النفسي بنظر الاعتبار ، وهو أمرٌ له أهميته الكبيرة في عملية الاستجابة الفنية للنص.
الآن ، بعد أن لحظنا عناصر : الإيقاع والصورة والطرافة والبناء ، يتعيّن علينا أن نتّجه إلى (قيمها الفكرية) وعناصرها (الانفعالية) بالنسبة للقارئ والمستمع ، وليس بالنسبة إلى صاحب الخطبة بطبيعة الحال. أما قيمها الفكرية ، فمن الوضوح بمكانٍ ، وقد لحظناه من خلال العرض السريع لأفكار الخطبة الحائمة على التعريف بطبيعة الحياة الدنيا ، وموقعنا العبادي منها. وأما قيمها العاطفية ، فقد لحظنا أن هذا العنصر قد صيغ بطريقة رصينة لا مجال للتهريج الانفعالي فيها ، بل إن (المنطق) الممتزج بإثارة عاطفية هادئة هو السمة المُحكمة للخطبة.
ولو تابعنا سائر أجزاء الخطبة ، للحظنا أن هذا العنصر يتصاعد حيناً ويتراخى حيناً آخر ؛ تبعاً للموقف النفسي الذي نستجيب له حيال هذه الظاهرة أو تلك. فمثلاً نجد أن (التصاعد) بالعاطفة يأخذ مساره حين نواجه هذه التحذيرات :
(فاتّقوا تقيّة مَن سمع فخشع ، واقترف فاعترف ، ووَجِل فعَمِل ، وحاذر فبادر ، وأيقن فأحسن ، وعُبِّر فاعتبر ، وحُذِّر فازدجر ، وأجاب فأناب). بغض النظر عن الجمال الإيقاعي لهذه الفقرات ، التي احتفظت كلّ واحدة منها ب ـ (قرارين متصلين) ، مثل : سمع فخشع ، اقترف فاعترف ، وَجِل فعَمِل ... إلخ ، بغض النظر عن هذا الإيقاع الذي احتلّ له صياغةً خاصة في هذا القسم من الخطبة ، وأهميّة (التنوّع) في أشكال الإيقاع من مقطع لآخر ، ... بغض النظر عن هذا كله ، نجد أن الإيقاع ـ بشكله المتقدّم ـ ساهم في (التصاعد) بالموقف العاطفي للمستمع والقارئ ، حيث جاء توالي الفقرات وتوالي تجانسها ـ بالشكل المتقدم ـ متناسباً مع توالي (التحذيرات) ، التي تتصاعد بمشاعرنا إلى أن (ننفعل) أكثر بهذه التوصيات ، وأن نتحمّس بنحو أشدّ في الإفادة من التجارب ، بحيث تصبح فُرصُ (التعديل) لسلوكنا أكثر ملائمةً في هذا الموقف.
ثم يتصاعد الموقف (الانفعالي) بنا نحو درجة أعلى حينما نواجه هذا التهديد :
(فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب إلاّ حواني الهرم ، وأهل غضارة الصحّة إلاّ نوازل السَّقَم ، وأهل مدة البقاء إلاّ آونة الفناء : مع قرب الزِّيَال وأُزوف الانتقال ، وعَلَزِ القلق ، وألم المضض ...). أيضاً ، بغض النظر عن العنصر (الصوَري) الذي احتشد في هذا المقطع من الخطية ، بالقياس إلى العنصر (الإيقاعي) الذي احتشد في سابقه ، ... بغض النظر عن هذا البناء الهندسي الذي يُرْسَم حيناً ـ في أحد جوانب العمارة ـ هيكلاً إيقاعياً ،
