الفنّ وعناصره :
قلنا : إنّ (الفن) يتميّز عن التعبير العلمي أو العادي بكونه يعتمد ـ في نقله أو كشفه للحقائق ـ عنصراً خارجياً ، يمتزج مع الواقع وفق نمط خاص هو إحداث علاقة جديدة بين الأشياء ، كالعلاقة التي لاحظناها بين (الإنفاق) و (الحبّة التي أنبتت سبع سنابل).
إنّ إحداث مثل العلاقة يتضمّن مجموعة من العناصر ، التي تشكل بمجموعها سمة (الفن) ، وهي عناصر قد يستقلّ بعضها عن الآخر حيناً ، وقد تتداخل فيما بينها حيناً آخر. والمهم هو أن نقف عند هذه العناصر ، ونبدأ ذلك بالحديث عن عنصر (التخيّل).
(العنصر التخيّلي) ـ كما أشرنا ـ يُعدّ من أهم عناصر الفن ، إن لم يكن العصب الرئيسي فيها ، ويُقصد به ـ كما هو واضح ـ : ما يقابل عنصر (الواقع) بالنحو الذي تقدّم تفصيل الكلام فيه في الحقل الأول ، إلاّ أنّنا هنا نستهدف عرض هذا العنصر من خلال خصائصه التي ينبغي أن يستخدمها الكاتب وفق المبادئ الإسلامية لها.
إنّ تصوّرات الأرضيين ـ أي الكُتّاب المنعزلين عن السماء ـ لعنصر (التخيّل) ، لا تُحدَّد في معايير خاصة بقدر ما تتجه إلى إحداث علاقة جديدة من الأشياء تُحقّق (الإثارة) للمتلقّي ، بغضّ النظر عن كون هذه (العلاقة) خاضعة للإمكان أو الإحالة ، للواقع أو الوهم ، للصدق أو الكذب ، بيمنا يختلف الأمر في التصوّر الإسلامي لهذا الجانب.
ويمكننا ملاحظة المعايير التي ينبغي أن يستند عنصر (التخيّل) لها ، من خلال الركون إلى (الفن التشريعي) ، أي أنّ الفنان الإسلامي بمقدوره أن يستند إلى نصوص القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت عليهمالسلام في استخلاص المعايير ، أو المبادئ إلى تحكم عنصر (التخيّل).
إنّ أول هذه المعايير هو : ارتكان عنصر (التخيّل) إلى (الواقع) ، سواء أكان هذا الواقع (حسّياً) ، أم (نفسياً) ، أم (غيبياً) ...
(فالواقع) ـ وهذا ما يمكن رصده من جوهر معرفتنا بمبادئ الإسلام ـ إمّا أن يكون (حسّياً) يعتمد الحواس المعروفة من بصر وسمع ونحوهما ، وإمّا أن يكون (نفسياً) يعتمد طبيعة الاستجابات التي نصدر عنها حيال حقيقة من الحقائق ، بحيث تنعكس في واقع (نفسي) لا حقيقة له في الخارج ،
