضخماً ، ولقد ناء بشطر مهمّ منها الفاضلان الشريفان السيّد محمد الرضا آل السيّد جعفر الحكيم النجفي ، وابن عمّه السيّد محمد التقي ابن السيّد السعيد الحكيم النجفي في كتابيهما المطبوعين المخصوصين بمالك ، وقد سبقهما إلى ذلك بعض علمائنا السابقين ، يوجد كتابه المخطوط في مكتبة مولانا الإمام الرضا عليه‌السلام بخراسان المشرّفة ، حيّا الله حملة العلم سلفاً وخلفاً.

٢ ـ زيد بن صوحان العبدي ، الشهير بزيد الخير : أدرك النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وترجمه أبو عمر وابن الأثير وابن حجر في معاجم الصحابة ، قال أبو عمر : كان فاضلاً ديّناً سيّداً في قومه.

أخرج أبو يعلى (٢) ، وابن مندة ، والخطيب ، وابن عساكر من طريق عليّ عليه‌السلام مرفوعاً : «من سرّه أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنّة فلينظر إلى زيد بن صوحان».

وفي حديث آخر : «الأقطع الحبر زيد ، زيد رجل من أُمّتي تدخل الجنّة يده قبل بدنه» ـ قطعت يده يوم القادسيّة.

وفي حديث أخرجه ابن مندة ، وأبو عمر ، وابن عساكر ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «زيد وما زيد؟! يسبقه بعض جسده إلى الجنّة ، ثمّ يتبعه سائر جسده إلى الجنّة».

وأخرج ابن عساكر من طريق الحكم بن عيينه (٣) ، قال : لمّا أراد زيد أن يركب

__________________

(١) الصواعق المحرقة : ص ١١٥.

(٢) مسند أبي يعلى : ١ / ٣٩٣ ح ٥١١.

(٣) في تاريخ دمشق ومختصره : عتيبة ، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء : ٥ / ٢٠٨.

٦٧

دابّته أمسك عمر بركابه ثمّ قال لمن حضره : هكذا فاصنعوا بزيد وإخوته وأصحابه (١).

تاريخ ابن عساكر (٦ / ١١ ـ ١٣) ، تاريخ الخطيب (٨ / ٤٤٠) ، الاستيعاب (١ / ١٩٧) ، أُسد الغابة (٣ / ٢٣٤) ، بهجة المحافل (٢ / ٢٣٧) ، الإصابة (١ / ٥٨٢).

وفي الفائق للزمخشري (٢) (١ / ٣٥) : قال فيه النبيّ عليه الصلاة والسلام : «زيد الخير الأجذم من الخيار الأبرار».

وفي معارف ابن قتيبة (٣) (ص ١٧٦) : كان من خيار الناس ، وروي في الحديث أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «زيد الخير الأجذم ، وجندب ما جندب» فقيل : يا رسول الله أتذكر رجلين؟ فقال : «أمّا أحدهما فسبقته يده إلى الجنة بثلاثين عاماً ، وأمّا الآخر فيضرب ضربة يفصل بها بين الحقّ والباطل» ، فكان أحد الرجلين زيد بن صوحان شهد يوم جلولاء فقطعت يده وشهد مع عليّ يوم الجمل ، فقال : يا أمير المؤمنين ما أراني إلاّ مقتولاً ، قال : «وما علمك بهذا يا أبا سليمان؟» قال : رأيت يدي نزلت من السماء وهي تستشيلني. فقتله عمرو بن يثربي وقتل أخاه سليمان (٤) يوم الجمل.

وفي تاريخ الخطيب (٨ / ٤٣٩) : كان زيد يقوم الليل ويصوم النهار ، وإذا كانت ليلة الجمعة أحياها ، وقال : قتل يوم الجمل وقال : ادفنوني في ثيابي فإنّي مخاصم. وفي رواية : لا تغسلوا عنّي دماً ، ولا تنزعوا عنّي ثوباً إلاّ الخفّين ، وارمسوني في الأرض رمساً فإنّي رجل مُحاجٌّ. زاد أبو نعيم : أُحاجّ يوم القيامة.

__________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ١٩ / ٤٣٤ ، ٤٣٦ ، ٤٣٨ رقم ٢٣٣٩ وفي مختصر تاريخ دمشق : ٩ / ١٤٣ ـ ١٤٤ ، الاستيعاب : القسم الثاني / ٥٥٥ ـ ٥٥٦ رقم ٨٥٢ ، أُسد الغابة : ٢ / ٢٩١ رقم ١٨٤٨.

