وحيناً آخر ـ في جانب ثانٍ ـ منها يُرْسَم صوَرياً ، ويُناسَق بين مختلف الجوانب ... بغض النظر عن جمالية هذا المبنى الهندسي للخطبة ، نجد أن (التصاعد) بالموقف الانفعالي يأخذ طابعه الملحوظ ، من خلال نقلنا إلى الموجَّهة المباشرة مع وقائع الحياة ، فالهرم والسَّقَم والقلق وسواها ، تشكّل مظاهر يومية نأسى لها وننفعل بمشاهدتها لدى الآخرين أو لدى أنفسنا بالذات ، فالشاب مثلاً حينما يواجه قريباً له قد احتوشه الهرم أو المرض الذي لا شفاء منه ، أو المرض الذي لا يسمح بممارسة العمل العبادي المطلوب ، ... مثل هذا الشاب (ينفعل) بالضرورة ، حيال مشاهدته أو تذكُّره بأمثلة هذه الوقائع التي يواجهها يومياً.
إذن : التصاعد العاطفي بلغ درجة أعلى من سابقتها في نطاق هذا الموقف الذي يتطلّب مثل هذا التصاعد.
أخيراً ، لو تابعنا تمام الخطبة المذكورة ، لأدهشنا ما تنطوي عليه من قيم فكرية وعاطفية ، مصوغة بطرائق هندسية متنوِّعة من المدّ أو التراخي العاطفيين ، فضلاً عن الصياغة الإيقاعية والصوَرية التي لحظنا جانباً من تنوّعها وتواسقها ، وفضلاً عن (البناء) الضخم الذي (يوحّد) بين مختلف أفكار الخطبة وموضوعاتها ، وهو أمرٌ نحيله إلى القارئ ليمارس بنفسه عملية كشف لهذا النمط من الفنّ عند أهل البيت عليهمالسلام.
الخطبة المتقدمة تمثّل نموذجاً من النصوص التي تُعنى بقيم الإيقاع والصورة ، مصحوبة بدرجات متفاوتة من ملاحظة البُعد (الانفعالي) عند المتلقِّي تبعاً للموقف ومتطلباته.
قبال ذلك ، نلحظ نماذج أخرى من الخطب التي لا تُعنى بقيم الإيقاع والصورة بقدر ما تُعنى بملاحظة الاستجابة الانفعالية عند المتلقِّي ، أو لا تعنى بهذه السمة الأخيرة بقدر ما تُعنى بالعنصر الإيقاعي والصوري ، أو لا تعنى بهما جميعاً بقدر ما تحرص على إيصال حقيقة من الحقائق العبادية إلى الجمهور ، معوِّضةٍ عن القيم الصوَرية وغيرها بقيم الحديث المباشر مع الجمع ، لكن وفق انتقاءٍ للعبارة المثيرة ، المتوازية هندسياً ، المتعاقبة سريعاً ، المنْتَقاة أصواتاً ، مع سهولة وإشراق وتمكّن وليونة لفظية.
ولعل خطبة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم المعروفة ، التي ألقاها بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك ، تمثّل هذا النمط من الخطب التي تتميّز بما هو (سهل) وبما هو (ممتنع) ، ولنقرأ : (أيُّها الناس ، إنَّه قد أقبل عليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة ، شهر هو عند الله أفضل الشهور ، وأيامه أفضل الأيام ، ولياليه أفضل الليالي ، وساعاته أفضل الساعات. شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله ، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله : أنفاسكم فيه تسبيح ، ونومكم فيه عبادة ، وعملكم
