الشِعرُ والتجربة الجنسية
بالرغم من أنّ التجربة الجنسية ـ التي أشرنا إلى ارتباط بعض التشكيلات الصوتية بها ـ لا تخصّ شكلاً فنياً دون غيره ، إلاّ أنّها اقترنت ـ في تاريخ الشعر ـ بأحد اتجاهات (التشبيب) ، وإلاّ فإنّ القصة أو المسرحية أو أي شكل فنّي ، يظل موسوماً بنفس تجارب الجنس ، بصفته واحداً من الموضوعات التي تشترك جميع الأشكال الفنية في تناولها.
إنّ التصوّر الإسلامي للجنس يحصر مشروعيته في ممارسة واحدة هي : الزواج ، بكل ما يواكبه من سلوك رسمته الشريعة الإسلامية فيما لا يخصّ دراستنا الآن ، ... يعنينا من ذلك تمرير هذه التجربة من خلال (الفن) فحسب.
ومعلوم أنّ التجربة الجنسية شيء ، وتجسيدها في عمل (فني) شيء آخر ، فالفن ـ في بعض مستوياته ـ : اصطناع لتجربة ذهنية صرف ، لا علاقة لها بأعمال الفنان ، بمعنى أنّ الفن لا يجسّد تعبيراً حقيقياً عن أعمال كاتبه ، بل هو عمل ذهني قد يعبّر حيناً عن (معاناة) حقيقية وقد لا يعبّر عن ذلك. ولعلّ الشعر العربي الموروث ـ على سبيل المثال ـ مظهر واضح للحقيقة المتقدّمة ، حيث تستهلّ القصائد تجربتها بأفكار جنسية مصطنعة تمثل مجرّد (تقليد) فنّي لا أكثر.
والسؤال هو : هل أنّ التعبير عن الأفكار الجنسية ـ يلتئم مع التصور الإسلامي لهذا الدافع أم لا؟
بعض الفقهاء ـ على سبيل المثال ـ في معرض حديثهم عن المكاسب المحرّمة ، يتناولون تجربة الجنس من خلال الغزل أو التشبيب ، حيث يعرضون الأدلّة المبيحة أو المتحفّظة أو المانعة من ممارسة ذلك.
إلاّ أنّ تصوّرنا حيال ذلك هو : أنّ الفن سواء كان تعبيراً مصطنعاً عن أفكار صاحبه ، أم كان تعبيراً حقيقياً عنها ـ لابدّ أن نعرضه في ضوء التصوّر الإسلامي لقضية الجنس ، من حيث مشروعية إبراز تجربته (لفظياً) إلى الآخرين. فإذا قلنا بأنّ (الغزل) أو (التشبيب) إسلامياً لا غبار عليه ، حينئذٍ لا غبار على تجسيده (فنياً) أيضاً ، وأمّا إذا قلنا بأنّ ذلك لا يلتئم من الخط الإسلامي ، حينئذٍ فلابدّ أن ينسحب ذلك على (الفن) أيضاً.
