قال العلماء: إنما أراد تحقيق وصفه بأنه لا يجوز عليه النقص، ولم يرد إثبات جارحة، لأنه لا مدح في إثبات جارحة، بل كأنه قال: إلا ربكم ليس بذي جوارح يتسلط عليها النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزي. ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة لم يكن في ذلك دليل على الإلهية ولا القدم، فإن الكامل في الصورة كثير.
* * *
الحديث الحادي والخمسون: روى البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: «إن اللّه تعالى قال: ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته».
قوله: «كنت سمعه وبصره» مثل، وله أربعة أوجه:
أحدها: كنت كسمعه وبصره فهو يحب طاعتي كما يحب هذه الجوارح.
الثاني: أن كليته مشغولة بي فلا يصغي إلى ما يرضيني ولا يبصر إلا عن أمري.
الثالث: أني أحصل له مقاصده كما ينالها بسمعه وبصره ويده اللواتي تعينه، وأما التردد فخطاب لنا بما نعقل.
* * *
الحديث الثاني والخمسون: روى جبير بن مطعم قال: أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول اللّه جهدت الأنفس وجاع العيال وتهتكت الأموال وهلكت
__________________
ـ وهو أنه كان صحيح العين مثل هذه فطرأ عليها النقص ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه ه. وقال الفخر الرازي في (أساس التقديس) عند الكلام على هذا الحديث: وأما هذا الخبر فمشكل لأن ظاهره يقتضي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أظهر الفرق بين الإله تعالى وبين الدجال بكون الدجال أعور وكون اللّه تعالى ليس بأعور وذلك بعيد، وخبر الواحد إذا بلغ هذه الدرجة في ضعف المعنى وجب أن يعتقد أن الكلام كان مسبوقا بمقدمة لو ذكرت لزال هذا الإشكال، أليس راوي هذا الحديث هو ابن عمر ثم إن المشهور أن ابن عمر لما روى حديث «إن الميت ليعذّب ببكاء أهله» طعنت عائشة رضي اللّه عنها فيه وذكرت أن هذا الكلام من الرسول كان مسبوقا بكلام آخر واحتجّت على ذلك بقوله تعالى: (وَلاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ) [الأنعام: ١٦٤] لو حكى لزال هذا الإشكال فكذا هاهنا أنه من البعيد صدور مثل هذا الكلام من الرسول اه.
