خلاله ، فالصورة وردت في سياق مقطع كبير خُصِّص للحديث عن الإنفاق ومستوياته عِبر آيات تحوم على هذا الجانب ، مركزِّة على أن يكون الإنفاق في سبيل الله فحسب ، دون أن تشوبه أيَّة رائحة من الذات ، حتى إنها قرّرت بأنَّ عدم الإنفاق مصحوباً بالكلام الحسن ، أفضل من الإنفاق مصحوباً بالمَن والأذى. حينئذٍ فإن مثل هذا الموقف يستدعي الركون ليس إلى تركيب صوري يقارن بين المَن والرياء فحسب ، بل إلى تركيب يزاوج بين المَن والرياء من جانب وبين عملية الحجر الذي أصابه وابل من جانب آخر ، حيث تتأدَّى جملة من الوظائف الفنية من خلال من هذا التركيب ، منها : أن الرياء ـ وهو أشدّ الممارسات مفارقة وبطلاناً للعمل ـ حينما يُقارن بالإنفاق المصحوب بالمَن ، إنما يعمّق من قناعة المتلقِّي بخطورة هذه المفارقة ؛ بصفة أن المقارنة أو تشبيه الشيء بآخر إنما يتم من خلال كون الشيء الآخر أكثر مفارقة ـ أو مماثلاً ـ له. ولذلك ما أن أتمّ التركيبُ الأول هذه الصياغة المفصِحة عن خطورة الإنفاق المصحوب بالمَن ، حتى أردفها بصياغة صورة تضع كلاًّ منهما ـ أي الإنفاق المصحوب بالمَن ، والرياء ـ في عرض أو صعيد مماثل ، حينما قارنت بينهما وبين الحجر الأملس الذي يعلوه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً ..
إذاً أمكننا أن ندرك أهمية الصورة الازدواجية أو المتداخلة ، من حيث المسوّغ الفنّي لها ، وتميّزها عن التراكيب الصورية الأخرى التي تقدَّم الحديث عنها.
الصورة التمثيلية : ويقصد بها : الصورة المركَّبة القائمة على حكاية ذات طابع قصصي واقعي أو مفترض ، لا تتجاوز نطاق البطل الواحد أو الحادثة المفردة العابرة .. وهذا من نحو الصورة التالية التي تفترض حادثة وبطلاً بهذا النحو : (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ...) هذه الصورة وردت في سياق الحديث عن الإنفاق .. وبدلاً من أن تتصدّر الطرف الآخر أداة تشبيه أو تمثيل : بدلاً من ذلك جاءت (الحكاية) مباشرة تشكّل الطرف المشار إليه. الحكاية من الوضوح بمكان .. إنها (تفترض) وجود بطل يمتلك مزرعة من نخيل وأعناب .. ذات أنهار جارية .. ذات ثمرات من جميع الأنواع .. وأصاب البطلَ الكِبَرُ .. وهو ذو ذرية ضعفاء .. فجأةً يكتسح المزرعَة إعصارٌ فيه نار ، فتحترق المزرعة.
من البيّن أن هذه الحادثة التمثيلية يَسِمُها طابع (الحكاية) أو الأُقصوصة ، بما ينتظمها من بطل رئيس (صاحب المزرعة) ، وأبطال ثانويُّون (الذرية) ... وبما ينتظمها من وجود (حادثة) الإعصار ، وبيئة (المزرعة) ... وبما تواكبها من أداة الصياغة القصصية ، مثل
