قال : وثار في خاطره أن يرحل إلى موطن أصله ، ويجتمع هنالك مفترق شمله ، ويحلّ بين من له به من الأقارب ، ولا يثني العنان بعد إلى المغارب ، فلما حل بغداد ، أكذبت عينه ظنّه ، وأجدب المراد ، وأخفق المراد ، فرجع لا يلوي على متعذّر ، ولا يمرّ بغير مستكره عنده متكدّر ، فقال :
|
حننت إلى بغداد حيث تمكنت |
|
أصولي فلما أن حللت ببغداد |
|
رأيت ديارا يبعث الهمّ لحظها |
|
وقوما يسومون الغريب بأحقاد |
|
فولّيت عنهم عائدا غير عاطف |
|
وإن كان فيما بينهم نشء أجدادي |
|
وجزت على مصر فغمّضت مقلتي |
|
وقلت بعنف مغرب الشّمس يا حادي |
وكان أشدّ ما لقيه ببغداد ، أنه حرد يوما بحضرة جماعة منهم ، وأفرط في سوء الخلق ، فقال له أحدهم : يا هذا ، بئس ما عوّضتنا عما نقله أبوك من بلدنا إلى المغرب : حمل عنّا علما وأدبا ، وجئتنا بجهل وسوء أدب ، فقال : المشي يلزمني إلى مكة حافيا راجلا إن قعدت لكم في بلد من يومي هذا. وخرج من حينه ، فقال له البواب : من أين أتيت يا إنسان؟ فقال بشدة الغيظ : من لعنة الله! فقال : اصبر حتى أستأذن عنك! وكتب بذلك للوزير ، فقال الوزير : لا ينكر هذا الخلق على مغربي ، فأطلقوه بنصرف إلى موضعه الذي ذكر.
ومن كتاب نجوم السماء في حلى العلماء
١٣٧ ـ أبو الأصبغ عيسى بن عبد الملك بن قزمان (١)
معدود في علماء الحديث والأدب ، وكان المنصور بن أبي عامر قد جعله يؤدّب هشاما المؤيد.
وأنشد له حبيب الأندلسي في كتاب فصل الربيع (٢) :
|
لا شيء أحسن منظرا إن زرته |
|
أو مخبرا من حسن روض ناضر |
|
إن جئته أعطاك أجمل منظر |
|
أو غبت زارك في النّسيم الخاطر |
وأنشد أبو الحجاج البياسي مؤرخ الأندلس :
__________________
(١) ترجمته في يتيمة الدهر (ج ٢ / ص ٣٤) وجذوة المقتبس (ص ٢٨) وبغية الملتمس (ص ٣٩١).
(٢) هو كتاب البديع في وصف الربيع ـ لأبي الوليد إسماعيل يوسف المتوفى سنة ٧٧١ ه. كشف الظنون (ج ٣ / ص ١٧٢).
![المغرب في حلى المغرب [ ج ١ ] المغرب في حلى المغرب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2271_almaghreb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
