٢ ـ الوصية :
الوصيّة ـ كما قلنا ـ تكاد تماثل (الرسالة) في بعض أشكالها ، سواء أكانت موجَّهة (على نحو الكتابة) أو على نحوٍ (لفظي) ، كما لو تقدّم الإمام علیهالسلام بالتوصية اللفظية للشخص بدلاً من الكتابة إليه. إلاّ أنها في الحالتين تبقى مطبوعة بالسمات الموضوعية والفنية التي لحظناها في (الرسالة) ، من حيث تحدّد أو تنوّع موضوعاتها ، ومن حيث كونها موجَّهة إلى شخصٍ أو جهة ، ومن حيث كونها تعتمد أدوات التعبير الفنّي.
من نماذج ذلك ـ على سبيل المثال ـ وصيّة الإمام عليّ علیهالسلام إلى الحسن عليهالسلام :
(من الوالد الفان ، المقرّ للزمان ، المُدبر العمر ، المستسلِم للدهر ، الذّام للدنيا ...).
إن هذا الاستهلال يفسح ـ كما هو بيّن ـ عن الشكل الأدبي لهذا النمط من الكتابة ، إنه : التوصية الموجَّهة إلى شخص هو الحسن عليهالسلام. إلاّ أنها بالرغم من اتسامها بما هو خاص (التوجّه إلى شخص) ، نجدها تتجه ـ بطريق غير مباشر ـ إلى عامة الناس. كما نجدها تعنى بمختلف الظواهر العبادية. ويمكننا ملاحظة ذلك في وصلها ـ منذ البدء ـ الاستهلالَ بذمِّ الدنيا وإدبار العمر ، من خلال التعريف بموقف شخصيته علیهالسلام من الدنيا.
وهذا الاستهلال بتعريف شخصيته علیهالسلام يتضمّن نمطين فنّيّين من صياغة الوصيّة ، فمن الحقائق المألوفة (في حقل العمل الفني) أنه يجمع بين الخاص والعام ، أي : ينطلق الكاتب من قضية (فردية) أو (خاصة) ، ليصلها بما هو (عام) ، حتى يُستكمل تمرير الهدف الفكري الذي يَحرص الإمام علیهالسلام توصيله إلى الآخرين. وها هو الإمام علیهالسلام يواصل صياغة (الوصية) وفق بناءٍ عماري تتواشج وتتنامى من خلاله : الموضوعات التي انتظمتها الوصيّة ، (فيُفصّل) ما أجمله في (التمهيد) ، قائلاً :
(أما بعد ، فإني فيما بيّنتُ من إدبار الدنيا عنّي ، وجموح الدهر عليّ ، وإقبال الآخرة إليّ ... حتى كأنَّ شيئاً لو أصابك أصابني ، وكأنّ الموت لو أتاكَ أتاني ، فعناني من أمرك
