من خلال (الضد) لها. فلو أردنا أن نتناول إحدى قصص القرآن الكريم مثلاً ، ولتكن قصة (أهل الكهف) ؛ لملاحظة قيمتها الفكرية والفنية ، للاحظنا أن مقارنتها بالقصص التي (تماثلها) وبالقصص التي (تضادها) ، سوف تساهم بتجلية المزيد من قيمتها. فمثلاً هناك في سورة الكهف أكثر من قصة تنتظم السورة المذكورة ، منها : قصة صاحب الجنَّتين ، وقصة ذي القرنين ... القصة الأولى تتحدّث عن مُزارع يمتلك مزرعتين معيَّنتين ، إلاَّ أن صاحبها لم يتسم بطابع الشخصية الواعية لمبادئ الإيمان ، فنجدها قد ركبت رأسها ، وخيَّل إليها أن المزرعتين سوف تحتفظان بحيويتهما ولن تبيدا أبداً ، حتى حملها هذا الغرور على أن تشرك بالله. بينا نجد أن القصة الأخرى (قصة ذي القرنين) تتحدّث عن بطلٍ مَلَكَ مشرق الدنيا ومغربها (لا أنه مَلَكَ مجرد مزرعتين صغيرتين) لكنه لم يحتجزه هذا المُلك عن السلوك العبادي المفترض عليه بقدر ما عمّق يقينه بالله ، على العكس تماماً من صاحب الجنتين الذي ساقه مجرد الإشباع الضئيل إلى أن يستجيب حيال الله استجابة مرضية. والآن ، حينما نقوم بعملية (مقارنة) بين قصة أهل (الكهف) وبين هاتين القصتين ، نجد أن (المقارنة) ستساهم بتجلية القصة الأولى وتعميق مفهومها للقارئ : مثلاً أبطال الكهف يشكّلون نموذجاً للشخصية التي نبذت زينة الحياة الدنيا ، بحيث تركوا كل أنماط المتاع الدنيوي واتجهوا إلى الله ، من خلال اللجوء إلى أشد المواقع بعداً عن الحياة ، وهو (الكهف) ، حيث هتفوا قائلين : (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا). لكننا حينما نقارن هؤلاء الأبطال ـ من خلال (الضد) ـ بصاحب الجنتين ، نجد أن هذا الأخير يمارس سلوكاً مضاداً لأبطال الكهف ، فإذا به يهتف : (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) أي أنه بدلاً من أن يتجه إلى الله كما فعل أصحاب الكهف ، اتجه بدلاً من ذلك إلى (الشيطان) ، تشبثاً بزينة الحياة الدنيا ، بينما نبذ أصحاب الكهف الزينة المذكورة كما لحظنا.
وأما لو قمنا بعملية (المقارنة) من خلال (التماثل) ، فحينئذٍ يمكننا أن نوازن بين أبطال الكهف وبين ذي القرنين ، في تماثلهما من حيث الوعي العبادي. فهذا الأخير بعد أن هيمن على مشرق الأرض ومغربها ، هتف قائلاً : (هذَا رَحْمَةٌ مِن رّبّي) ، وأبطال الكهف حينما قرّروا اللجوء إلى الكهف هتفوا : (رَبّنَا آتِنَا مِن لّدُنكَ رَحْمَةً) أي أن كليهما تعامل مع (رحمة) الله : ذلك من خلال التقرير ، وهؤلاء من خلال الطلب ...
إذن : حينما يتجه الدارس إلى عنصر (المقارنة) ، فيتوكّأ على الظواهر (المتماثلة) أو (المتخالفة) مع موضوع بحثه ، إنما يسعف القارئ على تعميق إدراكه للموضوع ، بالنحو الذي لحظناه في نموذج (المقارنة) القصصية.
والمقارنة يمكننا أن نتصورها على جملة أنحاء ، منها :
١ ـ المقارنة الموضعية.
