نعم لو كان الفعل الفائت في الوقت بحيث لم يشرع له قضاء كصلاة العيدين ، وجب التزام بكون مصلحة الأمارة بحيث يتدارك بها مصلحة نفس الفعل أيضا. وكونها بحيث يتدارك بها مصلحة النافلة الفائتة بعد الفراغ حينئذ ، على القول بحرمة التطوّع ممّن عليه فريضة ـ إنّما هو على تقدير كون المراد من الفريضة المانعة من النافلة الفريضة الواقعيّة وإن لم يعلم المكلّف اشتغال ذمّته بها لجهله بالواقع ، بخلاف ما لو كان المراد بها الفريضة الواقعيّة المعلوم للمكلّف اشتغال ذمّته بها ، فمصلحة النافلة على تقدير الإتيان بعد أداء الفعل على خلاف الواقع المستلزم لبقاء المأمور به الواقعي في الذمّة غير فائتة ، لانتفاء المانع بسبب انتفاء جزء موضوعه.
ثمّ إنّ ما ذكرناه من الاعتبار على الوجه الأخير ـ وهو كون جعل الأمارات متوسّطا بين الجعل الطريقي والجعل الموضوعي ـ لا يتفاوت فيه الحال بين الأمارات المعمولة في الأحكام والأمارات المعمولة في الموضوعات.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّ المراد بالأحكام الواقعيّة هي مدلولات الخطابات الواقعيّة الغير المقيّدة بعلوم المكلّفين ، ولا بعدم قيام الأمارات على خلافها ، ولها آثار عقليّة وشرعيّة تترتّب عليها عند العلم بها ، أو قيام أمارة حكم الشارع بوجوب البناء على كون مؤدّاها هو الواقع.
وإنّ ما صار إليه ابن قبة وأتباعه من عدم جواز التعبّد بخبر الواحد ، أو مطلق الأمارة الغير العلميّة عقلا على إطلاقه ممنوع ، بل إنّما يصحّ ذلك على بعض الوجوه المتصوّرة في الجعل حسبما فصّلنا.
وقد يعزى إلى بعضهم (١) ـ ولعلّه من العامّة ـ القول بوجوب التعبّد بخبر الواحد ، أو بمطلق الأمارة على الله سبحانه ، على معنى قبح تركه ، فإنّ الوجوب التكليفي غير معقول في حقّه تعالى ، وهذا مع قول ابن قبة ـ بقبح فعله ـ في طرفي الإفراط والتفريط.
وكيف كان فهو في غاية الضعف والسقوط ولمنع القبح في ترك جعل الخبر أو الأمارة طريقا عليه تعالى ، سواء أراد به قبحه حال انفتاح باب العلم ، أو قبحه حال انسداد بابه.
أمّا الأوّل : فلعدم وجوب جعل الطريق الغير العلمي عليه تعالى عقلا ، مع وجود الطرق العلميّة ، بل ربّما يكون قبيحا كما هو كذلك على بعض الوجوه المتقدّمة.
__________________
(١) حكي هذا المذهب عن ابن سريج وغيره ، انظر العدّة ١ : ٩٨ والمعتمد للبصري ٢ : ١٠٦ والإحكام للآمدي ٢ : ٦٥.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
