العريش ، من الشام ، من لخم. وجرت له خطوب طويلة مع محمد بن أبي عامر ، كانت سبب نزوع نفس هشام إليه وتوليته بعد ابن ذكوان ، فنعم العوض أصاب فيه ، فقد كان فقيها ، عالما ، حافظا ، عادلا ، حاذقا ، خيّرا ، فاضلا ، نزها ، من أعلام الشّورى بقرطبة ، المبرّزين في العلم والرئاسة ، لم يزل يؤذّن له في مسجده المجاور لداره قبل ولايته ، وفيها.
وله رحلة إلى المشرق حجّ فيها ولقي العلماء ، وتحكّك ، وممن لقي أبو محمد بن أبي زيد فقيه المغرب القيروان ولم يزل يصل سببه إلى أن مات ابن أبي زيد ، إلا أنه أخلّ به في ولايته حبّ السلطان ولجاجه في دفع صلح البرابرة ، وقد أهلكوا الناس ، وخالف عبد الرحمن بن منيوه مولى ابن أبي عامر مدبر أمر هشام في ذلك. فكان سبب صرفه يوم الأربعاء لتسع خلون من ذي الحجّة سنة اثنتين وأربعمائة ، فالتزم منزله إلى أن خرج ابن منيوه عن قرطبة ، ودبر الأمر الموالى العامريون ، فأعاد هشام ابن وافد يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ثلاث وأربعمائة إلى القضاء والصلاة بعد تكرّه منه واشتداد من هشام. ولما غلب المستعين بالبرابرة على هشام وأهلك المصر وقلب الدولة استخفى ابن وافد فوقع الطلب الحثيث عليه لما أسلفه من عدواة البرابرة فظفروا به صبيحة يوم الخميس لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعمائة ، فعنفوا به وجرّروه ، وتلّوه على وجهه إلى باب القصر راجلا حافيا ، مكشوف الرأس بادي الصّلعة ، ما عليه إلا قميصه ، وفي رقبته عمامته يقتادونه بها مخترقين به الشوارع إلى باب القصر ، والناس تتقطّع قلوبهم ولا يغنون عنه ، والبربر ينادون عليه : هذا جزاء قاضي النصارى مسبّب الفتنة ، ومعطي المشركين حصون المسلمين على ذلك رشوة ، وهو لا يترك الرّدّ عليهم والتكذيب لهم. فما رئي أجلد منه على محنته ، وأدخل على المستعين ، فأفحش في سبّه. وتقدّم في صلبه. فنظر في ذلك وزيره وصاحب مدينته موسى بن هارون بن حدير ، وكان أشدّ الناس عليه ، فأحضر آلة الصّلب ، والبربر ينتظرون مشاهدته ، وترادفت الشفاعات فيه ، فاستحيا ، وأمر بسجنه في داخل قصره ، وامتنع من أكل طعامه إلى أن تحيلت مولاة له في إيصال قوت ترمّق به ، واشتدت به العلّة ، إلى أن انكشف للناس موته غداة يوم الأحد الأربع عشرة خلت من ذي القعدة سنة أربع وأربعمائة بإخراجه إلى أسطوان الميضأة على باب الجامع ، ملقى موتى المحاويج والغرباء موعظة لمن يبصره فتكفّل به بعض العامة وأحد الزهاد ، ولم يصلّ عليه أحد من المشاهير خوفا من السلطان والعيون.
٩٩ ـ أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن أبي المطرف (١)
من كتاب ابن حيان : أنه استقضي دون الصلاة ما بين دولتي ابن وافد المذكور. وأصله من
__________________
(١) ترجمته في الصلة (ص ٣٠٨) وبغية الملتمس (ص ٣٤٧).
![المغرب في حلى المغرب [ ج ١ ] المغرب في حلى المغرب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2271_almaghreb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
