فيه مقبول ...
أُذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه ، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم ، ووقّروا فيه كباركم ، وارحموا صغاركم , وصِلُوا أرحامكم ، واحفظوا ألسنتكم ، وغضّوا عمّا لا يحلّ إليه النظر أبصاركم ، وعمّا لا يحلّ إليه الاستماع أسماعكم ، وتحنّنوا على أيتام الناس يُتحنّن على أيتامكم ، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم ، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم ... أيُّها الناس ، إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم ، وظهوركم مثقلة من أوزاركم فخفّفوها بطول سجودكم ... الخ).
المُلاحَظ أن هذه الخطبة تبتعث الإثارة ، بالقدر ذاته من الإثارة التي نلحظها في خطب أو أحاديث النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت عليهمالسلام ، ذات الطابع الإيقاعي والصوَري ، وهذا يعني أن الإثارة الفنية لا تنحصر في نمط محدّد من الإيقاع أو الرسم ، بل يتمّ ذلك من خلال أية لغة تأخذ البطانة الانفعالية والفكرية للجمهور المتلقِّي ، حيث يكون لتوازن الجمل وتعاقبها أثراً في ذلك ، أو يكون للانتقاء الصوتي غير المنتظم في (قرار) أثره أيضاً ، أو يكون للتسلسل النفسي أو الزمني المصاحب لعرض أفكار الخطبة ، أثره أيضاً ، وهكذا ...
إن الخطبة المذكورة لم تهجر نهائيّاً كلاًّ من الصوت المنتظم والصورة ، بل توكّأت عليهما في أمثلة هذا البُعد الإيقاعي :
(وقّروا فيه كباركم ، وارحموا صغاركم ... وغضّوا عمّا لا يحلّ إليه النظر أبصاركم).
ومن أمثلة هذا البُعد الصوَري :
(إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم ، وظهوركم مثقلة من أوزاركم فخفّفوها بطول سجودكم).
ولكن جاء كلٌّ من البُعد الإيقاعي والصوري المذكور ، عابراً بالقياس إلى الإيقاع العام لمجموع الخطبة ، والرسم العام لمجموعها. فالإيقاع العام يتمثّل في ذلك (الجرس) الذي تبتعثه الجمل المتوازية والمتعاقبة والمتكرِّرة : (شهر هو عند الله أفضل الشهور ، وأيامه أفضل الأيام , ولياليه أفضل الليالي ، وساعاته أفضل الساعات).
إن كلاًّ من التكرار والتعاقب والتوازي يشكّل (عناصر) إثارة لدى المستجيب ، لا تقل عن الإثارة التي يبتعثها الإيقاع المنظّم أو الصورة المركّبة. والأهم من ذلك كلّه ، أن ندرك بأنَّ السياق هو الذي يتدخل في تحديد هذا العنصر الفني أو ذاك. ففي سياق شهر رمضان المبارك الذي يقترن بخشوع عبادي خاص ، لا يجيء الحثّ على استقباله من خلال كثافة
