عنصر (المفاجأة) وعملية احتراق (المزرعة) .. وهذا يعني أن عنصر المقارنة (تشبيهاً أو استعارةً أو رَمزاً أو مطلق الصورة الفنية) قد اعتمد (الحكاية أو الأُقصوصة) بدلاً من أداة التشبيه أو الاستعارة أو الرمز ...
طبيعياً ثَمَّة مسوِّغ فني لأنْ تُصاغ الصورة (حكاية) بدلاً من مجرد التركيب لظواهر عامة ، ففضلاً عن جمالية هذا النمط من التركيب الصوري الذي يعتمد الحكاية عنصر مقارنة أو مزاوجةٍ ، نجد أن الأُقصوصة أو الحكاية لها وظيفتها المتميّزة في التعبير عن الظاهرة المبحوث عنها. فسواء أكان الهدف منها هو إبراز الندم الذي يصدر عن المرائي مثلاً ، أو المنغمس في متاع الحياة أو غيرهما ، فإن المهم هو إبراز المفهوم المشار إليه : أي (الندم) ، طالما نعرف بأن من الندم ما ينحصر في إشباعات غير ضرورية .. ومنه ما يتلافى مثلاً. إلاَّ أنّ من الظواهر ما لا يحتمل الندم عليها ، بل يظل التمزّق والانسحاق والانشطار النفسي يُلاحق الشخص ، مثل الحكاية التي افترضتها الصورة الفنية التي نحن في صددها. إن المزرعة هي المصدر الوحيد للشخص المشار إليه ، يتوقّف عليها تأمين جميع حاجاته الرئيسة مثل المطعم والملبس والمسكن ، وحاجاته الثانوية في مختلف مستوياتها .. ومن الممكن أن يعوّض الشخص عن ذلك في حالة كونه شاباً ، أو كهلاً بمقدوره أن يلتمس مصدراً آخر للرزق ، كما يمكن لذُرِّيته ـ لو كانوا كباراً ـ أن يتولّوا نفقته ونفقتهم .. إلاّ أنه وقد كَبِرَ دون أن يستطيع عمل شيء ما ، كما أنه مسئول عن ذرية ضعفاء : حينئذٍ فإن تأمين حاجته من جانب ، وحاجة الذرية من جانب آخر ، يظل أمراً لا يمكن تلافيه ؛ ممَّا يستتلي وقوعه في صراع وتمزّق لا حدود لهما ، طالما لا يسعفه التحسّر أو الندم على ما أصاب مزرعته من الاحتراق .. إذاً سرد مثل هذه (الحكاية) أو الأُقصوصة ، ينطوي على مهمة فنِّية في غاية الخطورة ، حينما تصاغ في تركيب صُوَري يستهدف لفت النظر إلى الندم والحسرات التي تلحق الشخصية في اليوم الآخر ، عندما يجد أن الإمتاع الدنيوي الذي غرق فيه قد انحسر تماماً ، حيث لا ينفعه الندم على ما فاته من التقصير العبادي. ومن الواضح أن تعميق مثل هذا المفهوم من الممكن أن يتم وفق صورة تركيبية حيوية (أبطال ، حوادث ، بيئات) ، بما يواكبها من تحليل وتعقيب ، وبما تنتظمها من عناصر تشويق مختلفة ، حينئذٍ تشدّ المتلقِّي إلى الحكاية أكثر من غيرها ، بخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن صياغة هذه الصورة التمثيلية جاءت عقب صورة حقّقت هدفها الفني ، صورة (الحجر الذي أصابه وابل) فيما تحدثنا مفصّلاً عنها ، كما أنها جاءت في صياغة تساؤل يستهدف تأكيد الحقيقة المشار إليها (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ..).
