الرياش ، وأَرْفَغَ لكم المعاش ، وأحاطكم بالإحصاء ، وأرصد لكم الجزاء ، وآثركم بالنعم السوابغ والرفَّد الرَّوَافِغِ ، وأنذركم بالحجج البوالغ. وأحصاكم عدداً ، ووظَّفَ لكم مُدَداً ، في قرار خِبْرَةٍ ودار عِبْرةٍ ، أنتم مختَبَرون فيها ومحاسبون عليها. فإن الدنيا رَنِقٌ مشربُها رَدِغٌ مشرعُها ، يُونِقُ منظرها ويُوِبقُ مخبرها ، غرور حائل وظلّ زائل وسناد مائل. حَتَّى إِذَا أَنِس نافِرُهَا واطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا ، قَمَصَتْ بأَرجُلِها ، وقَنَصَتْ بأَحْبُلِها ، وأَقْصَدَتْ بأَسْهُمِها ، وأَعْلَقَتِ المرءَ أَوْهَاقَ المَنيَّةِ ، قائدةً له إلى ضَنْك المضجع ، ووحشة المرْجِع ...). ثم تتّجه الخطبة أو الكلمة إلى ظاهرة النشور حيث ينتهي بذلك القسْم. ويعيننا من هذا النموذج أن نعرض عابراً إلى قيمها الفنية أولاً ، حيث نلحظ (القيم الصوتية) متمثِّلة في ما أسميناه ب ـ (القرار الإيقاعي) ، ثم (التجانس) ، ثم (التوازي). فالخطبة في غالبيتها ذات قرارات متنوِّعة : (رياش / معاش ، سوابغ / بوالغ ، حائل / زائل / مائل ، ...). أما عنصر (التوازي) ، فيحتل مساحة ضخمة من النصّ ، تكاد تتكافأ مع مساحة (القرارات) ذاتها. ولنقرأ مثلاً :
مختَبرون فيها ـ محاسبون عليها
رَنِق مشربها ـ رَدِغ مشرعها
يُونِق منظرها ـ يُوبِق مخبرها
قمصت بأرجلها ـ قنصت بأحبلهاحيث إن كلَّ (قرارٍ) مسبوقٌ بجملة متوازية مع الأخرى كما هو واضح.
أخيراً : (التجانس) الصوتي بين مختلف أنماط العبارة ، حتى إنّ (الجملة المتوازية) أيضاً تخضع للتجانس بين أصواتها ، مثل (يُونِق / يُوبِق ، قَمَصَتْ / قَنَصَت) ، مضافاً إلى التجانس الذي يتجاوزها ليشمل فقرات لاحقة ، مثل الفقرات الثلاث :
(قمصت بأرجلها ، وقنصت بأحبلها ، وأقصدت بأسهمها) ، حيث يلاحظ المتذوّق إيقاعاً بالغ المدى في تجانس الأصوات الثلاثة (ص) ، مضافاً إلى الصوت (س) في الفقرة الأخيرة ، فيما تتجانس مع (ص) وانتسابهما مع حرف (الزاي) إلى مجموعة صوتية واحدة كما هو واضح.
ونتّجه إلى عنصر (الصورة) ، فنجدها محتشدةً في المقطع الخاص بالحياة الدنيا. ولا نحتاج إلى أدنى تأمّل لندرك السرّ النفسي وراء الارتكان إلى العنصر الصوَري في هذا المقطع ؛ متمثِّلاً في الحرص على تعرّفها تماماً ، فيما يجيء العنصر الصوَري معمِّقاً ومجلّياً ومبلوراً مفهوم الحياة الدنيا ، وفيما تتركّز عندها وظيفتنا الخلافية ، فضلاً عمّا يتوقّف عليها مصير الحياة
