الأدب التشريعي
بالرغم من أن نصوص الكتاب والسّنة ـ بصفتها (دستوراً) كُتبَ بلغةٍ مباشرة ـ تتعامل مع الحقائق وفق أداءٍ (علمي) ، دون أن تتوكّأ على عناصر (التخيّل) و (الإيقاع) ونحوهما من أدوات التعبير (الفنّي) .. بالرغم من ذلك ، فإن النصوص الشرعية لم تقتصر في لغتها على الأداء (العلمي) وحده ، بل نلحظ أنّ غالبيّتها قد روعيَ فيها (الأداء الجمالي) أيضاً. والسّر في ذلك لا يعود إلى مجرّد توافق هذا النمط من العناية بجمالية النصوص مع البيئة الأدبية التي ألِفَتْها الحياة عصرئذٍ فحسب ، بل يعود أيضاً ـ وهذا ما يميّز اللغة الشرعية ـ إلى ملاحظة الأهمية التي يفرزها (الفن) في ميدان الاستجابة البشرية لمختلف الظواهر : من حيث تعميقه وبلورته للدلالة التي يستهدفها النص الشرعي.
إن للفن علاقته بـ(البُعد العاطفي) الذي يمكن استثماره في تمرير الحقائق التي يحرص الشرعُ على توصيلها إلى الأذهان ، حيث يشكّل كلٌ من البعد (العاطفي) و (العقلي) وجهين لعملية (الإدراك) ، كلّ ما في الأمر أن استخدام (البُعد العاطفي) وفق نِسَب محدَّدة ، يظل مرتبطاً بمدى قدرات الكُتّاب (الأرضيين) وعدمها على تحقيق ذلك. وهذا على العكس من النصوص (الشرعية) التي تمتلك ناصية اللغة وأدواتها ودلالاتها تبعاً لمعرفتها بالتركيبة الآدمية وطرائق استجاباتها ، ومن ثَم تستخدم (البُعد العاطفي) بنسبة معيّنة لا تتجاوزها ، محقّقة بذلك تآزرَ كلٍ من (البُعد العقلي والعاطفي) في مُجمل استجابة الإنسان للظواهر ، بحيث لا تقف بالقارئ والسامع عند عتبة (المنطق) وجفافه ، ولا بجموح (الانفعال) ومفارقاته ، بل توشّح كل ما هو (عقلي) بنثارٍ من (العاطفة) الرصينة ، وهو ما يطبع التعبير ـ أيَّاً كان ـ بسمة (الفن).
إن هدفنا من هذه الدراسة السريعة هو : إبراز القيم الفنّية في نصوص (الشرع) ، ومحاولة رصدها ـ ولو عابراً ـ في مختلف أشكال التعبير ، مع ملاحظة أن النصوص الشرعية تبقى منحصرة في (النثر) بطبيعة الحال ، مادام (الشعر) لا وجود له في القرآن ، ومادام النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت عليهمالسلام لم يتوفّروا على كتابة الشعر. وأما ما ينسبه المؤرّخون من الشعر