(٢) الفائق : ١ / ٧٨.

(٣) المعارف : ص ٤٠٢.

(٤) في المصدر : وقتل أخاه سيحان.

٦٨

وفي مرآة الجنان لليافعي (١ / ٩٩) : كان زيد من سادة التابعين صوّاماً قوّاماً. وفي شذرات الذهب (١) (١ / ٤٤) : من خواصّ عليّ من الصلحاء الأتقياء.

وقال عقيل بن أبي طالب لمعاوية في حديث مروج الذهب (٢) (٢ / ٧٥) : أمّا زيد وعبد الله ـ أخوه ـ فإنّهما نهران جاريان يصبّ فيهما الخلجان ، ويغاث بهما اللهفان (٣) ، رجلا جدّ لا لعب معه.

ووصفه أخوه صعصعة لابن عبّاس لمّا قال له : أين أخواك منك زيد وعبد الله؟ صفهما. فقال : كان زيد والله يا بن عبّاس عظيم المروّة ، شريف الأُخوّة ، جليل الخطر ، بعيد الأثر ، كميش العروة ، أليف البدوة ، سليم جوانح الصدر ، قليل وساوس الدهر ، ذاكراً لله طرفي النهار وزلفىً من الليل ، الجوع والشبع عنده سيّان ، لا ينافس في الدنيا ، وأقلّ في أصحابه من ينافس فيها ، يطيل السكوت ، ويحفظ الكلام ، وإن نطق نطق بمقام ، يهرب منه الدُّعّار (٤) الأشرار ، ويألفه الأحرار الأخيار. فقال ابن عباس : ما ظنّك برجل من أهل الجنّة ، رحم الله زيداً.

٣ ـ صعصعة بن صوحان العبدي ، أخو زيد الخير المذكور : ذكر في معاجم الصحابة ، قال أبو عمر : كان مسلماً على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يلقه ولم يره. كان سيّداً فصيحاً خطيباً ديّناً. قال الشعبي : كنت أتعلّم منه الخطب ، وقال عقيل بن أبي طالب لمعاوية في حديث : أمّا صعصعة فعظيم الشأن ، عضب اللسان ، قائد فرسان ، قاتل أقران ، يرتق ما فتق ، ويفتق ما رتق ، قليل النظير.

وقال ابن الأثير : كان سيّداً من سادات قومه عبد القيس ، وكان فصيحاً خطيباً

__________________

(١) شذرات الذهب : ١ / ٢٠٩ حوادث سنة ٣٦ ه‍.

(٢) مروج الذهب : ٣ / ٤٨.

(٣) في الطبعة المعتمدة لدينا : ويُغاث بهما البلدان.

(٤) جمع داعر ، وهو الخبيث المفسد.

٦٩

لسناً ديّناً فاضلاً يُعدّ في أصحاب عليّ رضى الله عنه.

له مع عثمان محاورة سيوافيك شيء منها ، ومواقفه مع معاوية ذكرت جملة منها في مروج الذهب (٢ / ٧٦ ـ ٨٣) ، وتاريخ ابن عساكر (٦ / ٤٢٤ ـ ٤٢٧). وثّقه ابن سعد والنسائي وابن حبّان (١) وابن عساكر وابن الأثير وابن حجر.

أخرج ابن شبّة : أنّ عمر بن الخطّاب قسّم المال الذي بعث إليه أبو موسى ، وكان ألف ألف درهم وفضلت منه فضلة فاختلفوا عليه حيث يضعها ، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أيّها الناس قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس فما تقولون فيها؟ فقام صعصعة بن صوحان وهو غلام شابّ فقال : يا أمير المؤمنين إنّما تُشاور الناس فيما لم يُنزل الله فيه قرآناً ، أمّا ما أنزل الله به القرآن ووضعه مواضعه فضعه في مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها. فقال : صدقت. أنت منّي وأنا منك. فقسّمه بين المسلمين.

راجع (٢) : طبقات ابن سعد ، مروج الذهب ، تاريخ ابن عساكر ، الاستيعاب ، أُسد الغابة ، الإصابة ، تهذيب التهذيب ، خلاصة الخزرجي.

٤ ـ جندب بن زهير الأزدي : صحابيّ مترجم له (٣) في الاستيعاب ، وأُسد الغابة ، والإصابة. وله في يومي الجمل وصفّين مواقف محمودة مع أمير المؤمنين عليه‌السلام.

__________________

(١) الثقات : ٤ / ٣٨٢.

