تعديل السلوك.
طبيعياً ، الإفادة المذكورة تحقَّق ـ بطريق أولى ـ حينما يدرس الناقد الإسلامي نصاً معاصراً خلال طرحه في البيئة الاجتماعية التي أفرزته.
المهم ، أن وضع النص في إطاره الاجتماعي أو التاريخي ، يتمّ من خلال مستويات متنوعة ـ كما قلنا. فإذا تجاوزنا قضية استثمار البعد الاجتماعي وتوظيفه عبادياً ، أمكننا أن نقرّر بأن ذلك يتطلّب التوفّر على مختلف المستويات الاجتماعية بالقدر الذي تستلزمه ، وهو أمر يستتلي :
١ ـ تحقيق النص من حيث تصحيح نسبته إلى قائله ، ومن حيث سلامته من التحريف أو الخطأ ونحوهما.
إن انتحال النص أو تحريف بعض فقراته ، أو زيادته أو نقصانه .. يستتلي الوقوع في عملية (تشويه) للحقيقة ، وهو أمر يتنافى مع الأمانة التي تطبع الشخصية الإسلامية.
٢ ـ وضع النص في جميع الأطر التي يشّع بها : ثقافياً ، سياسياً ، اقتصادياً ، وجغرافياً ... إلخ ؛ بصفة أن إهمال بعض الجوانب يدع الدراسة بتراء ، حيث ينعكس ذلك على طبيعة التفسير الذي يستخلصه الناقد.
٣ ـ عرض النص على البيئة الاجتماعية ، وعرضها عليه أيضاً حتى يضاء أحدهما بالآخر ؛ استكمالاً لصحة التفسير الذي يقدّمه الناقد الأدبي.
هذا فيما يتصل بالتفسير الاجتماعي.
أما ما يتصل بالتفسير الفنّي ، فينبغي إخضاع النص ل ـ (النسبية) في التقويم ؛ بصفة أننا لا يمكننا أن نطالب الشاعر الذي يكتب القصيدة قبل ألف عام مثلاً ، أو في حقبة تاريخية سابقة لعصرنا الحديث : لا يمكننا أن نطالبه بتصوراتنا الفنية المعاصرة ، بل نتعامل مع النص بأدواته ومبادئه التي خبرها مجتمعُه. لكن لا يعني هذا أن يتخلّى الناقد عن معاييره الفنية الحديثة ، وإلاَّ انتفت الحاجة إلى النقد أساساً ، وأصبحت الدراسة مكرورة ، تتحدّث بنفس المستوى الذي تحدّثت عنه دراسات متزامنة لعصر الشاعر ، بل لا مناص للناقد من أن يستخدم المعايير الحديثة أيضاً ، لكن من خلال اكتشافه للقيم الفنية والفكرية التي عجز القدماء من النقاد عن اكتشافها بحكم القصور الثقافي لديهم.
٤ ـ (مقارنة) النص المدروس مع نصوص أخرى سابقة أو متزامنة أو لاحقة عليه ، ... إن (المقارنة) بين النصوص المختلفة التي تحوم على (الموضوع) الذي نعتزم دراسته ، من أهم عناصر البحث التاريخي ؛ بصفة أن مقارنة الشيء بما يماثله من جانب ، وبما يضاده من جانب آخر ، إنما تساهم في بلورة الموضوع وإنارة جوانبه بنحو تام. فعن طريق (التماثل) أو (التشابه) بين الأشياء ، يمكننا أن نرصد الظواهر المشتركة بين (موضوع) الدراسة والموضوعات الأخرى ، كما يمكننا عن طريق (التضاد) رصد الظواهر غير المشتركة فيها ، طالما نعرف أن كثيراً من الموضوعات لا تبرز قيمتها إلاَّ
