من حيث معرفة (المبدع) بما في الصدور وامتناع ذلك عند القاص البشري ؛ الأمر الذي يجعل لعنصر (السرد) في كشفه عن الأعماق نفس (الفاعلية) الموجودة في (الحوار). بَيْد أنّ القصة القرآنية ـ على الرغم من ذلك ـ تدع البطل يتحدّث مع غيره ، أو مع نفسه : بغية توفير عنصر (الإقناع) من جانب ، وتحقيق المتعة الفنية التي يتطلّبها شكل القصة من جانب آخر.
وسلفاً ، ينبغي أن نوضح بأنّ (الحوار) القرآني يتخذ ـ كما قلنا ـ أشكالاً متنوّعة ، بعضها متوفرٌ في القصة الأرضية وبعضها الآخر غير متوفر فيها. فهناك الحوار الخارجي متمثّلاً في محادثة الشخص مع آخر أو مع مجموعة ، وهناك الحوار الجمعي المبهم ، وهنالك الحوار المحدّد. فضلاً عن (حوار) خاص مع (الله) ، وحوار مع (النفس) ، ومجرد (تفكير) يأخذ سمة الحوار ، وفضلاً عن (الحوار) مع الأجناس غير البشرية ... إلخ. المهم أنّ (الموقف) هو الذي يحدّد نمط (الحوار) الذي تستخدمه القصة القرآنية. ونبدأ بالحديث عن :
الحوار الداخلي :
قلنا إنّ هناك حالات تتطلّب من البطل أن يتحدّث فيها مع نفسه ، وهذا الحديث قد يكون مجرد (تفكير) ، أو حديثاً بالفعل ، لكنّه موجّه إلى الداخل ، ولكلٍ منهما ـ كما هو واضح ـ متطلّباته النفسية. ولنأخذ نموذجاً على ذلك :
قصة الأبرار :
هذه القصة التي تنقلها سورة (الدهر) تتحدّث عن (بيئة الجنة) ، وهي تمثّل نموذجاً لقصص البيئة التي سنتحدث عنها لاحقاً ، لكن يعنينا منها هذا الحوار المسبوق بالسرد : (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ ...). القصة تتحدّث عن (الجنّة) وموقع (الأبرار) فيها ، وبطريقة فنية في التعامل مع الزمن تنتقل من بيئة (الجنة) إلى بيئة (الدنيا) ، فتنقل عن الأبطال بأنّهم كانوا يوفون بالنذر ويخافون الحساب ويطعمون الطعام لوجه الله. ثمَّ تقطع القصة عنصر (السرد) وتدع الأبطال بأنفسهم يتحدّثون عن حقيقة سلوكهم الذي استحقوا عليه الموقع المذكور من الجنة ، وهاهم الأبطال (يفكرون) بهذا النحو :
(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا). إنّ هؤلاء الأبطال عندما قدّموا طعامهم إلى الفقراء لم يقولوا لهم : إنّما نطعمكم
