الأبدية.
والمهم ، أن العنصر الصوَري يتلاحق في هذا المقطع الذي استشهدنا ببعض نماذجه ، المتصلة برنق المشرب وردغ المشرع ، وقمص الأرجل وقنص الأحبل ... إلخ. فلو وقفنا ـ على سبيل المثال ـ على الصورتين الأخيرتين : (قمص الأرجل وقنص الأحبل) ، للحظنا أنهما تنتسبان إلى خبرات مألوفة يومياً ، لكنّها متسمة بالطرافة في الوقت ذاته ، وهما سمتا الصورة الناجحة فنياً ، أي : قدرتها على الاستثارة. فقمص الأرجل هو (رفعها وطرحها معاً) ، وقنص الأحبل هو (الاصطياد بحبائلها) ، وهذا يعني أن الصورتين تريدان أن تقولا لنا : إن الموت هو النهاية للحياة التي صوّرتها الخطبة قبل هذه الفقرات. إلاّ أن هذا القول تَمَّ من خلال صورتين : أولاهما : تجسّد عنصر (المباغتة) التي ترفع الأرجل وتضعها فجأةً لينتهي كل شيء ، والثانية : تجسّد عنصر (المخادعة) التي تصطاد ضحيّتها بشباكها.
إذن : كلّ من (المباغتة) و (المخادعة) ، وهما ـ كما نعرف جميعاً ـ من أبرز مظاهر (الحرب) ، وأنجح وسائلها في إحراز النصر ، يظلان من سمات (الحياة الدنيا) في حربها مع الكائن الآدمي ... من هنا ينبغي أن ينتبه القارئ إلى أهمية هذا العنصر (الصوَري) في الخطبة ، بالرغم ممّا يبدو للمتأمل العابر بساطة هذه الصور وأُلفَتَها في الحياة اليومية ، إِلاّ أن هذه البساطة أو الأُلفة كانت من العمق والاصطفاء ، والغنى والتنوّع ، إلى الدرجة التي جسّدت من خلالها أبرز ما يمكن استخدامه في الممارسات العسكرية ، التي تفصح عن (العداء المستحكم) بين طرفي الحرب. ولا نعتقد أن ثَمَّة صورة أخرى يمكنها أن تكشف لنا طبيعة المظهر الدنيوي في (محاربته) للآدميين ، واستخفاء ذلك عليهم ، بمثل الصورة المتقدِّمة ، بالرغم من بساطة الصورة وأُلْفَتِها في الحياة اليومية ، وهي حركة الفَرس المذكورة. وهذا هو ما يفصل بين (فنٍ تشريعي) لا يصدر عن بشرٍ عادي ، وبين (فنّ وضعي) لا يمكنه أن يحقّق كل أطراف الصورة الناجحة بالنحو الذي لحظناه.
أما فيما يتصل بالعنصر الرابع من أدوات الفن ، ونعني به (البناء) ، فلا يمكننا أن نتحدّث عنه مادمنا قد اخترنا قسماً من الخطبة. علماً بأن أهمية البناء الهندسي للنص لا يمكن أن يتّضح إلاّ بالوقوف على النص بأكمله ، لكن مع ذلك يمكننا أن نتعرّف بوضوح على (نموّ) مقاطع هذا القسم الصغير الذي اقتطعناه من الخطبة ، حيث لحظنا كيف أنها ابتدأت بتعريف الوظيفة الخلافية لنا ، وانتقالها إلى رسم معالم (الحياة الدنيا) ، ثم انتقالها إلى حدث (الموت) ، وانتقالها بعد ذلك إلى الحياة (الآخرة) ، حيث أخذت كلاً من التسلسل الزمني و
