مصدّقا لما معهم فوعدهم بأحسن وجه ، ولكنّهم خالفوا الله تعالى ورسوله وامتنعوا عن المطاوعة للحقّ ، وكان جزاء ذلك أن حرموا من العناية الربوبيّة إلا قليلا منهم ممّن وفّق للإيمان ، وهنا أوعدهم بالسخط والعذاب.
قوله تعالى : (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ).
توعيد آخر مترتّب على الوعيد الأوّل ، أي : إن لم يتحقّق الأمر الأوّل ، يتحقّق هذا لا محالة. واللعن هو الطرد عن الرحمة.
والتشبيه بأصحاب السبت لبيان تهويل الأمر والإغراق في الوصف ، وقد ذكر سبحانه وتعالى أصحاب السبت في آية اخرى ، قال تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ* فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [سورة البقرة ، الآية : ٦٥ ـ ٦٦] ، وأصحاب السبت الذين ذكرهم الله عزوجل في قوله : (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ) [سورة الأعراف ، الآية : ١٦٣] ، وسيأتي ذكر أخبارهم إن شاء الله تعالى.
و (أو) في الآية الكريمة على ظاهرها من التنويع والترديد ، والاختلاف بين الوعيدين ظاهر ، فإنّ الأول يوجب تغيير الخلقة الأصليّة بأن ينصرف عن فطرته التي فطر الله عليها الإنسان في كفاحه وجهاده في الدنيا ، نظير ما ورد في آكل الربا (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) [سورة البقرة ، الآية : ٢٧٥] ، فراجع ما ذكرناه هناك ، وأمّا هذا الوعيد ـ وهو اللعن كلعن أصحاب السبت ـ فهو يوجب البعد عن الرحمة وسلب التوفيق والرجوع إلى الخلقة الحيوانيّة ، التي ليس لها غرض إلا الأكل والنوم والسفاد ، فقد سلب عنه الكمالات المعنويّة المعدّة للإنسان ، مضافا إلى أنّ الوعيد الأول لا يعمّ الجميع ، وإنّما يختصّ ببعض القوم ، بخلاف الثاني فإنّه سيعمهم إن تمرّدوا عن الامتثال ، كما هو المستفاد من إرجاع ضمير الجماعة «نلعنهم» الى جميع الأفراد.
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٨ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4074_mawaheb-alrahman-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