(٢) الطبقات الكبرى : ٦ / ٢٢١ ، مروج الذهب : ٣ / ٤٩ ـ ٥٤ ، تاريخ مدينة دمشق : ٢٤ / ٩٠ ـ ٩٦ رقم ٢٨٨١ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١١ / ٨٤ ـ ٨٨ ، الاستيعاب : القسم الثاني / ٧١٧ رقم ١٢١١ ، أُسد الغابة : ٣ / ٢١ رقم ٢٥٠٣ ، الإصابة : ٢ / ١٨٦ رقم ٤٠٦٩ ، تهذيب التهذيب : ٤ / ٣٧٠ ، خلاصة الخزرجي : ١ / ٤٦٩ رقم ٣٠٩٢.

(٣) الاستيعاب : القسم الأوّل / ٢٥٨ رقم ٣٤٣ ، أُسد الغابة : ١ / ٣٥٩ رقم ٨٠٢ ، الإصابة : ١ / ٢٤٨ رقم ١٢١٧.

٧٠

٥ ـ كعب بن عبدة : سمعت فيما مرّ عن البلاذري (١) أنّه كان ناسكاً.

٦ ـ عديّ بن حاتم الطائي : صحابيّ عظيم قدم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنة (٧) ، لم يختلف اثنان في ثقته ، أخرج حديثه أئمّة الصحاح الستّة ، وقد أثنى عليه عمر بن الخطّاب لمّا قال له : يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ فقال : نعم والله إنّي لأعرفك ، أكرمك الله بأحسن المعرفة ، أعرفك والله آمنت إذ كفروا ، وعرفت إذ أنكروا ، ووفيت إذ غدروا ، وأقبلت إذ أدبروا ، وإنّ أوّل صدقة بيّضت وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووجوه أصحابه صدقة طيئ جئت بها إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ثمّ أخذ يعتذر.

أخرجه (٢) : أحمد في المسند (١ / ٤٥) ، وابن سعد في الطبقات ، ومسلم في صحيحه ، وأبو عمر في الاستيعاب ، والخطيب في تاريخه ، وابن الأثير في أُسد الغابة وفيه : إنّه كان منحرفاً عن عثمان ، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٧ / ١٦٦).

وأعجب ما أجده من التحريف في تاريخ الخطيب ما أخرجه في (١ / ١٩١) بالإسناد عن المغيرة قال : خرج عديّ بن حاتم وجرير بن عبد الله البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة ، فنزلوا قرقيسياء (٣) وقالوا : لا نقيم ببلد يُشتم فيه عثمان.

والصواب : يُشتم فيه عليّ. فبدّلت يد التحريف عليّا بعثمان ، وذكره على علاّته ابن حجر في تهذيب التهذيب (٤) (٧ / ١٦٧).

__________________

(١) أنساب الأشراف : ٦ / ١٥٤.

(٢) مسند أحمد : ١ / ٧٤ ح ٣١٨ ، صحيح مسلم : ٥ / ١١١ ح ١٩٦ كتاب فضائل الصحابة ، الاستيعاب : القسم الثالث / ١٠٥٨ رقم ١٧٨١ ، أُسد الغابة : ٤ / ٩ رقم ٣٦٠٤ ، تهذيب التهذيب : ٧ / ١٥١.

(٣) قرقيسياء : بلد على نهر الخابور ، عندها مصب الخابور في الفرات ، فهي مثلث بين الخابور والفرات.

(٤) تهذيب التهذيب : ٧ / ١٥١.

٧١

توجد ترجمة عدي في (١) : الاستيعاب ، تاريخ بغداد (ج ١) ، أُسد الغابة ، الإصابة ، تهذيب التهذيب.

٧ ـ مالك بن حبيب : له إدراك ، عُدّ من الصحابة.

٨ ـ يزيد بن قيس الأرحبي : له إدراك ، وكان رئيساً كبيراً عظيماً عند الناس ، ولمّا ثار أهل الكوفة على عثمان اجتمع قرّاء الكوفة وأمّروه ، وكان مع عليّ في حروبه وولاّه شرطته ثمّ ولاّه أصبهان والريّ وهمذان ، وهو المعنيّ في قول ثمامة :

معاوي إن لا تُسرع السير نحونا

فبايع عليّا أو يزيد اليمانيا

وله يوم صفّين مواقف وخطابات تُعرب عن نفسيّاته الكريمة وملكاته الفاضلة ، تُذكر وتُشكر ، ذكر جملة منها ابن مزاحم في كتاب صفّين ، والطبري في تاريخه ، وابن الأثير في الكامل (٢) ، وممّا ذكروه قوله :

