العصر الحديث ، وفي مقدمة ذلك : الشعر العمودي.
أما في آداب اللغة العربية الحديثة ، فقد كان هذا الشكل ـ مثل سائر ضروب الفن ـ متأثراً بالتيار الأوربي الذي أخذ طريقه إلى الأذهان منذ أخريات القرن الماضي ، ممّتداً بفاعليته إلى سنواتنا المعاصرة على نحو ما نعرفه جميعاً في هذا الصدد.
والمُلاحَظ أنّه في غمرة الغياب الكامل لهذا الفن في العصور القديمة ، إذا بالقرآن الكريم يطل على اللغة العربية بعنصر (القصة) ، ليس في مجرّد توفّر عناصر القص الفنّي فيها فحسب ، بل في توفّر أشكال الصياغة التي لم تخبرها إِلاَّ التقنية القصصية الحديثة. طبيعياً ، لا قيمة البتة لأيِّ فنٍ (أرضي) ، حديثاً كان أم قديماً ، بالقياس إلى (مبدع) الكائن الآدمي الذي علّمه الله ما لم يعلم. بَيْد أننا أردنا من هذه الإشارة للفنّ القصصي لفْت الانتباه إلى خلوّ الساحة الأدبية من الفن المذكور في عصر الرسالة الإسلامية ، وعدم استثمار أهميته العظيمة عند المعنيّين بشئون الأدب عصرئذٍ ، بخاصة في توفّره على نمطٍ من القصة (العمليّة) التي لم تجد لها طريقاً إلى الظهور ، مع توفّر عناصر الفن ، لا في آداب اللغة الأجنبية ولا في آداب لغتنا.
إن (القصة العمليّة) التي تطبع سمة القرآن الكريم ، تجسّد نمطاً من الطرح الحقيقي ل ـ (الواقع) ، لا أنّه مجرد (محاكاة) أو (كشف) أو (رؤية) للواقع الذي تخضعه القصةُ الأرضيّة لظاهرة (الإمكان) أو (الاحتمال). بكلمة أخرى : القصة القرآنية الكريمة لم تكن مجرّد (اصطناع) للواقع ـ كما هو طابع القصة الأرضيّة ـ بل هو تناولٌ لنفس (الواقع) ، ولكن وفق عملية (اصطفاء) لحوادثه وشخصياته وبيئاته ، بحيث يتميّز حتى عن بعض أشكال القصة التي عرفتها (الأرضُ) في نمطها المسمّى ب ـ (القصة التاريخية) ، فيما تتناول (هذه الأخيرة) شرائح معيّنة من حوادث (الواقع) أيضاً ، ولكن (تضيف) إِليه عناصر (مصطنعة) يستهدفها القاص لأغراض فنّية تتصل ب ـ (التشويق) وغيره ، ولأغراض فكرية تجسّد إبراز (وجهة النظر) للقاص ، وهذا ما يسلخ عنها سمة (الواقع العملي) أيضاً ، إلاّ تلك النماذج التي تخلو من عناصر الفن ، مما ينأى عن طابع العمل الفنّي.
وأيّاً كان الأمر ، فإن (القصة العملية) تختلف ـ كما هو واضح ـ عن (القصة الواقعية) و (القصة التاريخية) اللتين ألِفتْهُما (الأرض) ، من حيث كون أُولاهما (كشفاً) للواقع ، ومن حيث كون أُخراهما (تحويراً) للواقع ، في حين أن (القصة العملية) (نقلة فنّية) للواقع.
يترتّب على ذلك أن عمارة القصة القرآنية ستأخذ خطوطاً خاصة تتناسب مع طابعها (العملي) المذكور بنظر الاعتبار ، ومن ثَمّ فإن المعايير التي ينبغي مراعاتها في دراسة القصة القرآنية لا تتحدّد ، ضرورةً ، بمبادئ النقد الجمالي الذي عرفته (الأرض) بقدر ما ينبغي أن
