إن بعض المواقف تتطلّب رصد أفكار جزئية من النص ، كما لو حاولنا ـ على سبيل المثال ـ أن ننتزع من السورة القرآنية (وهي أساساً تقوم على هيكل عماري محكَم) العنصر القصصي ، أو الصوري أو الإيقاعي أو الفكري (ظاهرة الجهاد ، الإنفاق ، .. إلخ) ، حينئذٍ فإن التناول الجزئي المذكور قد يفرض ضرورته ، كما لو استهدفنا الحديث عن (الجهاد) أو (الإنفاق) ـ مثلاً ـ حيث تفرض المهمة العبادية على الناقد أن يعنى بهذا الجانب السياسي أو الاقتصادي من النص ، لكن دون أن يحتجزه ذلك من التناول الفني للظاهرة كما لو وصل بين إحدى الصور الفنية للإنفاق مثلاً (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ...) وبين الأهمية العبادية للإنفاق ذاته ، ويكون الناقد ـ بهذا التناول الجزئي ـ قد حقّق مهمته العبادية من خلال اللغة الفنية التي توفّر عليها ، كما هو الأمر في المثال السابق. وقد يستدعي الموقف إبراز الظاهرة الإعجازية للقرآن الكريم مثلاً ، حينئذٍ بمقدوره أن يتحدّث عن السورة كاملة من حيث كونها عمارة محكمة تتلاحم أجزاؤها بعضا مع الآخر.
إذاً : في الحالات جميعاً ، تظل تجزئة النص أو وحدته محكومة بمتطلّبات الموقف (العبادي) للناقد ، دون أن يترتّب على ذلك أي إخلال بمهمته الفنية أيضاً ، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه.
لغة النقد
والآن ، بعد أن ألممنا عابراً بطبيعة النقد وقضاياه ، يحسن بنا أن نعرض ل ـ (لغة النقد) من حيث التصور الإسلامي لهذا الجانب.
إن عملية (النقد) بنحو عام ، وجدت لها نماذج (شرعية) لدى المعصومين عليهمالسلام ، فالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة عليهمالسلام طالما ثمّنوا مواقف الشعراء وأغدقوا عليهم الهدايا ؛ تعبيراً عن (الحكم) على نتاجهم ، أي الحكم بالجودة على ذلك ، ممّا يعين أن نقد النص من خلال إظهار محاسنه (وهو أحد عناصر التقويم الثلاثة : إظهار المحاسن ، إظهار المساوئ ، الوقوف عند التحليل والتفسير فحسب) يظل أمراً مشروعاً ، بل يمكن القول بأنه يظل أمراً (مندوباً) ، طالما يقتاد التقويم الايجابي إلى تشجيع الفنان لمواصلة المزيد من وظيفته الإسلامية.
كما أن التقويم السلبي (أي إظهار المعائب) وجد له نماذج شرعية أيضاً ، حيث إن المعصومين عليهمالسلام كانوا يقترحون على الشاعر أن يستبدل بيتا بآخر مثلاً ، أو يطالبونه بإلقاء الموضوعات الهادفة فحسب ، وعدم قراءة مقدمة القصيدة التي تستهل ، وفقا للتقاليد الفنية عصرئذٍ ، بالغزل ونحوه. إن أمثلة هذه الاقتراحات تفصح عن أن ملاحظة النص من حيث جوانبه السلبية ، يظل أمراً له مشروعيته أيضاً ، بخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن ملاحظة الجانب السلبي والتنبيه عليه في مطلق السلوك ، يظل في الصميم من توصيات المشرّع الإسلامي ، الذي يطالبنا جميعاً بنصح الآخرين وتنبيههم على أخطائهم ، حيث يدخل (العمل الفني) ضمن مفردات (السلوك) العام أيضاً.