إنّ المسلم السليم من سلم دينه ورأيه ، إنّ هؤلاء القوم [والله] (٣) ما إن يقاتلونا على إقامة دين رأونا ضيّعناه ، ولا إحياء عدل رأونا أمتناه ، ولا يقاتلونا إلاّ على إقامة الدنيا ، ليكونوا جبابرة فيها ملوكاً ، فلو ظهروا عليكم ـ لا أراهم الله ظهوراً ولا سروراً ـ إذاً ألزموكم مثل سعيد والوليد وعبد الله بن عامر السفيه ، يحدّث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت ، ويأخذ مال الله ويقول : هذا لي ولا إثم عليّ فيه ، كأنّما أُعطي تراثه من أبيه ، وإنّما هو مال الله أفاءه علينا بأسيافنا ورماحنا ، قاتلوا ، عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله ، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم ، إنّهم إن

__________________

(١) الاستيعاب : القسم الثالث / ١٠٥٧ رقم ١٧٨١ ، تاريخ بغداد : ١ / ١٨٩ رقم ٢٩ ، أُسد الغابة : ٤ / ٨ رقم ٣٩٠٦ ، الإصابة : ٢ / ٤٦٨ رقم ٥٤٧٥.

(٢) الكامل في التاريخ : ٢ / ٣٧٣ حوادث سنة ٣٧ ه‍.

(٣) من المصادر.

٧٢

يظهروا عليكم يُفسدوا دينكم ودنياكم ، وهم من قد عرفتم وجرّبتم ، والله ما أرادوا إلى هذا إلاّ شرّا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم (١).

٩ ـ عمرو بن الحَمِق (٢) بن حبيب الخزاعي الكعبي : صحب النبيّ الأعظم وحفظ عنه أحاديث ، وحظي بدعائه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له لمّا سقاه لبناً بقوله : «اللهمّ أمتعه بشبابه» ، فاستكمل الثمانين من عمره ولم يرَ شعرة بيضاء (٣). أخرج حديثه البخاري في التعاليق ، وابن ماجة (٤) ، والنسائي (٥) وغيرهم ، وكان من أعوان حجر بن عدي سلام الله عليه وعليهم ، ترجمه أبو عمر في الاستيعاب (٦) ، وابن الأثير في أُسد الغابة ، وابن حجر في الإصابة ، ولم أجد كلمة غمز لأيّ أحد فيه مع قولهم : كان ممّن سار إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه وهو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا ، وصار بعد ذلك من شيعة عليّ. وقولهم : إنّه كان ممّن قام على عثمان. وقولهم : كان أحد من ألّب على عثمان.

وله يوم صفين مواقف مشكورة وكلم قيّمة خالدة مع الأبد تُعرب عن إيمانه الخالص ، وروحه النزيهة الطاهرة ، راجع كتاب صفّين لابن مزاحم (٧) (ص ١١٥ ، ٤٣٣ ، ٤٥٤ ، ٥٥١).

قال ابن الأثير في أُسد الغابة (٨) (٤ / ١٠١) : قبره مشهور بظاهر الموصل يزار ،

__________________

(١) كتاب صفّين : ص ٢٧٩ [ص ٢٤٧] ، تاريخ الطبري : ٦ / ١٠ [٥ / ١٧ حوادث سنة ٣٧ ه‍] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ٤٨٥ [٥ / ١٩٤ خطبة ٦٥] ، الإصابة : ٣ / ٦٧٥ [رقم ٩٤٠٧]. (المؤلف)

(٢) بفتح المهملة وكسر الميم. (المؤلف)

(٣) أُسد الغابة : ٤ / ١٠٠ [٤ / ٢١٧ رقم ٣٩٠٦] ، الإصابة : ٢ / ٥٣٣ [رقم ٥٨١٨]. (المؤلف)

(٤) سنن ابن ماجة : ٢ / ٨٩٦ ح ٢٦٨٨.

(٥) السنن الكبرى : ٥ / ٢٢٥ ح ٨٧٣٩ ـ ٨٧٤١.

(٦) الاستيعاب : القسم الثالث / ١١٧٣ رقم ١٩٠٩.

(٧) وقعة صفّين : ص ١٠٣ ، ٣٨١ ، ٣٩٩ ، ٤٨٢.

(٨) أُسد الغابة : ٤ / ٢١٩ رقم ٣٩٠٦.

٧٣

وعليه مشهد كبير ، ابتدأ بعمارته أبو عبد الله سعيد بن حمدان ـ وهو ابن عمّ سيف الدولة وناصر الدولة ابني حمدان ـ في شعبان من سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة ، وجرى بين السنّة والشيعة فتنة بسبب عمارته.

