الخطبة :
الخطبة شكل فني يعتمد الإثارة العاطفية عنصراً في صياغته. وبالرغم من أن العمل الفنّي بعامة يظلّ متميّزاً عن التعبير العلمي ، بخلو هذا الأخير من العنصر العاطفي وتجسّده في العمل الأول ، إلاّ أن النِسَبَ العاطفية تحتفظ بتفاوتٍ ملحوظ من شكل لآخر : ففي حين تكاد القصيدة الغنائية ـ مثلاً ـ تتمحّض للعنصر العاطفي ، نجد أن العنصر المذكور تضؤل نِسَبُه في الأشكال الشعرية الأخرى ، ويكاد يختفي في العمل القصصي في بعض أشكاله ويطغى في أشكال أخرى ، وهكذا.
وفيما يتصل بالخطبة ، فإن العنصر العاطفي يظلّ طابعاً ملازماً لهذا النمط من الفن ، نظراً لطبيعة (الموقف) الذي يستدعيه.
ومن الحقائق المألوفة في حقل (الاجتماع) ، أن (الجمع) يكتسب سمة جماعية يفقد من خلالها كلُّ فرد سمته الشخصية ليندمج في المجموع. وعملية الاندماج المذكورة تقوم أساساً على (عاطفية شديدة). ويحدِّد علماء الاجتماع ثلاث سمات ، هذا الجمع هي : الانبهار ، الإيحاء ، العدوى. وكلّ من السمات المذكورة تقوم على الأساس الانفعالي الذي أشرنا إليه. ومعلوم أن (الخطبة) هي التي تضطلع بمخاطبة هذا (الجمع) ، فيما تستثمر هذه السمات لتمرير أفكارها التي تستهدف إيصالها للجمع ، ومن ثَم تستطيع الخطبة أن تكسب (الجمع) بنحوٍ لا تستطيع الأشكال الفنية الأخرى أن تحقّقه.
المهم ، مادام العنصر (الانفعالي) هو السمة المميزة لفنّ الخطبة ، حينئذٍ فإن السمة المذكورة ستحدِّد أيضاً بناء الخطبة وسائر عناصر الشكل الذي تقوم عليه. وبالرغم من أن (الأساس الانفعالي) الذي تقوم عليه (الخطبة) ، تتطلّب مجرد انتقاء (المواقف) وطريقة طرحها ، إلاّ أن الأدوات الفنية من إيقاع وصورةٍ ، ستساهم دون شك في تصعيد الموقف الانفعالي أيضاً.
