والقوة في نهاية المطاف. وأما صورة (المشكاة) ، فتكتسب نفس الطابع (التفريعي) ، لكن من خلال تصوّر آخر ، هو : أن الصورة تتحدّث عن (النور) (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..) ، حيث يترتّب على التعامل مع (النور) معطيات مختلفة يتفرّع أحدها عن الآخر : فالإيمان يقود إلى الطاعة ، والطاعة تقود إلى المعطيات دنيوياً ، وهذه تقود إلى المعطيات أخروياً ... وهكذا (ومنها معطيات الله تعالى). إن المشكاة والمصباح والزجاجة وسائل لتمرير النور وإشاعته : حيث يتدفّق النور من المصباح ، ثم ينفد من الزجاجة ، ثم ينتشر من خلال المشكاة في الخارج. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن (النور) هو مطلق الخير ، حينئذ فإن كل معطي يقود إلى معطي آخر أو ينفذ إلى معطي آخر ، وهكذا.
إذاً : الصورة التفريعية تأخذ مسوّغاتها فنياً وفق الطبيعة التي تنطوي عليها الظاهرة المبحوث عنها بالنحو الذي لحظناه.
الصورة المتداخلة : هذا النمط من التركيب الصوري يتميّز بطابع خاص له إثارته ودهشته الفنية الملحوظة ، حيث يعتمد التركيب الصوري على تركيب مثله في صياغة الصورة ، بحيث تصبح الصورة (ازدواجية) في تركيبها ، وهذا من نحو قوله : (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ).
فالطرف الآخر من الصورة التي تتركَّب من ظاهرتين ، هما : الصدقة المشفوعة بالمَن ، ثم الإنفاق على نحو الرياء : هذا الطرف الأخير (أي المشبَّه به في المثال المتقدِّم) يعتمد بدوره على طرف آخر (أي مشبَّه به آخر) في تركيب الصورة ، وهو : (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ...) ، بحيث يكون الطرف الآخر (ازدواجي) التركيب. فالمألوف في تركيب أية صورة أن يكون موضع المقارنة نفسه موضع مقارنة أخرى أيضاً ، فهذا من الدهشة الفنية بمكان ، وهو ما نلحظه في الصورة المركبة المشار إليها .. فالآية المذكورة تقول : لا تبطل الإنفاق بالمَن كما يبطل المرائي إنفاقه بالرياء ، ثم تقول : إن المن والرياء يشبه الحجر الأملس الذي يعلوه التراب ، فيصيبه المطر فيجعله صلداً قد أزيح التراب عنه ، حيث لا يمكن إعادة التراب إليه بعد الإزاحة ...
هذا يعني أن (التشبيه) قد اعتمد على (تشبيه) مثله في صياغة الظاهرة ، وهو أمر ـ كما قلنا ـ ملِفت للنظر بما ينطوي عليه هذا التركيب من دهشة وطرافة وإثارة فنية بالغة الدلالة.
والمسوِّغ الفني لهذا النمط من التركيب عائدٌ إلى طبيعة السياق الذي ترد الصورة من
