وأمّا الثاني : فلأنّ جعل الطريق حال انسداد باب العلم بالخصوص بإقامة الدليل عليه كذلك ، إنّما يجب على الله تعالى ويقبح عليه تركه إذا لم يكن هناك طريق عقلي ، والمفروض وجوده وهو الظنّ ، لما ستعرفه من حجّيّته بحكم العقل من جهة دليل الانسداد ، ومعه لا يجب عليه تعالى جعل بالخصوص بإقامة دليل خاصّ على حجّيّة الخبر أو الأمارة ، إلاّ أن يراد به إمضائه تعالى حكم العقل ، ومرجعه إلى عدم المنع من العمل بالظنّ الّذي [ هو ] حكم العقل ، فقد تقرّر أنّه لا قبح في التعبّد ولا في تركه بل كلّ منهما جائز عقلا.
المقام الثاني
في وقوع التعبّد بالظنّ شرعا في الجملة ، أو مطلقا وعدمه ، ومعنى وقوع التعبّد به أنّه يجب علينا من قبله تعالى التديّن بالمظنون ، أو مؤدّى الأمارة ، أو الأخذ به وترتيب الآثار عليه على أنّه الواقع ، سواء كان وجوب شيء أو تحريمه ، أو ندبه أو كراهته أو اباحته ، أو نجاسته أو طهارته ، أو غيرها من الوضعيّات.
وقبل الخوض في أصل المطلب ينبغي تمهيد مقدّمة تحتوي على تأسيس أصل يعوّل عليه ، ويرجع إليه عند عدم الدليل على وقوع التعبّد مطلقا أو في الموارد المشتبهة.
والمراد بالأصل هنا القاعدة المستفادة من الأدلّة ، فهل الأصل بهذا المعنى جواز العمل بالظنّ الّذي لم يدلّ دليل على وقوع التعبّد به ، أو تحريم العمل به؟
فنقول : إنّ العمل به حرام فهو الأصل بالأدلّة الأربعة ، أعني الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.
ومن الكتاب آيات كثيرة حتّى عن بعض الأخباريّين أنّه وجد من الكتاب مائة آية تدلّ على حرمة العمل بالظنّ.
ومن السنّة أيضا روايات كثيرة ، بل قيل ما يقرب من خمسمائة رواية ، ونحن نكتفي من كلّ منهما على ما هو العمدة منه.
أمّا من الكتاب فآيات :
منها : قوله عزّ من قائل في سورة يونس ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
