يجري مجرى التفضّل ـ سواء كان نفيا أو إثباتا ـ كان له أن لا يفعله من حيث كان تفضّلا ، وإنّما يقبح أن لا يفعله من وجه آخر ؛ لأنّه يكون كاذبا مع تقدّم الوعد ، وهذا خارج عمّا نحن بسبيله.
على أنّا نفرض المثال بحيث لا شبهة فنقول : متى وعد بأنّه يتفضّل على زيد بالإحسان ، جاز أن لا يتفضّل على عمرو بمثل ذلك ، ولا يكون مذموما ، وكذلك إذا وعد بأنّه لا يعاقب أحدا من الكفّار جاز أن يعاقب الجميع ، ومثل هذا لا يجوز في الفعل الواجب ، لا على طريق النفي ولا الإثبات. ألا ترى انّه لا يجوز أن يتمدّح بأنّه يفعل بزيد ما استحقّه من الثواب ولا يفعل مثل ذلك بسائر المستحقّين ، فكذلك لا يجوز أن يتمدّح بأنّه لا يظلم زيدا ويظلم غيره ، فقد تمّ غرضنا على كلّ حال في الفرق بين الأمرين.
فأمّا ما يتمدّح به تعالى فيما يرجع إلى ذاته فهو على ضروب ثلاثة :
تمدّح بإثبات على الحقيقة.
وتمدّح بما يجري مجرى الإثبات.
وتمدّح بما جرى مجرى النفي.
وعلى كلّ الوجوه لا يجوز انتفاء المثبت ولا إثبات المنفي ، ولا تغيّر الحال في ذلك ، فالإثبات الحقيقي كالوصف له بأنّه موجود باق ، وما يجري مجرى النفي كنحو تمدّحه تعالى بأنّه (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (١) وبنفي الصاحبة والولد ، ويجري مجرى ذلك تمدّحه بأنّه لا مدرك بالأبصار ، فلا فرق على ما ذكرناه بين من جوّز أن يرى في الآخرة ، وبين من جوّز أن تأخذه سنة أو نوم ، أو يتّخذ ولدا في بعض الأحوال.
فإن قيل : كلّ شيء أشرتم إليه فيما يقتضي انتفائه وإثباته النقص له معقول يقتضي ذلك فيه ، وليس في إثبات رؤيته تعالى وجه معقول يقتضي النقص ،
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية : ٢٥٥.
![تفسير الشريف المرتضى [ ج ٢ ] تفسير الشريف المرتضى](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3794_nafaes-altawil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
