ومن البيّن أن اكتشاف الباحث العلمي للحقيقة النفسية المذكورة ، تلقي مزيداً من الضوء على دقائق الموضوع وتفصيلاته التي لم تكن لتتضح بجلاء ، لو لم يسلّط عليها الضوء النفسي المذكور.
٢ ـ دراسة النص وعلاقته بالجمهور. ثَمَّة فرع من العلوم النفسية يسمّى ب ـ (علم نفس الجمهور) ، وهدف هذا الضرب من المعرفة هو ، دراسة الأساليب النفسية التي ينبغي أن تصاغ بنحو تترك تأثيرها في المتلقّي ، مادمنا نعرف بأن التركيبة البشرية ذات استعداد معين لمختلف الاستجابات ، تبعاً للطريقة التي ينتخبها الباحث أو المصلح أو الخطيب مثلاً ...
من هنا نجد أن علماء النفس طالما يخطّطون هذا الأسلوب أو ذاك ، بغية التأثير على نفسية الجمهور ، سواء أكان ذلك في ميدان الصحة النفسية ، أو الميادين الأخرى المتصلة بالسياسة والاقتصاد والاجتماع ، وسواء أكان ذلك مقترنا بهدف ايجابي أو سلبي. ولعل ما يصطلح عليه ب ـ (الحرب النفسية) مثلاً ، يعد نموذجاً واحداً من أشكال هذا الضرب من المعرفة ، التي تعنى بتحديد العلاقة بين المنبّه والاستجابة ، وصياغتها وفقاً لِما ينطوي عليه هذا الهدف أو ذاك من انعكاسات سلبية على الجمهور. وبالمقابل ، فإن الانعكاسات الايجابية تأخذ طريقها أيضاً في هذا الميدان ، من نحو دراسة مختلف الأساليب التي تساهم في تعميق دلالة الخير في النفس الإنسانية ، أو في توصيل دلالة النص الفني أو العلمي إلى المتلقّي ... وهذا المنحى الأخير من الدراسة ، أي : دراسة عملية التوصيل الفني والعلمي ، يظل في الصميم من مهمة الباحث ، مادام الباحث معنياً بدراسة النصوص أو الموضوعات وفقاً لانعكاساتها على الآخرين.
ولنأخذ مثلاً على ذلك :
لقد استهدف القرآن الكريم في إشارته للإبداع الكوني تعميق الدلالة المذكورة فنِّياً ، فبدأ في سورة الملك ـ مثلاً ـ بلفت أنظارنا إلى خلق السماوات : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ). هذه الآية لو دقّقنا النظر فيها ، للحظنا أن دراستها في ضوء قوانين التفكير البشرى ، أي : طبيعة الآلية الذهنية من حيث استجابتها لعملية (التعلّم) مطلقاً ، سوف تسعفنا على فهم الكثير من أسرارها ... فمن الواضح أن عملية التفكير تبدأ (في بعض قوانينها) من (المجمل) إلى (المفصّل) ، أو من (الكل) إلى (الجزء) ، فأنت حينما تفتح صفحة من الكتاب مثلاً ، إنما تتصورها (كلاّ) ، ثم تبدأ بتشخيص سطورها ، ثم العبارات ، ثم ، الحروف ... وقد يحدث العكس ، تبعاً للموقف ، فتبدأ من الحروف إلى الأسطر إلى الصفحة.
ولو عدنا إلى الآية الكريمة ، للحظناها بادئة بمجمل الإبداع المذكور ، وهو (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا). ثم يفرز هذه السماوات من حيث علاقتها واحدة بالأخرى ، متمثّلة في (عدم التفاوت) بينها : (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ). ثم بفرز السماء الواحدة من حيث عدم مشاهدة (الشقوق)
