غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم ، وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله تعالى ، وتعذّر امتناعهم منه ، وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقرّ المعترف ؛ وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة ؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) (١) ، وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ، ولا منهما جواب ، ومثله قوله تعالى : (شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) (٢). ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم ؛ وإنّما لمّا ظهر منهم ظهورا لا يتمكّنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ؛ ومثل هذا قولهم : جوارحي تشهد بنعمتك ، وحالي معترفة بإحسانك. وما روي عن بعض الخطباء من قوله : سل الأرض : من شقّ أنهارك ، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا (٣). وللعرب في هذا المعنى من الكلام المنثور والمنظوم ما لا يحصى كثرة ، ومنه قول الشاعر :
|
إمتلأ الحوض وقال قطني |
|
مهلا رويدا قد ملأت بطني |
ومعنى ذلك : انّني ملأته حتّى أنّه ممّن يقول : حسبي قد اكتفت ، فجعل ما لو كان قائلا لنطق ، كأنّه قال : ونطق به (٤).
[فإن قيل :] ما تقول في الأخبار التي رويت من جهة المخالف والموافق في الذرّ ، وابتداء الخلق على ما تضمّن تلك الأخبار ، هل هي صحيحة أم لا؟ وهل لها مخرج من التأويل يطابق الحقّ؟
الجواب :
إنّ الأدلّة القاطعة إذ دلّت على أمر وجب إثباته والقطع عليه ، وأن لا يرجع عنه بخبر محتمل ، ولا بقول معترض للتأويل ، وتحمل الأخبار الواردة بخلاف ذلك على ما يوافق تلك الدلالة ويطابقه ، وإن رجعنا بذلك عن ظواهرها ،
__________________
(١) سورة فصلت ، الآية : ١١.
(٢) سورة التوبة ، الآية : ١٧.
(٣) الأمالي ، ١ : ٥٤.
(٤) الرسائل ج ١ ص ١١٥ و ١١٤.
![تفسير الشريف المرتضى [ ج ٢ ] تفسير الشريف المرتضى](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3794_nafaes-altawil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
