مجرى الموت في هذا الباب. وليس لهم أن يقولوا : إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسي ما كان عليه في حال الطفوليّة جاز ما ذكرناه ؛ وذلك أنّا إنّما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادّعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم وهم كاملو العقول ، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه ؛ على أنّ تجويز النّسيان عليهم ينقص الغرض في الآية ، وذلك أنّ الله تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم وأشهدهم لئلا يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك ، وسقوط الحجّة عنهم فيه ؛ فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجّة وزوالها ، وإن كانوا على الصّفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم ، وصار ذلك عبثا قبيحا ؛ يتعالى الله عنه.
فإن قيل : قد أبطلتم تأويل مخالفيكم ، فما تأويلها الصحيح عندكم؟
قلنا في هذه الآية وجهان :
أحدهما : أن يكون تعالى إنّما عنى بها جماعة من ذرّية بني آدم خلقهم وبلّغهم وأكمل عقولهم ، وقرّرهم على ألسن رسلهم عليهمالسلام بمعرفته وما يجب من طاعته ، فأقرّوا بذلك ، وأشهدهم على أنفسهم به ؛ لئلا يقولوا يوم القيامة : (إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ) (١) ، أو يتعذروا بشرك آبائهم. وإنّما أتى من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظنّ أنّ اسم الذرية لا يقع إلّا على من لم يكن كاملا عاقلا ؛ وليس الأمر كما ظنّ ، لأنّا نسمّي جميع البشر بأنّهم ذرية آدم ؛ وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون ، وقد قال تعالى : (رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) (٢). ولفظ الصالح لا يطلق إلّا على من كان كاملا عاقلا ؛ فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلّفين ؛ فهذا جوابهم.
والجواب الثاني : أنّه تعالى لمّا خلقهم وركّبهم تركيبا يدلّ على معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته ، وأراهم العبر والآيات والدّلائل في أنفسهم وفي
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية : ١٧٢.
(٢) سورة غافر ، الآية : ٨.
![تفسير الشريف المرتضى [ ج ٢ ] تفسير الشريف المرتضى](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3794_nafaes-altawil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
