ضلالة (امرئ القيس) ، بل يعنيهم (شعره العربي) ، وهذا هو سرّ المأساة.
لا أعلم كيف نسمح لأنفسنا بمدارسة قصائد القيس وطرفة وسواهما ، بما تنطوى عليه من (عصبيّات) ، وبما تنطوى عليه من تقاليد (في تناول الخمر) ، وأعراف (من ممارسة الجنس). فضلاً عن (الفكر الوثني) الذي يشيع في تضاعيف هذه القصيدة أو تلك. لا أعلم كيف نسمح لأنفسنا بمطالبة المنتسبين للمؤسسات الثانوية والجامعية بحفظ هذه القصائد وإفساد أذهانهم بها ، وإرهاق أعصابهم بقراءتها ، وتضييع أوقاتهم الثمنية التي ينبغي أن يستثمروها ـ في العمر القصير ـ بممارسة العمل العبادي الذي (وظّفنا) من أجله ... كيف نسمح لأنفسنا ـ نحن المعنيّين بشئون الأدب الإسلامي ـ بإضلال الطلاّب وإفسادهم بهذا النمط من الأدب المفروض على مناهج الدراسة؟
إنها لمسئولية ضخمة ، لابدّ للمهتمين بمناهج الدراسة من الالتفات إليها.
طبيعياً ، أنه من الممكن مثلاً أن يشير (الدارس) إلى محتويات الأدب الجاهلي ، ويلفت انتباه الطالب إلى قيمه (المنحرفة) ، وبمقدوره أيضاً أن يركّز على تقاليده (المباحة) ، أو يلفت الانتباه إلى بعض (الومضات) الخيّرة التي تشع في قصائد بعض الشعراء فيما يتصل ب ـ (الحنيفية) ، وفيما يتصل ب ـ (التوحيد) ، وفيما يتصل بالإشارة إلى (المبدع). وهكذا فيما يتصل ببعض (الخُطب) الفنية التي تتضمن بعداً دينياً ... أقول : بمقدور الدارس أن يركّز على نصوص أدبية وجدت هنا وهناك على لسان بعض الشعراء والخطباء عصرئذٍ ... إلاَّ أن هذه النصوص ضئيلة (الكم) بالقياس إلى ضخامة الأدب المنحرف الوثني. ومع ذلك ، فإذا افترض أننا مضطرون إلى مدارسة هذا العصر ، حينئذٍ لا مانع من التوفّر على دراسة النصوص المتضمِّنة لمبادئ (التوحيد) فحسب. أما سائر النصوص ، فيكتفى منها بمجرد الإشارة ، كأن نلفت انتباه الطالب إلى أن معظم نصوص الأدب الجاهلي تتضمن مبادئ منحرفة ، لا حاجة إلى الوقوف عليها.
نعم ، في حالة واحدة يمكننا أن نقدّم هذه النصوص ، ولكن من أجل (الردّ) عليها ، وتبيين مفاسدها ، لا أن نقرّرها مادة مدروسة يحفظها الطالب ، وإلاَّ نكون قد احتفظنا بكتب (الضلال) التي شدّد المشرع الإسلامي في المنع منها ، وتوعّدنا بالعقاب على نشرها بين الناس.
إن مدرّسي الأدب الجاهلي ، غافلون تماماً من أنهم يمارسون عملاً (محرماً) ، هو : نشر (الضلال). تُرى هل انتبهنا على هذه الممارسة المحظورة شرعاً؟! أرجو من الإسلاميين (الملتزمين) أن يتداركوا هذا الجانب ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
* * *
وإذا اتجهنا إلى سائر عصور الأدب ، وجدنا أن المشكلة ذاتها تتسرّب في دراسة مؤرّخي الأدب. فالمؤرّخون ـ تبعاً لإخضاع الدراسة للعصور السياسية ـ يتّجهون إلى الفترة التي تلي العصر الجاهلي و
