أما المسوّغ الفني لهذا النمط من تركيب الصور ، فيتمثَّل في كون الظاهرة المبحوث فيها ذات بُعد نفسي ، من المتعذّر على القارئ أن يتمثَّل ويعي ويخبر مستوياتها إلاّ من خلال الصور التوضيحية ، فالقساوة قد تكون ذات حجم عادي وقد تكون ذات حجم كبير ، إلاّ أن الشخصية اليهودية ما دامت متميّزة طوال التأريخ بسمة عدوانية ، لا تضارعها عدوانية الأفراد أو المجتمعات الأخرى ، بخاصة أن سورة البقرة قد توفّرت على قصص مختلف أنماط السلوك العدواني لدى اليهود ، من نحو نبذهم للعهود وقتلهم الأنبياء وكفرانهم بنِعَم الله تعالى ، وتمرُّداتهم المتكررة ، فيما يشكّل مثل هذا السلوك حجماً متميّزاً من قساوة القلب لا تضارعه قساوة أخرى ، ومن ثَمَّ يتطلّب إبراز مثل هذا الظاهرة صوراً بيانية توضّح وتحدِّد مستويات القساوة المشار إليها.
الصورة التفريعية : يتميّز هذا النمط من التركيب الصوري ، بكون الصور الجزئية منتسِبة إلى صورة رئيسية تتفرّع عنها صور جزئية ، تأخذ طابع التفريع : كل صورة تتفرّع عن سابقتها أيضاً ، وهذا من نحو (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ...) ، ونحو : (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ...) ، ونحو : (كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ...). فالصورة الأُولى تتضمّن صوراً جزئية رئيسة ، هي : (الزرع) ، ثم يتفرّع عنها صورة جزئية هي (الشطأ) ، ثم شدّه ، ثم تقويته ، ثم استواؤه. كما أن الصورة الثانية تتضمّن صورة جزئية رئيسة ، هي : (الحَبَّة) ، ثم تتفرّع عنها صورة (السنابل السَّبع) ، ثم تتفرّع عن السنابل السبع صورة (مئة حبة) في كل سنبلة .. إلخ.
والأمر نفسه بالنسبة إلى الصورة الثالثة : حيث تتضمّن صورة جزئية رئيسة هي (المشكاة) ، وتتفرّع عنها صورة (المصباح) في داخلها ، ثم تتفرّع عن المصباح صورة (الزجاجة) التي تكتنفه ... إلخ.
أما المسوغ الفنّي للصور التفريعية ، فتتمثّل في طبيعة الظاهرة المبحوث عنها ، حيث تتميّز هذه الظاهرة ـ وهي : الإنفاق مثلاً ـ بكونها قائمة أساساً على (النماء) الذي يترتّب على الإنفاق ، فالمنفِق تتنامى أمواله على نحو تنامي الزرع ، وحينئذٍ فإن عملية (تفريع) الصور بعضها عن الآخر تتجانس مع (تفريع) الزرع كما هو واضح. والأمر نفسه بالنسبة إلى المؤمنين أو أصحاب محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث كانوا في بداية أمرهم ضعفاء قليلين ، ثم من خلال تضامنهم وتشددّهم على الكفار أصبحوا أقوياء (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، تماماً كما هو طابع الزرع الذي يبدأ ضعيفاً ثم يأخذ في النمو والاستواء
