ما هو الفنّ؟
الفنّ ـ في التجربة البشرية ـ : نمطٌ خاص من التعبير عن حقائق الحياة. فإذا كانت اللغة العلمية أو العادية التي نستخدمها في حياتنا اليومية تتميّز بكونها تعبيراً مباشراً عن الحقائق ، فإنّ اللغة الفنية تتميّز بكونها تعبيراً غير مباشر عنها. والفارق بين اللغة المباشرة وغير المباشرة : أنّ الأُولى منهما تعتمد نقل الحقائق بصورتها الواقعية ، كما لو قلنا : إنّ (١+٣ =٤) ، أو قلنا : إنّ الماء يتكوّن من عنصرين. بينما تعتمد لغة الفن عنصر (التخيّل) أساساً لها ، أي العنصر المتمثل في إحداث (علاقة) جديدة بين الحقائق التي تستهدف نقلها إلى الآخرين. فإذا أردنا أن نتبيّن ـ على سبيل المثال ـ أهمية الإنفاق (في سبيل الله) ، قلنا : إنّ مَن يُنفق أمواله من أجل الله فسيُعوّض بأضعاف ذلك ، وحينئذٍ يكون هذا التعبير (واقعياً) ، أو (عادياً) ، أو (علمياً) ، لكن عندما نقول مع الآية الكريمة : (مَثَلُ الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ ...) حينئذٍ يكون هذا التعبير (فنياً). والفارق بين التعبير الأسبق وهذا التعبير ، هو : إضافة أو إحداث علاقة جديدة بين (الإنفاق) و (الحبّة) التي لا علاقة لها بذلك في الواقع الحسّي ، والمسوّغُ لإحداث هذه العلاقة بينهما هو : تعميق الهدف أو الدلالة في ذهن المتلقّي (القارئ ، المستمع ، المُشاهِد).
ومن البيّن : أنّ بعض المواقف تستدعي أمثلة هذا التعبير بُغية تحقيق الهدف المتقدّم ، بينما لا تستدعي المواقف الأخرى أمثلة ذلك ، كما لو أردنا تعريف الماء مثلاً أو أيّة حقيقة علمية أو عادية.
طبيعياً أنّ (العلم) قد يحتاج إلى عنصر (التخيّل) في تعميق دلالاته أيضاً ، كما لو أردنا أن نوضّح للقارئ أو نُقرّب إلى ذهنه ـ مثلاً ـ مدى احتياج الإنسان إلى الغذاء لمواصلة حياته ، حيث نقوم بعملية (تشبيه) بينه وبين الماكنة المستخدَمة في وسيلة النقل من حيث احتياجها إلى (الوقود) ... بل إنّ (العلم) قد يَستخدم لغة (التخيّل) أساساً لبعض قضاياه ، كما يُلحظ ذلك مثلاً في الجهاز المسمّى ب ـ (العقل الإلكتروني). فهذه التسمية نفسها (فنٌ) مادامت قد استخدَمت عنصر (التخيّل) ، إلاّ أنّ الفارق بين (الفن) و (العلم) ـ أو (اللغة العادية) ـ يكمُن في ضخامة وضآلة النسبة التخيّلية من جانب ، وفي ركون أولهما إلى عنصر (ذاتي) ، والآخر إلى عنصر (موضوعي) من جانب