١٠ ـ عروة بن الجعد ، ويقال : أبي الجعد البارقي الأزدي ، صحابيّ مرضيّ مترجم له في معاجم الصحابة (١) الاستيعاب ، أُسد الغابة ، الإصابة. روى حديث : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم». قال شبيب بن غرقدة : رأيت في دار عروة سبعين فرساً رغبة في رباط الخيل (٢) ، أخرج حديثه أئمّة الصحاح الستّة فيها.

١١ ـ أصعر بن قيس بن الحارث الحارثي : له إدراك ، ذكره ابن حجر في الإصابة (١ / ١٠٩).

١٢ ـ كميل بن زياد النخعي : كان شريفاً في قومه ، قتله الحجّاج سنة (٨٢) ، وثّقه (٣) ابن سعد ، وابن معين ، والعجلي ، وابن عمّار ، وذكره ابن حبّان في الثقات (٤)

١٣ ـ الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني : من رواة الصحاح الأربعة من الستّة ، قال ابن معين (٥) : ثقة. وقال ابن أبي داود : كان أفقه الناس ، وأحسب الناس ، وأفرض الناس ، تعلّم الفرائض من عليّ ، قال ابن أبي خيثمة : قيل ليحيى : يُحتجّ

__________________

(١) الاستيعاب : القسم الثالث / ١٠٦٥ رقم ١٨٠٢ ، أُسد الغابة : ٤ / ٢٦ رقم ٣٦٤٠ ، الإصابة : ٢ / ٤٧٦ رقم ٥٥١٨.

(٢) صحيح البخاري في المناقب [٣ / ١٣٣٢ ح ٣٤٤٣] ، باب قول الله تعالى : (يَعرِفُونَهُ كَمَا يَعرِفُونَ أبنَاءَهُم) [البقرة : ١٤٦]. (المؤلف)

(٣) الطبقات الكبرى : ٦ / ١٧٩ ، تاريخ الثقات للعجلي : ص ٣٩٨ رقم ١٤٢٣ ، كتاب الثقات : ٥ / ٣٤١.

(٤) تهذيب التهذيب : ٨ / ٤٤٧ [٨ / ٤٠٢]. (المؤلف)

(٥) التاريخ : ٣ / ٣٦١ رقم ٦٧٥١.

٧٤

بالحارث؟ فقال : ما زال المحدّثون يقبلون حديثه. وقال أحمد بن صالح المصري : ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن عليّ وأثنى عليه. ووثّقه ابن سعد (١).

وهناك من كذّبه ، والعمدة في ذلك الشعبي. قال ابن عبد البرّ في كتاب العلم (٢) : أظنّ الشعبي عوقب بقوله في الحارث : كذّاب ، ولم يَبِنْ من الحارث كذبه ، وإنّما نقم عليه إفراطه في حبّ عليّ.

وقال أحمد بن صالح : لم يكن الحارث يكذب في الحديث ، إنّما كان كذبه في رأيه.

وقال الذهبي (٣) : والنسائي مع تعنّته في الرجال قد احتجّ به [وقوّى أمره] ، والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب. تهذيب التهذيب (٤) (٢ / ١٤٥ ـ ١٤٧).

فمحصّل القول في الهمداني : أنّه لا مغمز فيه غير نزعته العلويّة الممدوحة عند الله وعند رسوله.

ـ ٤٥ ـ

تسيير الخليفة كعب بن عبدة وضربه

كتب جماعة من القرّاء إلى عثمان منهم : معقل بن قيس الرياحي ، وعبد الله بن الطفيل العامري ، ومالك بن حبيب التميمي ، ويزيد بن قيس الأرحبي ، وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وسليمان بن صرد الخزاعي ويُكنّى أبا مطرف ، والمسيّب بن نجبة الفزاري ، وزيد بن حصن الطائي ، وكعب بن عبدة النهدي ،

__________________

(١) الطبقات الكبرى : ٦ / ١٦٨.

(٢) جامع بيان العلم وفضله : ص ٣٨٧ رقم ١٨٩٠.

(٣) ميزان الاعتدال : ١ / ٤٣٧ رقم ١٦٢٧. وما بين المعقوفين منه.

(٤) تهذيب التهذيب : ٢ / ١٢٦ ـ ١٢٨.

