القصوى ، وهو : التكذيب باليوم الآخر ونتائجه ، حينئذٍ يستكشف القارئ بسهولة أن هناك علاقة بين خطورة التكذيب وخطورة التطفيف. ومع أن أحدهما غير الآخر ، إِلاَّ أنهما يخضعان لخطورة متجانسة من حيث المفارقة التي ينطويان عليها ، ومن حيث النتائج المترتبة على ذلك ، بخاصة أن الحديث عن المطفِّفين قد ختمته السورة بالإنذار القائل : (أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) ، فهذا اليوم العظيم الذي حذّرت منه السورةُ هؤلاء المطفِّفين ، قد رسمته بعد ذلك لمطلق المكذّبين : بحيث (يتداعى) الذهن مباشرةً إلى الربط بين (يوم الدين) الذي هدّدت به السورة ، وبين (يوم الدين) الذي فصّلت الحديث عنه بالنسبة إلى المكذبين. إذن : كلّ ما حدّثنا النصُ به عن المكذّبين ، (تتداعى) أذهانُنا من خلاله إلى (المطفِّفين) أيضاً ، بحيث يستجيب القارئ إلى القضيتين بطريقة (موحَّدة) ، تدعه ـ ولو بشكل غير واعٍ ـ قد اتجه بعد تلاوة السورة إلى إدراك أن التكذيب بيوم الدين مفارقة ضخة تترتب عليها نتائج من أبرزها :
ضحك المؤمنين (وهُمْ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتّكِئُونَ) من المكذبين (وهم في جهنم) ، وإلى أن (المطفِّفين) أيضاً من الممكن أن يواجههم المصير ذاته. وتظل النتيجة هي : أن (المطفّف) (وهو في حالة كونه مؤمناً بالله) سيحاول تعديل سلوكه : وهو (هَدَفُ) النص فكرياً ، وإلاَّ فإن المكذبين أساساً يظلون بمنأى عن تلاوة القرآن الكريم والإفادات منه في تعديل السلوك. على أية حال ، إِنّ سائر السور القرآنية تظل مطبوعة بنفس هذه السمة التي لحظناها في سورة المطفِّفين ، أو (التجانس) الملحوظ بين موضوعات سورة الكهف ، أو (التلاحم) بين موضوعات سورة البقرة ، وهي جميعاً تخضع لأسرار العمليات النفسية التي لا يدركها القارئ العابر ، بقدر ما (يتأثر) بها بشكل لا واعٍ ، بحيث (يتحسّس) وهو ينتهي من تلاوة هذه السورة أو تلك : أن (انطباعاً) محدداً قد تركزّ في ذهنه ، يتميز عن (الانطباع) الذي تتركه سورة أخرى ... وهذا ما يستهدفه الفن العظيم من خلال رسمه لكل سورة (هدفاً خاصاً) بها.
٢ ـ العنصر القصصي :
القصة (ومثلها : المسرحيّة) ـ كما أشرنا ـ شكل أدبيّ يمتد بجذوره إلى العصر الإغريقي. وقد مرّ بمراحل من التطور : بخاصة منذ القرن الماضي ، حتى انتهى إلى النحو الذي نألفه في حياتنا المعاصرة من نضجٍ وتنوّعٍ في أشكاله وتقنيته.
أمّا في آداب اللغة العربية ، فلم يُعرف هذا الشكل الفنّي في العصور الموروثة ، خلا بعض النماذج العادية التي لم تتوفّر فيها عناصر (القص المألوف) ، فيما لم تسحب أدنى أثر على الحياة الأدبية بالقياس إلى ما ألِفَه الأدب الموروث من أشكال فنّية متنوعة احتفظت بفاعليتها حتى
