العنصرُ الإيقاعي
يُقصد بـ(الإيقاع) : الأصوات التي تنتظم في شكل خاصّ من التعبير ، بحيث يبتعث الإثارة والإمتاع والإحساس بالجمال عند المستمع. وبكلمة مبتذلة : يُقصد به ما يطلق عليه اسم (الموسيقى) في اللغة المألوفة.
إنّ الإيقاع يعدّ من أهم السمات التي تميّز (الفن) عن سواه ، من حيث الشكل الخارجي له ؛ ولعلّ سرّ ذلك مرتبط بطبيعة التركيبية البشرية التي تقوم حركاتها وتعبيراتها على أساس من الانتظام في الحركة الجسمية ، وفق العبارة المنطوقة.
وإذا كان (الفن) قائماً على أساس انفعالي أو عاطفي ، فإنّ الإيقاع يظلّ واحداً من أشدّ الأشكال تعبيراً عنه ، بصفة أنّ العاطفة تُستثار حينما تواجه (منبّهاً) يلّح على وجدان الشخص أو تركيبته النفسية ، وهي تركيبة قائمة على أساس (منتظم) في الحركة والنطق كما أشرنا. ولعلّ الإثارة التي تبتعثها أناشيد الحماسة مثلاً ، أو الخطب الخاصّة ، أو القراءة المنغّمة والمرتّلة ، تفسّر لنا صلة ذلك بالتركيبة البشرية المشار إليها. من هنا ، فإنّ النص القرآني الكريم أخذَ هذا الجانب الإرثي من الشخصية بنظر الاعتبار ، حيث تحتشد عباراته بصنوف مختلفة من الإيقاع المدهش ، كما تحتفظ بنسبة ضخمة جداً من العنصر المذكور إلى الدرجة التي تلفت الانتباه ، حتى إنّنا لا نكاد نمرّ بسورة ، أو مقطع ، أو حتى الآية المفردة ، إلاّ ونجدها ذات طابع إيقاعي خاصّ ، وهو أمر يفسّر لنا أهمية هذا العنصر وضرورته التي لا مناص منها في العمل الفنّي.
طبيعياً ثمّة فوارق بين نمَطين من الإيقاع : أحدهما يتسم بالضرورة الفنية التي أشرنا إليها ، بينا يتّسم النمط الآخر من الإيقاع بسمة معكوسة تماماً ، أي الحظر التشريعي له ، حتى ليصل ذلك إلى درجة الحرمة وليس مجرّد الكراهة (وهو أمر نتحدّث عنه مفصّلاً ، عند معالجتنا لظاهرة الغناء التي حرّمها المشرّع الإسلامي تحريماً قاطعاً).
المهم : أنّ النمط المتَّسم بالضرورة الفنية ، يمكن ـ في ضوء النصوص الفنية التشريعية ـ استخلاص مبادئه أو أشكاله متمثِّلة في : جرس العبارة ، التجانس ، التوازن.
ونقصد بـ(الجرس) : طبيعة الحروف التي تتنظم في كلمة (بما أنّها منطوقة) ، وتأخذ سياقاً خاصاً