٧٥

وزياد بن النضر بن بشر بن مالك بن الديّان الحارثي ، ومسلمة بن عبد القاري من القارة من بني الهون بن خزيمة بن مدركة :

إنّ سعيداً كثّر على قوم من أهل الورع والفضل والعفاف ، فحملك في أمرهم على ما لا يحلّ في دين ولا يحسن في سماع ، وإنّا نُذكرك الله في أُمّة محمد ، فقد خفنا أن يكون فساد أمرهم على يديك ، لأنّك قد حملت بني أبيك على رقابهم ، واعلم أنّ لك ناصراً ظالماً ، وناقماً عليك مظلوماً ، فمتى نصرك الظالم ونقم عليك الناقم تباين الفريقان واختلفت الكلمة ، ونحن نشهد عليك الله وكفى به شهيدا ، فإنّك أميرنا ما أطعت الله واستقمت ، ولن تجد دون الله مُلتحداً ولا عنه منتقذاً.

ولم يُسمِّ أحد منهم نفسه في الكتاب وبعثوا به مع رجل من عنزة يكنّى أبا ربيعة ، وكتب كعب بن عبدة كتاباً من نفسه تسمّى فيه ودفعه إلى أبي ربيعة ، فلمّا قدم أبو ربيعة على عثمان سأله عن أسماء القوم الذين كتبوا الكتاب فلم يخبره ، فأراد ضربه وحبسه فمنعه عليّ من ذلك وقال : إنّما هو رسول أدّى ما حُمّل ، وكتب عثمان إلى سعيد أن يضرب كعب بن عبدة عشرين سوطاً ، ويحوّل ديوانه إلى الري ، ففعل. ثمّ إنّ عثمان تحوّب وندم فكتب في إشخاصه إليه ، ففعل. فلمّا ورد عليه قال له : إنّه كانت منّي طيرة ثمّ نزع ثيابه وألقى إليه سوطاً وقال : اقتص ، فقال : قد عفوت يا أمير المؤمنين.

ويقال : إنّ عثمان لمّا قرأ كتاب كعب كتب إلى سعيد في إشخاصه إليه ، فأشخصه إليه مع رجل أعرابيّ من أعراب بني أسد ، فلمّا رأى الأعرابيّ صلاته وعرف نسكه وفضله قال :

ليت حظّي من مسيري بكعبِ

عفوه عنّي وغفران ذنبي

فلمّا قدم به على عثمان قال عثمان : لأن تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه ، وكان شابّا حديث السنّ نحيفاً ثمّ أقبل عليه فقال : أأنت تعلّمني الحقّ وقد قرأت كتاب الله

٧٦

وأنت في صلب رجل مشرك؟ فقال له كعب : إنّ إمارة المؤمنين إنّما كانت لك بما أوجبته الشورى حين عاهدت الله على نفسك في أن تسيرنّ بسيرة نبيّه ، لا تقصّر عنها ، وإن يشاورونا فيك ثانية نقلناها عنك ، يا عثمان إنّ كتاب الله لمن بلغه وقرأه وقد شركناك في قراءته ، ومتى لم يعمل القارئ بما فيه كان حجّة عليه. فقال عثمان : والله ما أظنّك تدري أين ربّك؟ فقال : هو بالمرصاد. فقال مروان : حلمك أغرى مثل هذا بك وجرّأه عليك. فأمر عثمان بكعب فجرّد وضُرب عشرين سوطاً ، وسيّره إلى دباوند (١) ، ويقال : إلى جبل الدخان. فلمّا ورد على سعيد حمله مع بكير بن حمران الأحمري ، فقال الدهقان الذي ورد عليه : لم فُعل بهذا الرجل ما أرى؟ قال بكير : لأنّه شرير ، فقال : إنّ قوماً هذا من شرارهم لخيار.

ثمّ إنّ طلحة والزبير وبّخا عثمان في أمر كعب وغيره ، وقال طلحة : عند غبّ الصدر يحمد عاقبة الورد. فكتب في ردّ كعب رضى الله عنه وحمله إليه ، فلمّا قدم عليه نزع ثوبه وقال : يا كعب اقتص. فعفا رضي الله عنهم أجمعين (٢).

وعدّ الحلبي في السيرة (٣) (٢ / ٨٧) من جملة ما انتقم به على عثمان : أنّه ضرب كعب بن عبدة عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال.

