بناء القصة القرآنية
القصة بنحوٍ عام تخضع ـ كما نعرف ـ لأبنية مختلفة. فهناك الشكل المألوف الذي يُعَرض عبر (بداية) هادئة تتطوّر الحوادث بعدها حتى تصل إلى (الذروة) ، ثم تنحدر إلى (نهايتها). هناك القصة النفسية التي ظهرت ، بأوضح صورها ، في العقد الثالث من هذا القرن ، مُفيدةً (من مكتشفات علوم النفس) في صياغة الأبنية غير الخاضعة لمنطق الظواهر الخارجية ، بقدر خضوعها لما يُسمّى ب ـ (المجال النفسي) ، ثم تطورت بعد الحرب الثانية إلى أبنية أكثر تحرّراً من سابقتها ، حتى وصلت إلى أعقد الصيغ في سنواتنا المعاصرة. بَيْد أن (البُعد النفسي) في الحالات جميعاً ، يظلّ هو المتحكّم ـ الواقع عبر أحدث أشكال القصة ، حتى تسرّبه في أشكال القصة الموروثة أيضاً. أما فيما يتصل بالقصة القرآنية ، فإن البُعد النفسي المذكور يظل هو الطابع الجمالي لها ، مادامت العمليات النفسية هي الإفراز الذي يحدّد نمط البناء ، فيما لا يبقى للهيكل القصصي الموروث أو الحديث أيّما تميّز أو تفاضل إلاَّ بقدر إفصاحه عن البعد النفسي لأحداث القصة ومواقفها. المهم (كما سبق الحديث عن السورة القرآنية أيضاً) أن للقصة القرآنية عمارة خاصة تتواصل جزئياتها بنحو من التلاحم الحيّ من مقدمتها ووسطها ونهايتها. بحيث تُصبح كل جزئية إنماءً لسابقتها ، أو مفصّلة لها ، أو مسبّبة عنها ، أو مُجانسة لها : في خضوعها للخيط (الفكري) الذي تستهدفه القصة : بغض النظر عن هيكلها المنتسب إلى شكلٍ موروث أو معاصر.
ولنتقدم بنموذج :
قصة طالوت :
قصة طالوت في سورة (البقرة) تتحدّث عن جماعة من وجهاء الإسرائيليين ، تقدموا ذات يومٍ بطلبٍ إلى أحد أنبيائهم ، بأن يرسل الله إليهم شخصيّة عسكرية ينضوون تحت لوائها لتخليصهم من الذلّ الذي لحقهم من تشريدٍ وسبيٍ وغيرهما. إِلاَّ أن نبيّهم شكّك بصدق ادعائهم الذاهب إلى أنهم مستعدون للقتال. لكنهم أكّدوا عليه استعدادهم في هذا المجال.
