وجرى مجرى أن تقول : «أدركت حرارة كذا بأنفي أو أذني» في أنّه يؤيّد ما يقتضيه ظاهر تعلّق الإدراك بالأنف والأذن مع الإطلاق.
على أنّ الآية إذا اقتضت نفي إدراك الأبصار عنه تعالى ، فيجب أن تنفي ذلك على كلّ وجه يضاف إلى البصر ، فبقي أن يكون مرئيا بالبصر ، ومدركا به على سبيل إدراك الحرارة وغيرها ، وهذا بيّن في سقوط السؤال.
وأمّا الّذي يدلّ على أنّه تعالى يمدح بنفي الإدراك عن نفسه ، فهو إجماع الأمّة ؛ لأنّه لا خلاف بينها في ذلك ، وإنّما اختلفوا في كيفية تمدّحه :
فقال قوم : إنّه تمدّح بنفي الإدراك عن نفسه ، والإدراك غير الرؤية.
وقال آخرون : إنّما تمدّح بنفي الرؤية عنه في الدنيا دون الآخرة.
وقال آخرون : إنّه تمدّح بنفي إدراك هذه الحاسة له ، وان صحّ أن يرى بحاسّة سادسة.
وقال أهل الحقّ : انه تمدّح بنفي الإدراك الذي هو الرؤية عن نفسه على كلّ وجه وفي كلّ حال.
وهذا إجماع لا يقدح فيه خلاف من نعلمه أن يخالف فيه حادثا ؛ لأنّ ذلك يقتضي استقرار إجماع على شيء من الأشياء.
على أنّ سياق الكلام ، وترتيب الآيات الثلاث إلى قوله تعالى : (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، يقتضي كون جميع ما تضمّنه الكلام من نفي وإثبات مدحا ؛ لأنّ العادة لم تجر للعرب الذين خوطبنا بلسانهم ، أن يتمدّحوا بخطاب على هذا النسق ، ويحلّلوا بينه وبين ما لا يقتضي المدح ولا له مدخل فيه.
فأمّا الذي يدلّ على أنّه تعالى يمدح بما يرجع إلى ذاته ، دون ما يكون أن يكون متفضّلا به ، فهو أنّ الإدراك ليس بمعنى على ما دللنا عليه ، فيصحّ أن يقال : إنّه تمدّح بألّا يفعله على سبيل التفضيل ، ولم يبق بعد ذلك ألّا يكون التوجيه أنّه في نفسه على صفة يستحيل معها إدراكه ، وما تقتضيه ذاته لا يصحّ
![تفسير الشريف المرتضى [ ج ٢ ] تفسير الشريف المرتضى](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3794_nafaes-altawil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
