البلاغة والنقد
البلاغة : مصطلح يطلق على أحد ضروب المعرفة المنتسبة إلى الموروث الأدبي القديم (عربياً وأعجمياً) ، وهو يتضمّن مجموعة من القواعد أو المبادئ التي ينبغي توفّرها في التعبير الأدبي ليكتسب جماليته الخاصة .. بَيْد أنّ هذا الضرب من المعرفة الذي اكتسب طابعاً استقلالياً في الموروث الأدبي ، بدأ يضمر أو يختفي إلى حدٍ كبير في الأدب المعاصر ، وبدأ (النقد الأدبي) يحتفظ لنفسه بهذه المهمة ، ونعني بها : صياغة المبادئ أو القواعد التي ينبغي توفُّرها في التعبير الجميل ، حيث يضطلع ما يُطلق عليه اسم (النقد النظري) بالمهمة المشار إليها ، وهي مهمة تندرج ضمن عنوان عام هو (نظرية الأدب) ، الشاملة لعمليات (التنظير) للظواهر الأدبية. مقابل (دراسة الأدب وتاريخه) ، الشاملة لعمليات (التطبيق) للظواهر المشار إليها.
إن ما نعتزم توضيحه في هذا الحقل هو : أن (البلاغة) في طابعها الموروث ، تظل مثل غالبية ضروب المعرفة ، محكومة بسمة العصر الذي ولدت في نطاقه ، حيث ترتد بجذورها إلى أكثر من ألف عام ، شهدت الأجيال الأدبية من خلالها تطوُّرات ملحوظةً في حقل الأدب وقواعده الفنية ، بحيث لم تعد (البلاغة) منسجمةً مع التطورات التي أشرنا إليها. بل يمكن القول بأن الجمود والقصور والتكلّف تظل من أبرز سمات (البلاغة) القديمة بالقياس إلى أدوات النقد الأدبي المعاصر.
فالبلاغة ـ من جانب ـ تظل محدودة القواعد ، لا تتجاوز صعيد الأشكال الأدبية التي خبرتها القرون الأُولى ، مثل الشعر العمودي والخطبة والرسالة وما إليها ، في حين أن الأشكال الأدبية المعاصرة ـ وفي مقدمتها القصة والمسرحية بكل مستوياتها ـ لا تخبر البلاغة أي شيء من مبادئهما : مع أن هذين الشكلين الأدبيين ، يُعدّان من أكثر الفنون التعبيرية إثارةً وانتشاراً وتأثيراً في النفوس ، ويكفينا أن نجد أن القرآن الكريم يعتمد الشكل القصصي بنحو ملفِت للنظر ، مما يفصح عن أهمية وخطورة الشكل الأدبي المذكور. والغريب أن البلاغة الموروثة
