اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ ...). فهذا الحوار (خارجيٌ) يوجّه نوحٌ من خلاله الكلامَ إلى قومه. لكنَّه بعد ذلك يتّجه نوح بكلامه إلى الله (تعالى) : (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا ...) ، (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا ...) ، (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) ، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ ...). فالمُلاحَظ هنا أنَّ نوحاً ينقل إلى الله كلامه مع قومه ، والنص القرآني ينقل لنا كلام نوحٍ مع الله. فنوح هنا (قاص) ينقل للسماء قصصه مع قومه ، والنص القرآني بدوره (قاص) يعرض لنا قصص نوحٍ للسماء ... وهكذا. إذن ، نحن حيال هيكل من (الحوار) له تفرّده وحيويته الفنية ، حينما يدعنا ـ نحن القرَّاء ـ نقف على طريقة نوح في أداء الرسالة وبلسانِه نفسه : حيث يتحدّث مباشرة عن ذلك : مع الله ، لا أنّ النص هو الذي ينقل (الكلام) ...
الحوار الجمعي ، والداخلي :
هناك نمط من الحوار الذي تطبعه سمة (الجماعة) التي تتحدّث فيما بينها ، دون أن يصاحبه (ردّ) ، أي : أنَّه مجرد (حديث) ، يتعاون المجموع في نقله داخل التجمّع ، لا أنَّه حديث مع الآخرين ، وردّ عليه ، بل هو حوار أُحادي الجانب : كما لو كان هناك مجلس يتحدَّث فيه جماعة عن قضية معينة ... وهذا النمط من الحوار له جماليته الفائقة أيضاً ؛ من حيث كونه يجسّد حيويّة المجلس الذي يتحاور القوم فيه ، أي أنَّه ينقل لنا صورة واقعية عن كلام قوم ، وكأن القارئ حاضرٌ داخل مجلسهم يستمع إلى وقائع هذا المجلس. وأوضح نموذج لهذا النمط في الحوار الحي هو :
قصة الجن :
في سورة الجن ، تواجهنا قصة تعتمد (الحوار) الخالص شكلاً قصصياً لها ، دون أن يتخلّلها أي سرد عدا نهاية القصة ، وهذا واحدٌ من أنماط البناء القصصي الذي يجسّد الشكل الثالث منه ، أي القصة التي تعتمد الحوار وحده ، مقابل ما تعتمد السرد لوحده ، وما تعتمد كلاً منهما. المهم أنّ القصة تبدأ بهذا النحو : (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ...) ، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا * وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ...). إنّ هذا النمط من (الحوار) يبدو وكأنَّ البطل هو نفسه (قاص) ، يسرد لنا (بضمير المتكلم) تفاصيل العمليات الفكرية التي يحياها. وأهمية مثل هذا الحوار ـ كما قلنا ـ أنَّها تضعنا وجهاً لوجه