قال الأميني : ألا تعجب في أمر هذا الخليفة؟ إنّ مناوئيه كلّهم في عاصمة الخلافة وبقيّة الأوساط الإسلاميّة خيار البلاد وصلحاء الأُمّة ، كما أنّ من اكتنف به وأغراه بالأبرار هم المتهتّكون في الدين ، المفضوحون بالسمعة الشائنة ، روّاد الشره ،

__________________

(١) بفتح المهملة وتضم ، ويقال : دنباوند ، ودماوند بالميم بدل الموحدة : كورة من كور الريّ [معجم البلدان : ٢ / ٤٣٦]. (المؤلف)

(٢) أنساب البلاذري : ٥ / ٤١ ـ ٤٣ [٦ / ١٥٣ ـ ١٥٥] ، تاريخ الطبري : ٥ / ١٣٧ [٤ / ٤٠١ حوادث سنة ٣٥ ه‍] ، الرياض النضرة : ٢ / ١٤٠ ـ ١٤٩ [٣ / ٧٦] ، شرح ابن أبي الحديد : ١ / ١٦٨ [٢ / ١٦٠ خطبة ٣٠] ، الصواعق المحرقة : ص ٦٨ [ص ١١٤] ، واللفظ للبلاذري. (المؤلف)

(٣) السيرة الحلبية : ٢ / ٧٨.

٧٧

وسماسرة المطامع ، من طُغمة الأمويّين ومن يقتصّ أثرهم ، فلا ترى له سوط عذاب يُرفع إلاّ وكان مصبّه أُولئك الصالحين ، كما أنّك لا تجد جميلاً له يُسدى ولا يداً موفورة إلاّ لأُولئك الساقطين ، فهل بُعث الخليفة ـ وهو رحمة للعالمين ـ نقمةً على المؤمنين؟ أم ما ذا كانت حقيقة الأمر؟ أنا لا أدري لما ذا أسخط الخليفة كتاب القوم فأراد بحامله السوء من حبس وضرب بعد يأسه عن معرفة كاتبيه لو لا أنّ عليّا أمير المؤمنين حال بينه وبين ما يشتهيه ، وهل كان الرجل إلاّ وسيطاً كلّف بالرسالة فأدّاها؟ ولعلّه لم يكن يعلم ما فيها ، وليس في الكتاب إلاّ التذكير بالله ، والتحذير عمّا يوجب تفريق الكلمة وإقلاق السلام ، وإظهار الطاعة بشرط طاعة الله والاستقامة الذي هو مأخوذ في الخليفة قبل كلّ شيء ـ وعليه جرى انتخاب يوم الشورى ـ وإيقافه على مكان سعيد الشابّ الغرّ من السعاية التي خافوا أن تكون وبالاً عليه ، وأخيراً وقع ما خافوا منه وحذّروا الخليفة عنه ، والشهادة لأُولئك المنفيّين بالبراءة ممّا نُبزوا به وأنّهم من أهل الورع والفضل والعفاف ، وأنّ تسييرهم لا يحلّ في دين الله ، ويشوّه سمعة الخليفة.

ولما ذا أغضبه كتاب كعب ، وهو بطبع الحال لدة ما كتبه القوم من النصح الجميل؟ ولما ذا أمر بإشخاصه إلى المدينة وضربه وجازاه على نصحه بجزاء سنمّار؟

فهلاّ انبعث الخليفة إلى التفاهم مع القوم فيما أظهروا أنّهم يتحرّون ما فيه صلاحه وصلاح الأُمّة ، فإمّا أن يُقنعهم بما عنده ، أو يقتنع بما يبدونه ، فيرتفع ذلك الحوار ، وتُدفع عنه المثُلات ، لكنّه أبى إلاّ أن يستمرّ على ما ارتآه وحبّذه له المحتفّون به الذين اتّخذوه قنطرة إلى شهواتهم ، ولذلك لم يتفاهم مع كعب إلاّ بالغلظة فقال له : أأنت تُعلّمني. إلخ. أنا لا أدري موقع هذا الكلام التافه ، هل الكون في صُلب رجل مشرك يحطّ من كرامة الإنسان وقد آمن بالله ورسوله؟ إذن لتسرّب النقص إلى الصحابة الذين نقلوا من أصلاب المشركين وارتكضوا في أرحام المشركات ، وكثير

٧٨

منهم أشركوا بالله قبل إسلامهم ، لكن الإسلام يجبّ ما قبله ، وهل الأصلاب والأرحام إلاّ أوعية؟

ثمّ السبق إلى قراءة الكتاب العزيز هل هو بمجرّده يرفع من قدر الرجل حتى إذا لم يعمل به كما أجاب به وفصّله كعب؟

