الخاطرة ... :
تجسّد (الخاطرةُ) ـ في حقل الأدب ـ (إحساساً) مفرداً حيال أحد الموضوعات. ونقصد بـ(الإحساس المفرد) ما يقابل (الفكر المركّب) ، فيما يتناول موضوعات ذات طابع تفصيلي يعتمد أدوات الفكر الاستدلالي في صياغة الشكل الفني. وهذا بعكس (الخاطرة) التي تعني مجرّد (إحساس) يتّسم بالتأمل السريع لإحدى الظواهر ، مع تسليط ضوءٍ فكري مركّز عليه ، وحصْرِها في نطاق محدد من التناول.
أما (هيكل) الخاطرة ، فيصاغ وفق عبارة قصيرة مصوِّرة جميلة ، أي : ذات انتقاءٍ صوتي (إيقاعي) من حيث تجانس وتآلف الحرف والمفردة والفقرة ، وذات عنصر (تخيّلي) يعتمد الصورة أو المأثور اليومي ، تعبيراً عن الإحساس الذي تقوم عليه (الخاطرة). إنها ـ في هذا الصدد ـ لا تختلف عن سائر أشكال التعبير الفنّي ، من حيث اعتمادها عنصر (الصوت) و (الصورة) و (البناء) أساساً لهيكلها الفنّي. بَيْد أنَّها تتميّز بكونها (إِحساساً سريعاً) حول أحد الموضوعات ، حيث تستتلي سرعة هذا الإحساس شكلاً فنيّاً يقوم على حجم صغير من التناول ، وعبارة قصيرة أو متلاحقة ، مفعمة بالتساؤل والاستطلاع ، أو السرد والعرض المجرّدين لهذا الإحساس أو ذاك.
وأهمية هذا الشكل الفني تتمثّل في كونها تتساوق مع حركة الإنسان ، التي تواجه يومياً أكثر من ظاهرة أمامها عبْر ممارستها أحد الأعمال ، فقد يستوقفها حادث اصطدام ، أو مرور جنازة ، أو مصافحة بين صديقين ، أو أذان المسجد ، أو رائحة شواء ، أو صراخ الباعة ، أو مجرد سماعها لنبأ أو مشاهدتها لظاهرة كونية ... أمثلة هذه (المواجهة) العابرة التي تخطف كلاً منّا يومياً ، تقترن ـ كما هو واضح ـ بإحساسٍ عابر ، وتتطلّب ـ كما هو واضح أيضاً ـ حجماً قصيراً لا يتجاوز الأسطر ، وشكلاً فنياً متطابقاً مع تموجّات الإحساس الذي تستثيره مثل هذه المواجهة. ولا يخفى أيضاً أن لظهور الصحافة في العصور الحديثة أثره في حمل الكتّاب
