التخيّلُ والصورة
إنّ عنصر (التخيّل) يأخذ شكلاً معيّناً من العبارة وتركيبها ، بمعنى أنّنا عندما نُحدِث (علاقة) بين شيئين ، إنّما ننشئ في الواقع مرأى ، أو مشهد ، أو صورة خارجية أو ذهنية ، تتكوّن من طرفين : طرف أول يتضمّن الشيء الذي نخلع عليه (العلاقة الجديدة) مثل : (القلب) الذي نعتزم خلع صفة خاصة عليه ، ثمّ طرف آخر مثل : (الحجر) المتضمّن صفة (القساوة) التي أردنا خلعها على القلب. فهناك إذاً في كل عنصر تخيّلي طرفان يمتزج بعضهما بالآخر ، لينبثق منهما شيء ثالث جديد لا يحمل خصّيصة أحدهما ، بل يحمل خصّيصة متميزة لها استقلالها ، تماماً مثل التركيب الكيميائي لمادّتين حيث تنبثق من التركيب مادة ثالثة جديدة.
إنّ عملية التركيب التخيّلي المذكور يُطلق عليه (في اللغة الفنية الحديثة) مصطلح (الصورة) ، ولعلّ المصطلح البلاغي الموروث الذي يُطلق عليه اسم (البيان) مقابل (المعاني) و (البديع) يجسّد مفهوم (الصورة) التي أشرنا إليها ، حيث إنّ كلاً من : (التشبيه) و (الاستعارة) و (الكناية) وغيرها ، تجسّد مفهوم (الصورة) بمعناها التركيبي المذكور. والحقّ : أنّ كلاً من (المعاني والبيان) يتضمّن الكثير من أقسامهما عنصر (الصورة) أيضاً ، إلاّ أنّ (البيان) يستقلّ في ذلك.
من هنا نجد أنّ مصطلح (الصورة) يظل عنصراً يختزل تلكُم التفصيلات التي تتضمّنها البلاغة القديمة ، ففضلاً عن أنّ البلاغة القديمة تمثل مناخاً خاصاً لا يأتلف مع حياتنا المعاصرة (وهو أمر نعالجه في مكان آخر من هذه الدراسة) ، فإنّ تفصيلاتها المرهقة للأعصاب من الممكن الاستغناء عنها واستبدالها بلغة جديدة تنسجم (ليس مع عصر الاقتصاد اللغوي فحسب) ، بل مع واقع التصور الإسلامي لمفهوم (البلاغة) ، التي وصفها الإمام الصادق عليهالسلام بأنّها تعبير عن دلالة عميقة بلغة مقتصدة.
المهم : أنّ مصطلح (الصورة) يظل هو المجسّد ـ كما قلنا ـ لعملية التركيب التخيّلي. ونظراً لأهمية هذا العنصر ـ وكونه (السمة) المميّزة للغة (الفن) ، وافتراقها عن لغة (العلم) أو التعبير العادي ، ينبغي أن نُفرد له حقلاً مستقلاً نتحدّث من خلاله عن عناصر (الصورة) ، والمعايير التي ينبغي أن تحكمها لتكتسب صفة النجاح الفني ، من خلال ركوننا إلى جوهر المبادئ