ولا أدري ما يريد الخليفة بقوله : والله ما أظنّك تدري أين ربّك. هل هو يريد المكان؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيراً ، وأيّ مسلم لا يعرف أنّ ربّه لا يُقلّه حيّز ، فإنّه حريّ بالسقوط ، وما أحسن جواب كعب من قوله : هو بالمرصاد ، فإن كان يريد مثل ما قاله كعب فلما ذا احتمل أنّ مثل كعب الموصوف بالفضيلة والتقوى لا يعرف ذلك؟ وهل يريد عندئذٍ إلاّ إهانة الرجل وهتكه؟

ثمّ ما ذا كان في هذه المحاورة حتى عدّ مروان سكوت الخليفة عنه من الحلم وكلام كعب من الجرأة وثوّر الخليفة على الرجل؟ وهنالك انفجر بركان غضبه فأمر به فجُرّد وضُرِب وسُيِّر ، وعوقب لنصحه وصلاحه ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

لقد أراد القوم أن يزحزحوا التبعة عن عثمان فاختلق كلّ شيئاً من غير تواطؤ بينهم حتى يفتعلوا أمراً واحداً ، ففي ذيل هذه الرواية أنّ الخليفة ندم على ما فعل وتاب بعد توبيخ طلحة والزبير إيّاه واستعفى الرجل فعفا عنه ، ولم يعلم المتقوّل أنّ خليفةً لا يملك طيشه حيث لا موجب له لا يُؤتمن على دين ولا دنيا ، فإنّ من الممكن عندئذ أن يقتحم المهالك حيث لا مُوبّخ فيستمرّ عليها فيهلك ويُهلك ، وإنّ ممّا قاله الخليفة نفسه يوم الدار عن الثائرين عليه : إنّهم يخيّروني إحدى ثلاث : إمّا يقيدونني بكلّ رجلٍ أصبته خطأً أو صواباً غير متروك منه شيء ، فقلت لهم : أمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يُستقد من أحد منهم. إلخ. وهذه الكلمة تعطينا أنّه ما كان يتنازل للإقادة حتى في أحرج ساعاته المشارفة لقتله ، فكيف

٧٩

بآونة السعة وساعة المقدرة. فما يزعمه هذا الناحت لذيل الرواية من أنّه تنازل لكعب لأن يقيده بنفسه لا يكاد يلائم هذه النفسيّة ، ولو كان فعل شيئاً من ذلك لتشبّث به في ذلك المأزق الحرج.

وهناك رواية أُخرى جاء بها الطبري من طريق السري الكذّاب المتروك ، عن شعيب المجهول ، عن سيف الوضّاع المرميّ بالزندقة المتّفق على ضعفه (١) ، عن محمد وطلحة : أنّ كعباً كان يعالج نيرنجاً (٢) فبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقرّ به فأوجعه ، فدعا به فسأله فقال : إنّما هو رفق وأمر يُعجب منه ، فأمر به فعزّر ، وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان : إنّه قد جُدّ بكم فعليكم بالجدّ وإيّاكم والهزّال ، فكان الناس عليه وتعجبّوا من وقوف عثمان على مثل خبره ، فغضب ، فنفر في الذين نفروا فضرب معهم ، فكتب إلى عثمان فيه. فلمّا سيّر إلى الشام من سيّر ، سيّر كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبد الله وكان دينه كدينه إلى دُنباوند لأنّها أرض سحرة ، فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد :

لعمري لئن طرّدتني ما إلى التي

طمعتُ بها من سقطتي لسبيلُ

رجوت رجوعي يا ابن أروى ورجعتي

إلى الحقّ دهراً غال ذلك غولُ

وإنَّ اغترابي في البلاد وجفوتي

وشتميَ في ذاتِ الإلهِ قليلُ

وإنَّ دعائي كلَّ يومٍ وليلةٍ

عليك بدُنباوندكمْ لطويلُ

فلمّا ولّي سعيد أقفله وأحسن إليه واستصلحه ، فكفره ، فلم يزدد إلاّ فسادا (٣). شوّه الطبري صحيفة تاريخه بمكاتبات السري وقد أسلفنا في الجزء الثامن أنّها

__________________

(١) راجع ما مرّ في : ٨ / ٨٤ ، ١٤٠ ، ١٤١ ، ٣٢٦ ـ ٣٣٣ من كلمات الحفّاظ حول رجال الإسناد. (المؤلف)

(٢) النيرج والنيرنج : أخذ كالسحر وليس به. (المؤلف)

(٣) تاريخ الطبري : ٥ / ١٣٧ [٤ / ٤٠١ حوادث سنة ٣٥ ه‍]. (المؤلف)

٨٠