باغة ، من بيت ذي جاه ومال ، وكان الأغلب عليه الأدب والرواية ، وكان قليل الفقه ، أكره على القضاء ، فلم يزل يحسن السّيرة ، ويواصل الاستعفاء إلى أن خرج عبد الرحمن بن منيّوه عن قرطبة ، فعزله هشام وأعاد ابن وافد كما تقدم.
قال : ولم تعلق به لأئمة ، وعاش فيما بعد مقبلا على النسك ، إلى أن توفّي يوم الإثنين للنصف من صفر سنة سبع وأربعمائة بقرطبة ، ومولده صدر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. وذكر ابن مفرج في تاريخه : أنه كان له رحلة حجّ فيها وروى. وجهد المستعين بأبي العباس بن ذكوان في ولاية القضاء فامتنع ، فقسّمه بين يونس بن الصفار ومحمد بن خرز من أعيان زناته إلى أن جاءت دولة ابن حمود.
١٠٠ ـ أبو المطرف عبد الرحمن بن بشر المعروف بابن الحصار (١)
من كتاب ابن حيان : أن أباه كان حصّارا وبنو فطيس يدعون ولاءه. وكان يبدو عليه مذهب الشعوبية في دفع الفخر بالأنساب ، ويتلو : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) [الحجرات : ١٣] ولم يقبل القضاء حتى ناوله عهده بيده عليّ بن حمود ، وأقسم عليه وإن عينه لتدمع ، وكان ماهرا بالحكومة لا يعدله أحد من أهل زمانه في التّوثيق واستنباط النوازل ، مع حلاوة اللفظ وحسن الخطّ ، يشف على الفقهاء بذلك ، مع مساواته إياهم فيما يحذقونه من الفتوى ويحفظونه من المسائل والكتب ، له في ذلك القدم الثابتة ، إلى ما رزقه من الذكاء ، وجمال الهيئة ، وتمام الآلة ، والنزوع في أبواب من المعارف كثيرة ، يجمّل بها محاضرته.
من رجل لئيم الخئولة ، شعوبيّ الرأي ، هادما الشرف بالكلية ، ذي عجرفة يزري به التعريض ، ويحبّ المماتنة الجالبة للعداوة ، أضاع قضاء الفريضة وزهد في الرحلة على الصحة والثروة ، وبه اختتم كملة القضاة بالأندلس على علّاته. ولم يزل بنو (٢) حمود يقدّمونه للقضاء واحدا بعد واحد ، واشتهر بالهوى فيهم ، وتناولته السّعايات ، فعزله هشام المعتدّ المرواني ، وهو بالثغر ، قبل أن يصل إلى قرطبة ، فتأخّر يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة سنة تسع عشرة وأربعمائة ، فكانت مدته اثنتي عشرة سنة وعشرة أشهر وأربعة أيام ، ولم يزل خاملا خائفا إلى أن دفن بمقبرة العباس بعد صلاة العصر من يوم السبت للنصف من شعبان سنة اثنتين وعشرين
__________________
(١) انظر ترجمته في الصلة (ص ٣١٩ ـ ٣٢١) والشذرات (ج ٣ / ص ٢٢٣) ، والديباج (ص ١٤٩). توفي سنة ٤٢٢ ه.
(٢) ترجم لهم المقري في نفح الطيب (ج ١ / ص ٤١١) قال : ملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة وقتلوا المستعين ، ومحوا ملك بني أمية.
![المغرب في حلى المغرب [ ج ١ ] المغرب في حلى المغرب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2271_almaghreb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
