ولا يخفى ما في ذلك كلّه ، لمنع ظهور التدافع أوّلا فإنّ النفي في كلام بعضهم لا ينافي إثبات الآخرين ، ولو سلّم ظهوره فالوجه في دفعه ما أشرنا إليه من إبداء الفرق بين الحسن في القضيّة المنفيّة والحسن في القضيّة المثبتة ، ولا حاجة مع ذلك إلى تكلّف الوجهين.
وهل أصل البراءة المعمول فيما لا نصّ فيه وما في حكمه باعتبار تعارض النصّين أو إجمال النصّ من الأدلّة العقليّة أو لا؟
قضيّة ظاهر التعريف العدم ، لأنّه ما يتوصّل به إلى نفي الحكم الشرعي لا إلى إثباته ، ويؤكّده مقابلة الأصل للدليل على ما هو المعروف من طريقة الفقهاء والاصوليّين ، فهو ليس من المعرّف ليشمله التعريف ، وعليه فيكون ذكره في باب الأدلّة العقليّة استطرادا.
ويحتمل الشمول بجعل الحكم ـ بناء على التفسير المتقدّم ـ أعمّ من إثبات التكليف ونفيه ، وعليه مبنيّ نظر من عدّه من الأدلّة العقليّة كبعض الأعلام (١) لكنّ الإنصاف أنّه ليس من قبيل الدليل ليتكلّف لإدراجه في تعريف الدليل العقلي بل هو من قبيل المدلول ، سواء كان مدركه النقل لو استفدناه من عمومات الآيات والأخبار ، أو العقل لو تمسّكنا في إثباته إلى قبح التكليف بلا بيان وقبح العقاب من دون إقامة البرهان ، فهو على التقديرين قاعدة مستفادة من الدليل مفادها فراغ الذمّة عن التكليف المشكوك فيه ، فالدليل العقلي على التقدير الثاني هو دليل ذلك الأصل لا نفسه ، وهذا هو السرّ في مقابلة الأصل للدليل ، ومنه يظهر الحال في الاستصحاب إن قلنا به من جهة الأخبار النافية لنقض اليقين بالشكّ فيكون من القواعد الكلّية المستنبطة من الأدلّة الشرعيّة ومفاده وجوب إبقاء ما كان على معنى ترتيب آثارهم ، فيكون ذكره أيضا استطرادا.
نعم إن قلنا به من جهة العقل كما هو طريقة العامّة بناء منهم على حكم العقل بأنّ ما ثبت دام حكما ظنّيّا ، فوجه كونه من الأدلّة العقليّة ـ كما هو الظاهر من أهل هذه الطريقة ـ تعميم الحكم العقلي بالقياس إلى الظنّي منه ، ولعلّ ظاهر التعريف يأباه ، ومنه بان الوجه في كون القياس عند عامليه من الأدلّة العقليّة بناء على أنّ الموجب للتعدّي من الأصل إلى الفرع في الحكم إنّما هو عليّة الجامع الّتي حكم بها العقل بملاحظة إحدى طرق استنباط العلّة حكما ظنّيّا.
وربّما أمكن التأمّل في دخول نحو القياس والاستصحاب ـ من حيث إفادتهما الظنّ
__________________
(١) قوانين الاصول ٢ : ١٣.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
