خلال توبتها وإقرارها بنظافة يوسف.
(نسوة المدينة) بدورهن جسّدن مفهوم (الغيرة) من النساء ، حيث انطلقن من دافع (الحسد) و (الغيرة) في تشهيرهنّ بامرأة العزيز ، وليس بدافع من الفضيلة. ولذلك سرعان ما قطّعن أيديهن عند مرور يوسف عليهن ... وهذا كلُّه فيما يتصل بتجسيد الأفكار المطروحة في السورة. أمَّا من حيث إلقاء الضوء على شخصية يوسف ، وتأثير الأبطال الثانويين في مسار الأحداث ، فأمر لا يحتاج إلى توضيح أنّ لكل من الشخصيات المذكورة مساهمتها : فصاحبا السجن كشفا عن المقدرة العلمية عند يوسف في تفسيره للأحلام ، وإخوته كشفوا عن عنصر التسامح لديه ، وامرأة العزيز كشفت عن نظافته ... وهكذا.
إذن الأبطال الثانويّون لعبوا أدواراً ضخمة في القصة ، من حيث تجسيدها لمختلف الأفكار والمفهومات المتصلة بتركيبة الإنسان وسلوكه ، من جنس وحسدٍ ، وغيرة وتسامح ونقاء ، وتعديل سلوك ، وتوكّل على الله ، وصبر على الشدائد ... إلخ.
عنصر الحوار في القصة :
الحوار ـ كما نعرف جميعاً ـ هو : حديث البطل مع غيره ، وحديثه مع نفسه. ومن البيّن أنّ هذا العنصر يجسّم حيوية القصة بأعلى درجاتها ؛ مادام (الكلام) مع الغير أو مع النفس هو المفصِح عن دوافع الشخصية ورغباتها ، عن صراعها وهدوئها ، بل إنّ (الكلام) قد يحسم مصير الفرد أو الجمهور أو الأُمة. وبالرغم من أنّ (السرد) الذي يعني (قص) الأحداث والمواقف ونقلها إلى الآخرين ، بمقدوره أن يكشف عن أعماق الشخصية ، إلاَّ أنَّه لا تتوفّر فيه إمكانات الحوار ؛ لجملة من الأسباب ، منها : أنّ ترك الشخص يتحدّث بنفسه يظل أشدّ حيوية من نقل كلامه. كما أنّ ما لديه من (أفكار) لا يستطيع المُلاحِظ تعرّفها ما لم يعلِن الشخص ذلك بنفسه ، فضلاً عن أنّ بعض (الأسرار) لا يمكن التحدّث عنها حتى بلسان البطل ، بل يظل متحدّثاً بها مع نفسه ، وهذا ما يتطلّبه أحد شكلَي الحوار ، ونعني (الحوار الداخلي). كما أنّ هناك (حالات) خاصة يستدعيها (التداعي الذهني) ، الذي ينتقل من خلالها الذهنُ من موضوعٍ لآخر تربطه به علاقات (التشابه) ، أو علاقات لا شعورية يتداعى الذهن إليها دون أن ينتبه الشخص إلى مغزى ذلك. ولذلك نجد أنّ القصة الحديثة تلجأ في كثير من نماذجها إلى ترك البطل (يُداعي) بذهنه إلى موضوعات لا علاقة ظاهرية بينها ، فيما يستثمر القاص هذه الخصيصة لطرح مختلف (الأفكار) التي يستهدفها.
المهم ، أنّ (القصة القرآنية) تعتمد عنصر (الحوار) بأشكاله المتنوّعة التي يستدعيها هذا الموقف أو ذاك : مع ملاحظة أنّ الفارق بين القصة الأرضية وقصص القرآن يتحدّد ـ بوضوح ـ
