قلنا : قد ثبت أنّ أهل اللغة لا يفرّقون بين معنى قولهم «أدركت ببصري» و «رأيت» ، ومن ادّعى فرقا بين الأمرين مدّع لما ليس بمعروف عندهم ، وهو بمنزلة من عكس كذلك ، وادّعى أنّ المتناولة للشيء من جميع جهاته هي الرؤية ، والإدراك بخلافها في هذا المعنى ، على أنّ هذا القول يوجب ألّا يوصف أحد منّا بأنّه مدرك لشيء من الأجسام في الحالة الواحدة ؛ لأنّه لا يراها من جميع جهاتها ، وكذلك كان يجب ألّا يوصف بأنّه يرى السواد ؛ لأنّه لا جهات له ، وفي علمنا بخلاف ذلك دليل على فساد هذا القول.
فإن قيل : كيف يصحّ ما ادّعيتموه من أنّ الإدراك إذا قيّد بالبصر ، لم يفد إلّا الرؤية ، ونحن نجدهم يقولون : «أدركت حرارة الميل ببصري» ، وإذا صحّ هذا جاز أن يكون النفي بالآية هو هذا الضرب من الإدراك؟
قلنا : أول ما في هذا السؤال انّا لا نعرف ما تضمّنه مستعملا في لغة العرب ، ولا يقدر المتعرض به أن ينشد فيه شعرا لهم ، أو يروى به خبرا عنهم ، فعلى معتمدهم أن يصحّح روايته حتى يلزمنا الكلام على معناه.
على أنّ ذلك لو كان مستعملا معروفا ، لم يقدح فيما اعتمدناه ؛ لأنّ الإدراك الحاصل بالبصر على ضربين :
أحدهما : يختصّ البصر بأنّه آلة فيه ، وهو الرؤية.
والضرب الآخر : حكم البصر فيه ، وكلّ محلّ للحياة حكمه واحد ، وهو إدراك الحرارة وما يجري مجراها.
فالإدراك متى أضيف إلى البصر أو أطلق ، لم يعقل منه إلّا الرؤية التي تختصّ البصر بأنّه آلة فيها ، كما أنّ الإدراك إذا أضيف إلى البصر أو الأذن وأطلق لم يعقل منه إلّا ما يختصّ هاتان الجارحتان ، بكونهما آلة في إدراكه ، وما سئلنا عنه بخلاف ذلك ؛ لأنّ القائل إذا قال : «أدركت حرارة الميل ببصري» فقد علّق الإدراك بالحرارة التي لا تكون البصر آلة في إدراكها من جهة الرؤية ، وصار هذا التقييد مزيلا لما يقتضيه ظاهر إضافة الإدراك إلى البصر مع الإطلاق ،
![تفسير الشريف المرتضى [ ج ٢ ] تفسير الشريف المرتضى](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3794_nafaes-altawil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
